12 شباط 2017

لم تنجب الحاجة "أم محمود" أولادا لكنها وزوجها اختارا اللقب، بعد عشر سنوات من الزواج، كان واضحا أنهما فقدا الأمل بمرور الزمن، حتى لم يعد للموضوع أهمية تذكر بالنسبة لهما، رغم انزعاجهما من التعليقات المستمرة حول مستقبلهما، فالجميع يرى في إنجاب عدد كبير من الأولاد مصدرا للطمأنينة وضمانا لتأمين الدعم المادي في مرحلة الشيخوخة، ولا سيما إذا كانوا ذكورا ، لكن ليس باليد حيلة.

قبل اندلاع الحرب في سورية، توفي الزوج، تاركا "أم محمود" وحيدة، إلا من الثرثرة مع الجيران والزبائن، فهي تكسب عيشها من صنع الأجبان وبيعها، لكن الظروف تغيرت مع وصول الاشتباكات إلى منطقة التي تسكن فيها، كان عليها مرغمة أن تقصد بيت واحد من إخوتها،هنا بدأت مرحلة مؤلمة من حياتها، فهي لم تفقد مصدر رزقها فحسب بل استقلاليتها أيضا وبالطبع همتها وقدرتها على العمل. اليوم صارت "أم محمود" من المنسيات، بعد إصابتها بالخرف، حتى إنها محتاجة لمن يهتم بها، ينظفها ويدخلها الحمام، والأهم مراقبتها خشية أن تؤذي نفسها أو غيرها. ولو سألنا: ماذا تأكل الحاجة؟ هل استشار أقاربها طبيبا ما؟ من يضمن عدم تعرضها لأذى نفسي وجسدي؟ عدا عن سرقة ما تملكه من مال؟. حقيقة لن نجد من يجيب، فالحاجة متكورة على نفسها، في غرفة صغيرة، لا تعرف الدفء، ولا تستطيع التعرف على أحد، لكن لا جدوى من الاعتراض على وضعها أو التعاطف معها، يقول إخوة الحاجة: من لم يعجبه الوضع، فليتفضل ويساعدنا في كفاية أنفسنا وكفاية أم محمود!. ما سبق نموذج لما يعانيه كبار السن هذه الأيام، وإن كانت المعاناة حالة سابقة للحرب، لكنها أقل وطأة بالتأكيد، فلم يكن النزوح والتهجير أمرا واردا قبل سنوات، ولم يكن لصفير القذائف وسيارات الإسعاف وجود يذكر.

أما كيف يتدبرون أمورهم، فالقصة مرهونة بالظرف المعيشي والمادي حولهم، فمن لديه أبناء وعائلة وراتب تقاعدي، يفترض أن يكون بخير قياسا لمن هم من دون معيل، ومن يتمتعون بشيء من الصحة أفضل ممن أصابتهم أمراض الشيخوخة، ولا ننسى هنا من انتهى بهم الحال في مراكز الإيواء، ومن يتسولون في الشوارع والحدائق. عام 2014 وضعت الهيئة السورية لشؤون الأسرة، توجهات عامة لاستراتيجية وطنية لرعاية المسنين، يفترض أن تستمر حتى عام 2020 ، ضمّنتها سبع أفكار رئيسية تشكل المنطلق الأساسي لرعاية المسنين، وتطرح القضايا التي تستوجب التدخل لتحسين نوعية الحياة وتيسيرها لهم، وتمكينهم من العيش الكريم والآمن والحياة المنتجة. بينت الاستراتيجية أن أعداد المسنين ونسبتهم من إجمالي السكان آخذة بالتزايد المطرد على المستوى العالمي والمحلي نتيجة التطور الحضاري والصحي الذي شهده العالم، وفي سورية وصل عدد المسنين إلى 1.385 مليون مسن في العام 2012 ، بنسبة 6.4 % م ن إجمالي حجم السكان، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى حوالي 5.732 ملايين مسن في العام 2050 بنسبة تصل إلى 13 % من السكان. قُسمت احتياجات المسنين فيها، لا سيما في الظروف الراهنة، إلى جسمانية تضم "السكن والتغذية المناسبين، توفير مجال للحركة والرياضة، الكشف الطبي الدوري، المتابعة الصحية"، واحتياجات مادية، وأخرى اجتماعية تتيح للمسنين التواصل المستمر مع الأشخاص بما يشعرهم بوجودهم وكيانهم، وأنهم ما زالوا أفرادا ذوي أهمية وفائدة للمجتمع والأسرة، أيضا هناك احتياجات روحية ونفسية من خلال توفير أجواء الراحة والاطمئنان. لكن ما لاحظته الاستراتيجية عموما، هو أن حقوق واحتياجات ومساهمات المسنين، خلال حالات الأزمات، لا يجري إيلاؤها الاهتمام الكافي، وثمة حاجة ملحة للالتفات إليهم من صناع القرار والعاملين في المجال الإنساني، فعدم قدرتهم على الحركة السريعة وضعف النظر وإصابتهم بأمراض مزمنة، قد يحول دون حصولهم على الدعم، كما أن خدمات المساعدة ربما لا تأخذ هذه القضايا بعين الاعتبار. وفي بعض الأحيان يتردد المسنون في حالات النزوح حيال مغادرة منازلهم، ليكونوا بالتالي آخر الفارين من الخطر، وفي حال نزوحهم، يعانون من اضطرابات كبيرة وغالبا ما ينعزلون اجتماعيا، وينفصلون عن أسرهم ما يسهم في زيادة ضعفهم. وحيث إن من حق المسنين الحصول على الحماية والرعاية على قدم المساواة مع غيرهم بمقتضى القوانين والتشريعات الوطنية والدولية، فإن نشر التوعية بأهمية حقوقهم واحتياجاتهم يعتبر الخطوة الأولى نحو التخفيف من مغبة إهمالهم أثناء الأزمات وتمكينهم من مواصلة إعالة أنفسهم وذويهم، حسبما جاء في الاستراتيجية.

صعوبات كسب الرزق تكاد تكون الأبرز في هذه المرحلة، ففي الكثير من الأحيان يجد المسنون أنفسهم مضطرين إلى كسب عيشهم طالما كانوا قادرين على ذلك، لكن الإقصاء العشوائي من الأنشطة التي تدرّ دخلا يعد أمراً شائعاً وغالبا ما يتم التخطيط لأنشطة تساعد الناس على استرجاع مصادر كسب عيشهم من دون مراعاة فئة المسنين وقدراتهم. وقد يتأثرون أكثر من غيرهم في الأزمات لأنهم غالبا ما يكونون أوصياء على الأرض أو العقارات التي تعرضت للخراب، كما أن وضع النساء المسنات في القطاع الاقتصادي غير الرسمي قد يحرمهن من المهارات والكفاءات التسويقية الضرورية ، ويمكن القول إن الأرامل المسنات غالباً ما يكن أكثر الأفراد تضررا جراء العادات والتقاليد التي تحرم بعضهن من حق الإرث بعد وفاة أزواجهن. أما عن وضعهم الصحي، يوضح مدير الصحة النفسية في وزارة الصحة، الدكتور رمضان محفوري في حديثه ل"الأيام أن الخرف يعتبر من أكثر الأمراض انتشارا بين كبار السن، حيث تتفاوت نسبته تبعا لاختلاف العمر عالميا ف"من 65 حتى 75 عاماً ، تتراوح النسبة بين 3 إلى 5 % ، من 75 حتى 85 عاماً تصل النسبة إلى 15 %، ومن 85 حتى 90 عاماً ، ترتفع النسبة من 25 إلى % 30". لكن هل ساهمت الحرب في ارتفاع نسبة الخرف بين المسنين السوريين؟

يشرح محفوري: الأزمات لا تأتي منفردة عادة، بالنسبة للمسن فقد هاجر الأبناء خارج البلاد، ولم يعد لتقاعده قيمة تذكر مقابل الغلاء الحاصل، تاليا صار يعاني العزلة وضيق الحال، كل هذا سيؤثر على كبار السن أكثر من الشباب، وعليه فإن نسبة الإصابة بالخرف لم تتأثر، لكن ازدادت حالات القلق والاكتئاب والشدة، وهي اضطرابات تؤثر على المعرفة، وتعزز حالة الخرف، وقد أولتهم مديرية الصحة النفسية عناية كغيرهم من الفئات الهشة في المجتمع، حتى إن أدويتهم لم تفقد، مع توفر البدائل باستمرار. إضافة إلى الخرف، تتدنى مع تقدم العمر الوظائف التنفيذية والقدرة على جمع التفاصيل ضمن "الصورة الكبيرة"، وعليه يقوم كبار السن بالتركيز على التفاصيل غير المهمة، ما يفسر لم اذا يصبح بعض الأشخاص الذين كانوا يشغلون وظائف عالية التطلب، سعداء جدا بالتقاعد، وإشغال أنفسهم بالتفاصيل الهامشية في المنزل. يعاني المسنون من مرض الزهايمر، وتظهر أيضا عوارضه في التدهور التدريجي للذاكرة ونسيان الحوادث الأخيرة، في حين تبقى ذاكرة الحوادث القديمة سليمة حتى مراحل المرض الأخيرة، وقد يحدث الصراخ في الحالات المتقدمة من المرض، مع الإشارة إلى أن أقارب المريض المباشرين، غالبا ما يعانون من مشكلات صحية خاصة، ومن المهم جدا تمتعهم بصحة جيدة حتى يتمكنوا من تقديم الرعاية الملائمة له.

أصدرت الدولة ع ام 1981 قانونا نص على إحداث دور لرعاية كبار السن في المحافظات السورية، تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بعد أن كانت مراكز الإيواء الخاصة بهم، ضمن دور المبرات للعجزة، والتي تشمل فئات "المشردين، المتسولين، ذوي الاحتياجات الخاصة". عن أوضاع المسنين في دار السعادة شرحت مديرتها ميساء الشعباني ل"الأيام": حاولنا ألا ندع أحدا يشعر بالفرق بين الوضع قبل الحرب وخلالها، لكن لا يمكن ضمان ذلك أو التحايل عليه، فمثلاً كانت الرفاهية متاحة أكثر، لكن الرحلات والحفلات توقفت بسبب الظرف العام نفسيا وماديا ، سابقا كانت التدفئة مستمرة طيلة الوقت مع الماء الساخن، لكن غلاء الأسعار أجبرنا على تقنين معين، فالدار مؤلف من بناءين، في كل منها 4 طوابق، مع قسم غسيل كلية ومعالجة فيزيائية ومستوصفين، تاليا احتياجاتنا كبيرة ومكلفة، بذلنا جهدنا كي لا نخفض مستوى التغذية ثم جاءت مشكلة المياه الأخيرة، وكانت صعبة للغاية. تؤكد الشعباني أن الدار راعت ظروف المسنين الذين لا يملكون سوى رواتبهم التقاعدية، فالنزيل يدفع 10 % من الكلفة، رغم أن أجرة الإقامة في دار السعادة ارتفعت بنسبة 25 %، لكنها لم تشمل المقيمين القدامى، حيث تبلغ أجرة الغرفة شهريا 33 ألفا ، و47 ألف شهريا للجناح، تتضمن "وجبات طعام يومية، طبابة، رعاية صحية، كهرباء، ماء، هواتف، تدفئة، غاز، غسيل وكوي ملابس"، أما المقيمون في الفترة الأخيرة فيدفعون 60 ألفا شهرياً للغرفة، و 80 ألفا شهريا للجناح. تؤكن مديرة الدار أن معاناة الزنلاء جزء من الحالة العامة للإنسان السوري، فالبعض منهم جاؤوا خلال الأزمة بعد أن فقدوا بيوتهم، ولم يستطيعوا الإقامة عند أبنائهم أو أقاربهم، ومنهم من يخاف العزلة ولا أولاد لديه، بالطبع لا توجد غرف شاغرة، لكن لا يمكن القول، برأيها، أن الحرب زادت حاجة الناس للإقامة في الدور، على اعتبار أن الإقبال موجود قبل ذلك. معلومٌ للجميع أن مسنين كثرا لا قدرة لديهم على دفع تكاليف الإقامة في أي دار، والحاجة "أم محمود" واحدة منهم، فهي لا تملك المال الكافي، ولايملكه إخوتها أيضا ، ناهيك عن أن تدهور حالاتها الصحية وتوقفها عن الكلام، مع قضاء حاجتها من دون وعي، يؤكد ضرورة إيداعها المشفى بدل إخفاءها كما لو كانت مشكلة أو عيباً ما، ولو بحثنا في البيوت لاكتشفنا أشباها لها، أصحاب خبرة وحكمة وحياة حافلة، خانتهم الحرب وأخلاق من حولهم.

مقالة ذات صلة: الصفحة الاولى

الصفحة 26 من 26
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…