21 تشرين1 2018

يبدو أن الشعب السوري محكوم بألا يمر أسبوع دون أن يخرج عليه أحد المسؤولين الحكوميين بتصريح ينغِّص عليه عيشته، في وقت تستمر رحى الأزمة بطحن ما استطاعت من قدرتهم على تحمل الظروف المعيشية القاسية، حيث أثار تصريح المدير العام للهيئة الناظمة للاتصالات والبريد إباء عويشق ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حين قال إن الهيئة تدرس حجب برامج الاتصال المجانية أي حجب ميزة الاتصال عبر «واتساب وماسنجر» وغيرها من البرامج.

مستخدمو الاتصالات عبر تلك البرامج عبّروا عن استيائهم إزاء التصريح، كما اعتبروه وسيلة لكسب المال على حساب الشعب بطرق مثيرة للسخرية والاشمئزاز في وقت يشقى المواطن السوري طوال اليوم لكسب قوت عائلته!

 ذوو الدخل المهدود!

تتصل أم سمير (60 عاما) بشكل يومي تقريباً، بابنها المسافر منذ عامين لإكمال دراسته في ألمانيا، حيث تجد في سماع صوته ورؤيته سبباً لاستمرارها في الحياة حسب وصفها، خاصة بعد استشهاد ابنها الآخر في الحرب.

 تعمل الأم في الخياطة وتعد من ذوي الدخل المحدود، حيث تقول بعد سماعها التصريحات الصادرة عن مؤسسة الاتصالات حول حجب المكالمات: «من المستحيل أن أستطيع إنفاق مبالغ إضافية على مكالماتي مع ابني، فأنا بالكاد أتمكن من تسديد فاتورة الهاتف الأرضي بوضعها الحالي».

 في حين يستغرب عصام محمد (طالب جامعي) هذه «القرارات الطائشة» ويقول: زاد عدد السوريين المسافرين خارج سورية بعد الأزمة بنسبة كبيرة جداً ولأسباب مختلفة، وباتوا يعتمدون في التواصل مع ذويهم وأقربائهم وأصدقائهم على مكالمات الصوت والفيديو عبر الإنترنت، متسائلاً: هل ينوي من يحضّر لهذا القرار قطع التواصل بين السوريين هنا وأهاليهم في المهجر، ومضيفاً: وكأنه ينقصنا أن نضيف إلى مشاكلنا في التواصل مع بعضنا البعض بسبب الحرب، مشكلة إضافية تقطع هذا التواصل بشكل نهائي حتى فيما بين الأم وابنها، والأخ وأخته والصديق وصديقه!

 أكثر تصريح خاطئ

في عالم الاتصالات... سوريّ!

 المدير العام للهيئة الناظمة للاتصالات والبريد إباء عويشق أشعل نيران الجدل عبر تصريح له قال فيه إن إتاحة المكالمات الصوتية والفيديو بشكل مجاني للمواطنين يؤثر على إيرادات شركات الاتصالات المرخص لها بتقديم الخدمات. وبالتالي ينخفض العائد على الاستثمار لدى هذه الشركات ويقل الحافز لديها لوضع استثمارات إضافية لتحسين الشبكة، وتقديم خدمات أفضل وأقل تكلفة.

لكن وزير الاتصالات السابق عمرو سالم لا يتردد بوصف تصريح عويشق بأنّه «أكثر تصريح خاطئ في قطاع الاتصالات العالمي»، مضيفاً في حديثٍ مع «الأيام» أنّه سواء كان سبب تلك الدراسة «الغبية المتخلفة» مادي أم غير ذلك، فهو يؤدي عكس القصد منه، وهو يعود ببلدنا عشر سنوات على الأقل، معتبراً أنّه «طالما أن هذه البرامج لا تعمل إلا من خلال الإنترنت، وطالما أن المشترك يدفع اشتراك الإنترنت، فهو يدفع مقابل هذه الخدمة، وبالتالي بدلاً من هذه  الدّراسات الخرقاء المتخلّفة، كان على الهيئة أن تفكر بتوسيع حزم الإنترنت في سورية وتقوم بطرح خدمات كثيرة عليها».

 تحطيم عوائد الدولة... بحجة رفعها!

 في عام 2006 ألقى أحد مسؤولي قطاع الاتّصالات في إحدى الدول العربية محاضرة عنوانها «كيفيّة القضاء على ظاهرة المكالمات الهاتفيّة والصّوتية عبر الإنترنت»، كانت من بين العديد من التّصريحات الّتي أطلقها بعض عمالقة التكنولوجيا في وجه التطورات الحديثة، وأصبحوا هامشيين أو خرجوا تماماً من هذا القطاع، وهذا التفكير هو نفسه الذي حرم المؤسسة العامة للاتصالات في سورية قبل عشر سنوات من استثمار خدمة الصوت عبر الإنترنت وأفقدها المليارات من العائدات، بحسب ما يؤكد مدير البرامج الأعلى  في شركة مايكروسوفت سابقاً، د. عمرو سالم. مشيراً إلى أنَّ هذا التفكير سيؤدي حتماً إلى خسارات في العوائد لأنه سيزيد من حجم المكالمات غير الشرعية عبر الإنترنت، والتي ستذهب سرقةً، بعيداً عن عيون الدولة، كما أنه في المناطق الحدودية سيستخدم الناس شبكات دول الجوار، وسيقوم المشتركون الذين لا يتمكنون من الاتصال الصوتي عبر الإنترنت، بإرسال مقاطع مسجلة وبشكلٍ مجاني، وهنا يتساءل د. سالم: ما هدف «جوقة الموظّفين الصغار» التي تقوم بإطلاق تصريحات واتخاذ إجراءات تخلق هوّة بين المواطن والدولة؟ وما هدف الموظفات والموظفين ورجال الأعمال الفاسدين الصغار من هدم قطاع الاتصالات؟ موضحاً أن سوق الاتصالات في العالم يتغير بسرعة ومصادر العائدات تتغير، وإن لم نسِر في الاتجاه العالمي ستخسر الدولة عائداتها ومشتركيها»، مؤكداً أن أبسط الناس يمكنه أن يكسر هذا الحجب المتخلف في حال تم تفعيله بالفعل.

  إضعاف مناعة المواطنين ضد الفساد

 من جهته، يرى النائب في مجلس الشعب وعضو لجنة الأمن الوطني نبيل صالح أن وضع أجور زائدة على المستخدمين عند تجاوز نسبة محددة من الاستخدام والتحميل، وتطبيق هذا الأمر تحت مسمى «سياسة الاستخدام العادل» يعد اختراعاً لجني ضرائب جديدة، ومضاعفة ضرائب قديمة مع ثبات أرقام رواتب الموظفين، مؤكداً أنّه بعد تجربة سبع سنوات من الحرب بتنا نعرف أن الأمن الوطني مرتبط بزيادة مستوى المعرفة لدى المواطنين، بينما نرى سياسة الحكومة تتجه لرفع تكلفة المعرفة التي يبتغيها المواطنون عبر شبكة الإنترنت.

ويشير صالح إلى أن الدولة السورية دأبت منذ الاستقلال على توفير المعرفة لمواطنيها بشكل شبه مجاني، في التعليم والإعلام والثقافة، بينما نرى الحكومة اليوم تفعل العكس، معتبراً بأن تصرفها هذا سيساهم في إضعاف مناعة المواطنين ضد الفساد.

ويؤكد صالح أن الإنترنت بات حاجة ضرورية للناس مثل الخبز، ويستحق الدعم الحكومي بدلاً من مضاعفة أسعاره، وذلك لإعادة ترميم نسيج المجتمع السوري.

 المواطن العادي لن يتأثر!

من جانبه، يؤكد مصدر في وزارة الاتصالات في حديثه لـ «الأيام» أنه في حال تم اعتماد سياسة «الاستخدام العادل» فلن يتأثر المواطن العادي أبداً، «بل على العكس فإنَّ جودة الخدمة ستتحسن وحجم الإنترنت المتاح سيكون أكبر من استخدام أي مواطن مع احتمال أن تكون الأسعار مخفضة»، أما المستهدف من السياسة فهو بحسب المصدر، الشركات الكبيرة التي تملك عدداً كبيراً من الموظفين المستخدمين بشكل كبير للإنترنت، دون الإشارة إذا كان هناك دراسة لحجم استهلاك المواطنين للإنترنت، مشيراً إلى أنّه حتى اللحظة لا يوجد قرار بتنفيذ هذه السياسة.

أما عويشق – وهو صاحب التصريحات المثيرة للجدل – فيحاول تبرير الأمر بقوله: إن المكالمات الصوتية والفيديو بشكل مجاني للمواطنين يؤثر على إيرادات شركات الاتصالات المرخص لها بتقديم الخدمات، وبالتالي ينخفض العائد على الاستثمار لدى هذه الشركات، ويقلّ الحافز لديها لوضع استثمارات إضافية لتحسين الشبكة، وتقديم خدمات أفضل وأقل تكلفة، لكنه يحاول بالمقابل التخفيف من وقع هكذا قرار فيما لو تم اتخاذه بالقول إن الموضوع ما زال قيد الدراسة ولا يوجد قرار حالياً يتجاوز إطار الدراسة، مشيراً إلى أنه من النقاط المهمة في هذه الدراسة والتي تدركها الوزارة هي حاجة المواطنين للتواصل مع أقربائهم وذويهم خارج البلاد. منوهاً إلى أن الوزارة تعمل على إيجاد الحلول المقبولة، والتي تحقق توازناً بين مصلحة جميع الأطراف: المستخدمين وشركات الاتصالات والدولة.

  الفرق بين سياسة الاستخدام العادل وباقات الإنترنت

 أقر الاتحاد الدولي للاتصالات ما يسمى بـ «سياسة الاستخدام العادل للإنترنت»، وهنا يوضح د. عمرو سالم الفرق بين سياسة «الاستخدام العادل» وبين باقات وحزم الإنترنت فيقول: إن سياسة الاستخدام العادل التي أقرّها الاتحاد الدّولي للاتصالات، هي في الأساس لخدمة المشترك وتحسين جودة الإنترنت لديه، وهدفها تحقيق العدالة في الاستخدام بين مختلف أنواع المشتركين، مضيفاً أنه إذا كان مشترك ما لديه اشتراك بسعة 1 ميغابايت في الثانية في بيته أو مكتبه ولديه ثلاثة مستخدمين أو أربعة، وبما أنّ خدمة ADSL هي من أساس تصميمها خدمة تشاركية، فإنّ شركة مشتركة بنفس السِّعة لديها عشرون مستخدماً، سوف تدفع نفس الاشتراك الذي يدفعه المنزل، لكنّها ستستهلك أضعافه، وبما أنّه من المستحيل عمليّاً معرفة عدد المشتركين في كلّ منزل أو مكتب أو منشأة، فإنّ سياسة الاستخدام العادل تقضي بأن يمنح المشترك سعة شهريّة تكفي لثلاثة أو أربعة مستخدمين بكلّ راحة ولا تضطرهم إلى دفع أيّ مبلغ إضافيّ عمّا يدفعونه حاليّاً، بينما لا تكفي للشركة التي لديها عشرين أو خمسين أو مئتي موظّف، وبذلك تضطّرّ إلى رفع سعتها وبالتّالي ينصف المشترك المنزلي أو المكتب العادي، وعندما يصل المشترك إلى الحدّ المخصّص له، لا تقطع الخدمة بل يتمّ إبطائها حتّى نهاية الشّهر. ويمكن لهذا المشترك (الشّركة) أن ترفع سعتها إلى 4 أو 8 أو 16 ميغابايت في الثانية، وهذا السّياسة لا تكلّف المشترك العاديّ شيئاً ولا تزعجه، بل تؤدّي إلى تحسين الخدمة لديه. وتحقّق نفس الشّيء للشركة أو المنشأة ذات العدد الكبير من المشتركين، أمّا باقات الإنترنت فهي بدعة لا تستخدم في ADSL على الإطلاق، وهي محصورة بالخليوي حصراً، متسائلاً لا أدري من أين اخترعها؟؟ «أولئك الموظّفون غير المسؤولين»!!

  اقتراح للمعنيين من أهل الكار

 قبل بضعة أسابيع أنهى  د. عمرو سالم دراسة كتب فيها، عن تحوّلات قطاع الاتصالات العالمي، وعن اتجاهات الاستخدام لدي المشتركين بالهاتف الخليوي والأرضي والإنترنت والخدمات المتعلقة بها، وعن الاستراتيجيات الواجب اعتمادها من شركات ووزارات الاتصالات في العالم، رفض سالم نشر الدراسة لأنها موجّهة لقادة ومخطّطي قطاع الاتصالات في سوريّة والعالم، إلّا أنّه سيضعها بتصرّف الحكومة السورية مجّاناً إذا تم طلبها، لكنّه اقترح حلاً عندما تطبّق سياسة «الاستخدام العادل»، يقوم على أن الحركة المسموحة للمشتركين يجب أن تكون كالتالي كحدٍّ أدنى:

 - مشترك بسعة 1 ميغابايت في الثانية يحصل على كميّة شهرية تبلغ 60 غيغابايت كحد أدنى أو 100 غيغابايت كحد أعلى وهو الأفضل.

 - مشترك بسعة 2 ميغابايت في الثانية يحصل على كميّة شهرية تبلغ 80 غيغابايت كحد أدنى أو 150غيغابيت كحد أعلى وهو الأفضل.

 - مشترك بسعة 4 ميغابايت في الثانية يحصل على كميّة شهرية تبلغ 120 غيغابايت كحد أدنى أو 200 غيغابايت كحد أعلى وهو الأفضل.

 - مشترك بسعة 8 ميغابايت في الثانية يحصل على كميّة شهريّة تبلغ 160غيغابايت كحدٍّ أدنى أو 300 غيغابايت كحدٍّ أعلى وهو الأفضل.

أمّا في الخليوي من الجيل الثالث والرابع فلا يوجد سعات، وإنّما كمّيّات 100 - 150 - 200 غيغا، الخ.

وأكد سالم أنّه في حال تمّ تطبيق سياسة الاستخدام العادل بهذا الشكل أو بحده الأدنى، فلن يدفع المشترك الفردي أو المنزلي أو المكاتب العاديّة أي قرش سوريّ إضافيّ عمّا يدفعه اليوم، ولن يقيّد استخدامه سواء أكان تعليمياً أو علمياً أو تجارياً أو ترفيهياً، أمّا الباقات وغيرها فتمنى أن تكون مجرّد «تخريفات» لموظّفين صغار، لا يَعون ما يقولون، وبالمقابل لفت سالم إلى أن من يقول أنّ العالم يقدّم الإنترنت مجّاناً، هو واهم. فعندما تدخل إلى مطار أو مطعم أو غيره وتتّصل مجّاناً، تكون هذه المنشأة هي التي تدفع الاشتراك لجذب الناس وهذا ما يُتيحه تطبيق سياسة الاستخدام العادل.

في المحصلة، لا بد من القول إن السوريين ملّوا وسئموا القرارات التي لا تنظر إليهم إلا باعتبارهم «مطارح ضريبية» و»بقرات» يجب حلبها حتى آخر قطرة، وهاهم يعلنون عبر منابرهم «الافتراضية» بعبارات توحي بالسخرية والاستهزاء «من شو يشكي الحمام الزاجل»، لكنهم يلوِّحون بالمقابل بإجراءات جدية فيما لو تم تطبيق هذه القرارات «القراقوشية» حتى لو تطلب الأمر مقاطعة شركة الاتصالات و»خدماتها الجليلة

رمّاح زوان
 
21 تشرين1 2018

الأيام

في سابقة خطيرة، تقدّم بلا شك صورة مخزية عن مدى الاستهتار بالصحافة في هذه البلاد المكلومة، ومدى البؤس الذي وصل إليه حالها، هذه المهنة التي لم يقتصر وجعها على من يمتطونها أو يطعنون بها من أهلها أو المحسوبين عليها زوراً، بل يزيد هذا الوجع اليوم باستسهال استهدافها من قبل ما يفترض أنها «جهات عامة»، أو الاعتداء عليها من قبل «جهات خاصة»، تعتقد بأن هذا البلد ما هو إلا مزرعة لها، ولأطماعها التي لا تنتهي، والأصح في حالتنا هذه، أن طرفين شكّلا تحالفاً للنيل ما أمكن من صحيفة سورية وطنية، في محاولة لإسكات صوتها – وإن لحين – صوتها الذي لم يعرف يوماً المهادنة أو التلفيق أو الحياد في قضايا تخص الوطن وأبناءه الشرفاء.

 ماذا حصل؟

 في صباح يوم الخميس 18 من تشرين الأول الجاري، حضرت إلى مقرّ «الأيام» مهندسة تابعة لبلدية المهاجرين التي يتبع لها حي المالكي، حيث مقرّ صحيفة «الأيام» المستأجر منذ حوالي عامين.

 المهندسة جاءت طالبةً تسوية وضع مقر الجريدة من سكنيّ إلى فكريّ، معللةً ذلك بأن الصحافة هي مهنة فكرية، وبالتالي يجب الحصول على ترخيص لمزاولة مهنة فكرية.

 لم يتردد مالكو «الأيام» في الموافقة على طلب المهندسة، مبدين استعدادهم لتصحيح وضع المكتب المستأجر من سكنيّ إلى فكريّ، بعد أن استفسروا عن الإجراءات النظامية لتحقيق ذلك، ولتخبرهم المهندسة بأن عليهم التوجه يوم الأحد (المصادف اليوم 21 تشرين الأول) إلى محافظة دمشق وإجراء اللازم، ولتغادر مكتب «الأيام» بصورة ودية لا تشوبها شائبة.

 ولكن ما الذي حصل بعد ذلك؟

 توقيت «مدروس»!

في الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر نفس اليوم، الخميس 18 تشرين الأول، أي في نهاية الدوام الرسمي في المؤسسات الحكومية، وقبيل يومي العطلة، طرق باب صحيفة «الأيام» شرطي برفقة موظف في محافظة دمشق، بحوزتهما كتاب موجّه من محافظة دمشق إلى مركز شرطة المحافظة يطلب إغلاق مقر صحيفة «الأيام»، وختمه بالشمع الأحمر «بشكلٍ فوري»، كما جاء في كتاب المحافظة الممهور بختمها والمذيل بتوقيع الجهة صاحبة الأمر .

 لحسن الحظ، فإن الحسم الذي اتسم به كتاب المحافظة، بطلبها إغلاقاً فورياً لمكتب «الأيام»، خفّف من وقعه موظفان (أحدهما شرطي محترم، والآخر موظف محترم)، يبدو بأنهما يفهمان ما تم إقحامهما به، ويعرفان عن «رسالة الصحافة» أضعاف ما يعرف من وجّه بالإغلاق!

   في الواقع، تقصّد من يقف خلف هذا القرار – أياً كان – منع صدور صحيفة «الأيام» لهذا الأسبوع، وكان ذلك واضحاً من خلال التوقيت الذي تم اختياره لإغلاق مقرّها و»تشميعه»، ففارق الوقت بين زيارة المهندسة وزيارة المكلفين بالإغلاق يزيد على 4 ساعات، وكان بإمكان المحافظة أو من حرّضها أن ترسل مبعوثيها لإغلاق الصحيفة قبل الثالثة والنصف، لكنها اختارت «بتقصّد» آخر دقائق الدوام، كيلا تتمكن هيئة تحرير الصحيفة من الحصول على فرصة لفك الختم وإزالة أمر الإغلاق، لكن مساعيهم خابت رغم هذه الحبكة!

 فقد تواصلت إدارة «الأيام» مع جهات لا يمكن أن تقبل بمثل هذه السلوكيات الشاذّة، والتصرفات التشبيحية بحق وسيلة إعلام وطنية، ورغم محاولة الجهات المعتدية إلباس اعتدائها على «الأيام» لبوس القانون، إلا أن القرار جاء مخيباً لأمل الجهة أو الجهات التي حاولت كتم صوت «الأيام»، فجاء القرار سريعاً وحكيماً ومتوقعاً بإنصاف «الأيام»، حيث رفض رئيس الحكومة مشكوراً هذا التجاوز الخطير، وهذه المحاولة الدنيئة لـ «كمّ الأفواه»، ووجّه بوقف تنفيذ قرار الإغلاق فوراً.

ملاحظات لا بد منها:

على خلفية هذا التجاوز الخطير والسابقة «غير المسبوقة»، لا بد من إنعاش ذاكرة القائمين على قرار الإغلاق ببعض الحقائق، التي تبين كيفية تعاطي محافظة دمشق مع المخالفات:

 -استفاقت المحافظة بعد سنوات من صمتها المريب، وبعد أن وصلتها التعليمات من مكان رفيع المستوى، فقامت مرغمةً بهدم مخالفات في نفس المنطقة التي يقع فيها مقر «الأيام» أي حي «المالكي»، ومنها محلين تجاريين يقعان على شارع رئيسي. كما تم هدم سطوح لمن بات معروفاً باسم «ملك المخالفات» في المنطقة.

-لا بد من تذكير المحافظة بوجود مخالفات «غير فكرية» في نفس المنطقة، منها مكاتب سيارات، وتعدّ على الأرصفة، وإذا أمعن محاربو المخالفات الفكرية نظرهم قليلاً، لكان بإمكانهم رؤية مكاتب سيارات محمية من المحافظة على يمين ويسار مكتب الصحيفة!

كما يقابل مكتب الصحيفة مكتب «مهنة فكرية» مخصص لإذاعة، لكنه محصّن ومحمي من المحافظ بذاته.

-فيما يخص طريقة تشميع الصحيفة من دون سابق إنذار بحجة أن الترخيص غير سليم، فهل ساء محافظة دمشق قيامنا بمهنة فكرية في بناء سكني، ولم يسُؤْها ممارسة مكتب عقاري قريب لمهنة الدعارة، وهو المكتب الذي وثّق موقع «هاشتاغ سوريا» بالدليل القاطع مخالفته لترخيصه كمكتب عقاري وممارسته للدعارة، ولم تكلف المحافظة نفسها عناء إغلاقه!

-ملاحظة أخرى، ليس المقصود منها التذكير بزملائنا في وسائل الإعلام الأخرى، وإنما التذكير بالانتقائية التي توصم المحافظة في اختيارها لـ «الأيام» واتهامها بمخالفة شرط الترخيص، وهو الأمر الذي ينطبق على معظم، إن لم نقل، كل وسائل الإعلام الخاصة التي تتخذ من أبنية سكنية مقراً لها، فلماذا تريد المحافظة إغلاق «الأيام» دوناً عن غيرها؟! ومن يقف خلف هذا القرار «القراقوشي» والتمييزي ضدها؟

 - نعلم أن وزارة الإعلام نفسها تضم في أروقتها ومكاتبها من يهوى «التنكيش»، عن أخطاء في التراخيص أو غيرها، ظناً منهم أنهم بهذا الصيد في المياه العكرة سيتمكنون من إسكات كلمة الحق، وكمّ أفواه الصحفيين والصحافة، وعلى رأسها «الأيام» التي تقضّ مضاجعهم فيما يبدو لأنها تقوم بمهمتها بكل أمانة مهنية، ويهمنا هنا تسجيل أسفنا والتعبير عن ألمنا من أن الجهة المخوّلة في الحفاظ على حقنا في التعبير، والمخوّلة بموجب القانون الدفاع عنا، هي نفسها الجهات التي تحرّض علينا من دون أن يرف لها جفن!!


 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…