11 تشرين2 2018

منذ عام 2007 حتى اليوم اندلعت ثلاثة حرائق كبيرة في جبل الأربعين بريف القرداحة في محافظة اللاذقية آخرها كان قبل أسبوعين، حيث دُمِّر بسببها حوالي 90% من الغابات الحراجية هناك بين صنوبر وسنديان وأشجار حراجية أخرى.

توقيت اندلاع الحرائق في شهر تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول من كل عام، ومع هبوب رياح شرقية جافة وانخفاض نسبة الرطوبة في الجو تزيد من امتداد الحريق، وتصعب السيطرة عليه وسط غابات كثيفة وطرق وعرة، بات دليلا دامغا على أنه ثمة فاعل متقصّد وبالتالي استفادة من الحرائق.

تدمير ممنهج

بعد نصف ساعة من الحديث على سطح منزل قصي حبيب (أحد المواطنين في قرية خريبات القلعة بريف القرداحة، على سفح جبل الأربعين والتي وصلت النار إلى مشارف منزله)، بدا حجم الحزن واضحاً على وجه الرجل جرّاء ما حصل، خاصة أنّه كان من الممكن أن يتعرض أبناؤه الصغار للخطر قائلاً: «هل لعاقل أن يحرق منزله وأولاده» يتساءل قصي ويكمل حديثه «إذا أردنا استخدام الحطب للتدفئة من الممكن أن نضطر لقطع شجرة أو اثنتين، أمّا أن تُحرَق الغابات بالكامل فهذه جريمة وتدمير ممنهج»، مضيفاً أنه عندما توافدت فرق الإطفاء لردِّ النيران عن المنزل، كان هناك من يشعل فتيل حريق آخر في جهة أخرى ليشتت عمل رجال الإطفاء ما يصعب السيطرة على عدة حرائق كبيرة في آن واحد.

 اتهامات عشوائية... وباطلة

يضرب شعبان مسعود (أحد الأهالي الذين تضرروا جراء الحريق الأخير) كف يمينه بشماله قائلاً «بعد الانتهاء من إطفاء الحرائق تفاجأت بعناصر من مديرية الناحية والشرطة يريدون اعتقال ابني وابن أخي بتهمة افتعال الحرائق، للوهلة الأولى ضحكت كون ابن أخي جندياً في الجيش العربي السوري ومكان خدمته في دمشق، وعند اندلاع الحرائق كان ضمن قطعته العسكرية، وعندما أخبرتهم بذلك، ركزوا سؤالهم عن ابني الذي يبيت عند أقربائه في مدينة اللاذقية قبل يومين من اندلاع الحريق، إلا أنهم رفضوا شهادة أقربائه بأنه كان متواجداً في منزلهم لحظة اشتعال الحرائق». ما زال ابنه (طالبا جامعيا في السنة الأولى) متوارياً عن الأنظار بسبب خوفه من إلصاق التهمة به.

 لا مشكلة لدى شعبان من الإفصاح عن اسمه ومواجهة المسؤولين ومناقشتهم حول سبب اتهام ابنه، مؤكداً أنّه سيرفع دعوى عليهم لدى الجهات المختصة بسبب الاتهام من غير دليل، وبسبب تشويه سمعته بين أهالي القرية، الأمر الذي سبب ضغطاً نفسياً واجتماعياً كبيراً لدى عائلته.

 التفحيم... فهم خاطئ

ما إن تندلع الحرائق وينتشر خبرها على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يوجه الناشطون أصابع الاتهام إلى القائمين على عملية التفحيم، حيث تعتمد عملية التفحيم على جمع أغصان وفروع من أشجار حراجية (سنديان في معظم الأحيان لكونها الأنسب لتكون وقوداً للأراكيل، وتوضع بشكل مصفوف بشكل دائري في حفرة صغيرة بالأرض، تطمر ويبقى داخلها دائرة بقطر صغير مخصصة لإيقاد النار وتركها مدة 15 ساعة تقريبا حتى تتم عملية التفحيم ليجني المفحّم مالاً ثمناً لذلك (سعر كيلو الفحم حوالي 1200 ليرة)، علاقة التفحيم بالحرائق عكس ما يتم تداوله، حيث يمكن لإجراء التفحيم أن يكون سببا في اندلاع حريق لا أن يفتعل الحريق لأجل عمل المفاحم، كون الأغصان عند الحريق تصبح رماداً ولا تعود تصلح لأن تكون فحماً، والجذوع الضخمة لا تصلح في طبيعة الحال للفحم، أما عن خطر التفحيم فيكمن في أنّه من الممكن انقلاب صفوف الأغصان في المفحمة نتيجة الرياح وانتقالها إلى غابة مجاورة ما يسبب الحريق.

 التنقيب عن الآثار بين الشك والنفي

كغيرها من الثروات التي تتميز سورية فيها، والتي تعرضت في كثير من المناطق للسرقة والتخريب، بعض الأهالي وعمّال الحراج لاحظوا خلال مشاركتهم في عمليات إخماد الحرائق وجود مساحات صغيرة ومتفرقة محفورة بفعل فاعل تشبه القبور تقريبا، الأمر الذي جعل «الأيام» تستفسر عمّا إذا كان من الوارد أن تكون الحرائق مفتعلة بغرض التخلص من بعض الشجيرات الشوكية كالديس وغيرها لسهولة التنقيب عن الآثار، إلا أن مدير آثار اللاذقية إبراهيم خير بك نفى خلال حديثه مع «الأيام» الأمر بشكل قاطع، مشيراً إلى أن الآثار الموجودة في المنطقة هي قلعة المهالبة، ولو كان يوجد في جوارها قطع أثرية غير مكتشفة، إلا أن الحرائق لم تنشب حولها بل على الجهة المعاكسة.

ميزانية منخفضة ومسببات طبيعية

منذ بداية عام 2018 حتى تاريخ اليوم اندلع 75 حريقا حراجيا بمساحة تقديرية 40 هكتارا، منها 16 هكتار في الحريق الأخير الذي اندلع من جهة قرية «خريبات القلعة» التابعة لقلعة المهالبة، وامتد على سفح منحدر على جبل الأربعين بريف القرداحة مع رياح شرقية شديدة ورطوبة جوية منخفضة مما أدى إلى سرعة انتشار النار، واشتداد اللهيب وصعوبة التعامل معه، إلا أن فرق الإطفاء استطاعت السيطرة عليه بعد حوالي 10 ساعات قبل أن يصل لمنازل المدنيين.

 رئيس دائرة الحراج في مديرية زراعة اللاذقية باسم دوبا أوضح خلال حديثه مع «الأيام» أن الحريق استدعى تدخل عناصر إطفاء الزراعة، ومصلحة الحراج، وفوج إطفاء اللاذقية، ومركز إطفاء القرداحة، ومركز إطفاء الحفة، ووحدة إطفاء جبلة، والدفاع المدني، إضافة إلى جهود من الأهالي وعناصر من الشرطة في مطار حميميم، مضيفاً أن كثافة الغابات خاصة الصنوبرية عالية جداً وكذلك وجود طبقة سفلى من الشجيرات والأعشاب بكثافة كبيرة تزيد من خطورة الحرائق وسرعة انتشارها، أما عن الوضع الطبوغرافي فمعظم غابات اللاذقية تتواجد في مناطق جبلية ذات درجة ميل كبيرة وهذا يعكس خطورة النار حيث تنتشر بسرعة أعلى، وكذلك صعوبة في شق الطرق وخطوط النار وبالتالي صعوبة وصول الآليات والعمال، حيث تبلغ مساحة الطرق الحراجية 2500 كم، ولأجل ذلك تم تفصيل جرارات زراعية وتزويدها بمنظومة إطفاء لتستطيع الدخول عبرها، إلا أن نسبة تنفيد المشاريع بالنسبة للطرق الحراجية وغيرها، انخفضت بالسنوات الأخيرة بنسبة 40-50% بسبب قلة الاعتمادات المالية المخصصة، وغلاء الوقود والميزانية المنخفضة حسب قول دوبا.

 عمالة موسمية..

وقلة أبراج المراقبة الحراجية

تعد العمالة الموسمية إحدى الصعوبات التي تواجه عملية إخماد الحرائق الحراجية، حيث تستعين دائرة الحراج بعمال موسميين بعقود نصف سنوية ورواتب لا تتجاوز 16 ألف ليرة فقط، الأمر الذي يجعل العمالة الجيدة وذات الكفاءة تبحث عن العمل بعيداً عن الإطفاء، والعمل في قطاعات خاصة للأجر الأفضل والأكثر، وبالتالي العمل بعمالة ذات كفاءة منخفضة الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة العمل عند اندلاع الحرائق، أحد المتقدمين لمسابقة التوظيف في قسم الحراج فضل عدم ذكر اسمه قال إنه مضطر لأي عمل إضافي يحقق دخلا ولو كان بسيطا لتحمل ظروف المعيشة، ولا يهم إن كانت بالحراج أو لا .

 كما أن خروج الكثير من أبراج مراقبة الحرائق عن الخدمة نتيجة لأسباب مختلفة منها تعطل بعض المحطات اللاسلكية، وعدم توفر قطع تبديلية لإصلاحها، وأيضاً تخريب بعضها نتيجة اعتداء الجماعات المسلحة في ريف اللاذقية، حيث يوجد بالخدمة حالياً 10 أبراج مراقبة فقط من أصل 38 برجا ومحرسا، موزعة على مناطق المحافظة التي تبلغ مساحتها 85 ألف هكتار.

وفي هذا السياق يبين دوبا أن كل برج يجب أن يكون مكون من 3 طوابق مدعمة بشكل جيد، حيث تبلغ تكلفة إنشاء البرج الواحد حوالي 25 مليون ليرة، ما يتطلب تخصيص ميزانية عالية لإعادة إنشائها. كما يعد تراجع خدمة المزارعين لأراضيهم (فلاحة - تعشيب) بشكل كبير سبباً في خلق بيئة مناسبة لانتشار الحرائق، بسبب قلة عدد الشبان بشكل كبير نتيجة ظروف الأزمة من استشهاد وخدمة عسكرية وسفر خارج البلاد.

 «استثمارات الأساتذة»

جميع الأهالي في المنطقة باتوا يعلمون أنه بعد فترة قصيرة من كل حريق حراجي كبير، يظهر تجار مستثمرون من خارج القرية للغابات المحروقة، يقطّعون الأشجار المتضررة ومعها غير المتضررة وينقلونها إلى جهات مجهولة، حيث أوضح الأهالي أن الخشب يستخدم في الصناعة والتدفئة، ويمنع على الأهالي الاستفادة حتى من فرع واحد تحت حجة «الأستاذ مستثمر الغابة ودافع حقها»، أمّا هوية الأستاذ فتبقى مجهولة، هذا الأمر بدأ بعد الأزمة منذ حوالي سبع سنوات، حيث كان من قبل عندما يندلع حريق ما لسبب طبيعي أو غير طبيعي كانت الجهات الحكومية تستثمر الغابة وتترك هامشاً من الأشجار المحروقة للأهالي كي يستخدموها في التدفئة.

 أهالي القرى يفقدون ملاذهم الوحيد

يُصرُّ دريد زيتي (أحد سكان قرية قلعة المهالبة) عند زيارتك المنطقة على أن يرافقك إلى كل مواقع الحرائق ليطلعك على جمالية الغابات التي كانت ملاذ الأهالي الوحيد للتسلية والترفيه، ويقول «جميع سكان القرى هم من الفقراء، ليس لديهم سوى الغابات منتزهاً، وهم المتضرر الأول والأخير من تدميرها، كما يملك دريد صفحة على موقع «فيسبوك» باسم القرية يديرها برفقة عدد من أصدقائه، وينشر عليها صور الغابات وجمالية المنطقة وأخبار القرية وخاصة الشهداء، وعند اندلاع الحرائق عمد إلى توثيق الحرائق بالصور والفيديو ونشرها على الصفحة مطالباً الجهات المعنية، بوضع حد لما يحصل من تدمير للغابات، أمّا المهندس همام زيتي الذي خسر 350 شجرة زيتون في الحريق الأخير فطالبَ بزيادة عدد عناصر الحراج وتكثيف الدوريات وتشديد المراقبة على الغابات، وعدم التهاون مع أي فاعل يلقى القبض عليه وتثبت التهمة عليه.

 عذر أقبح من ذنب

مرّ أكثر من 8 سنوات على مطالبة عناصر فوج إطفاء اللاذقية لتزويدهم بأجهزة لاسلكية تساهم بسرعة التواصل فيما بينهم أثناء عمليات الإطفاء لكن من دون جدوى، باسل شعبان آمر زمرة في فوج الإطفاء باللاذقية قال في حديث مع الأيام إن «جميع المسؤولين عن عمل ومعدات الفوج على علم بحاجتنا الماسّة للأجهزة، مع وجود مطالبات كثيرة بها لكن دون جدوى، مشيراً إلى أنهم يلقون اللوم على مؤسسة الاتصالات في تأمين أجهزة اللاسلكي، أو يتحججون بنقص في الميزانية أو أن استيراد الأجهزة صعب بسبب الحصار الاقتصادي واصفاً المبررات بأنها عذر أقبح من ذنب».

 منذ نهاية أيلول حتى لحظة إعداد هذا التقرير شارك فوج إطفاء اللاذقية بإطفاء 169 حريقاً، من بينها الحرائق الحراجية في جبل الأربعين من دون آليات إطفاء صغيرة الحجم تلزم عند دخول الغابات وتسهل عمليات الإطفاء، الآليات التي يملكها الفوج قليلة، ومنها ما أصبح قديماً جداً حسب قول شعبان، أما راتب رجل الإطفاء فهو الأقل بين الموظفين الحكوميين على الرغم من الأخطار التي يتعرض لها، كما أن طبيعة العمل تعوّض بـ 1500 ليرة فقط !

لا تقل النار التي اشتعلت مؤخراً في غابات جبل الأربعين بريف القرداحة بمحافظة اللاذقية، عن النار في قلوب أهالي القرى بعد أن بات السواد يملأ امتداد نظرهم بدل من خضار كان بمثابة جنة على الأرض.

رمّاح زوان
 
28 تشرين1 2018

يوماً ما قال نابليون «أخاف من ثلاث صحف أكثر مما أخاف من مئات الآلاف من الطعنات بالرمح»، فماذا لو كان موجوداً اليوم ونحن نشهد الأخبار السريعة والمضطردة عن تراجع واختفاء الصحافة الورقية... هل كان سيضحك بملء الفم أم سيأسف على حال السلطة الرابعة؟

لا بديل!

طبعاً هذا الكلام لا ينتقص من قيمة الصحافة الإلكترونية، ولكن يصعب التأقلم مع فكرة وجودها كبديل للورقية الآن وغداً، عدا عن حاجتها للوقت لتصبح سلطة حقيقية تشبه سلطة الصحافة الورقية التي أسقطت حكومات وأنهت حروباً وألهمت شعوباً... والعكس صحيح!

إذاً، مهما تعددت وسائل الإعلام الإلكترونية والمرئية فلن تكون يوماً بديلا نهائياً عن الصحف، لا التلفزيون ولا الإذاعة على أهميتها تستطيعان أن تحلا محل الصحيفة المقروءة، فللقراءة الورقية متعة خاصة وللصحف الورقية قدرة مميزة على تسليط الضوء بطريقتها الخاصة لتشير إلى المواضيع المهمة والإشكالية.

 فتحليل الخبر، التعليق عليه، تناول خلفياته وأبعاده، إغناؤه برأي المعلقين والمحللين والخبراء، وتوسيع مروحة التغطيات والتحقيقات إلى قضايا محلية وعالمية، لا يمكن إلاّ للصحافة المكتوبة أن تقوم به. هذه الركيزة الورقية التي تأخذ مسافة عن الحدث للتمعن فيه، وتمرّره في المصفاة المهنية لتنقيته من الشوائب، ثم تقدّمه في قالب يسمح للقارئ بالتمييز بين الخبر المهم والأقل أهمية، وتضيء على خلفياته بشكل شفّاف ومن مصدر معروف، وتسمح بالعودة إليه والتمعن فيه بسهولة... إنّها ميزات الصحافة المكتوبة التي تجعلها متقدّمة على غيرها من الركائز الإعلامية الأخرى.

تجربة لم تكتمل!

في سورية لم تكن تجربة الصحافة الورقية مشجعة دائماً، حيث ارتبطت الصحافة الورقية بالصحف الرسمية الثلاث، التي تعدّ مؤسسات قطاع عام تديرها وتمولها وتتحكم بها الدولة ككل المؤسسات العامة الأخرى.

  أما الصحف الخاصة فلم تكن بأحسن حال، على الأقل خلال ما يقارب نصف قرن كانت مغيبة خلاله، لتعود مع بداية الألفية الجديدة ولكن بمستويات مختلفة، ولتشهد تراجعاً كبيراً مع انطلاق الأزمة، واختفاءً قسرياً لبعضها بسبب الحرب، حيث توقفت عن الصدور سواء بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة، وغياب الدعم الحكومي أو حتى بسبب عدم وجود الدعم المعنوي الذي يساعد على استمرارها، فهل من الممكن أن تعطي الحكومة في مرحلة إعادة الإعمار حصة لتلك الصحف وتقوم بدور حقيقي في دعمها، لمنع تساقطها واحدة تلو الأخرى؟؟

 مقترحات لبنانية

تراجع وجود الصحف ليس مرتبط بسورية وحدها، فمن المعروف أن الصحف تراجعت بشكل ملحوظ في كل أنحاء العالم، إلا أن هناك محاولات جادة من تلك الدول لإنقاذها، في لبنان مثلا اقترح وزير الإعلام مؤخراً قانوناً خاصا بوسائل الإعلام المطبوعة، وتضمن اقتراح القانون إعفاءات ضريبية، بلدية ومالية وجمركية، وقد يُلحَق بمرسوم لرفع سعر الإعلان الرسمي في الصحف. وبيّن الوزير اللبناني أن «كلّ الاقتراحات لا تُكلّف الدولة ليرة واحدة، وأن المبلغ الذي ستوفره الصحف قد لا يكون كبيراً، ولكنه رسالة معنوية بأنّنا نحترم الإعلام وعمله، وأكثر ما يهمنا، في هذه الظروف الاقتصادية، أن تشعر المطبوعات الورقية بأننا إلى جانبها».

للوقوف على واقع الصحافة المكتوبة في بلد مثل لبنان يقول الصحفي كمال شاهين أن صحف لبنان أيضاً أغلق قسم كبير منها، أما ما يصدر منها اليوم فهو أيضا مهدد بالإغلاق، فأقدم صحيفة عربية حتى الآن هي النهار وهي تعدّ مؤسسة إعلامية عريقة (بغض النظر عن التاريخ والموقف السياسي) باعت مبناها الرئيسي لشركة سوليدير، وأوقفت عدة ملاحق لها، وهي اليوم تطبع وتوزع بكل لبنان ولكن بأعداد أقل من السابق بكثير، وذلك لأسباب مالية، حيث توقف تمويلها والدعم الذي كان يصلها سواء من الإعلانات أو الخليج أو بلدان أخرى، وهي حاليا في طريقها للإقفال الورقي، على أن يبقى موقعها الإلكتروني فقط، حيث وجدت على ما يبدو أن وارد الإعلانات ممكن تحقيقه إلكترونيا بشكل أفضل فطرحت تطبيق موبايل مجاني، إلا أنها في الوقت نفسه طرحت نظام تزويد مشتركين بأخبار خاصة إلكترونيا باشتراك (1 دولار) شهريا.

ويضيف شاهين «الأخبار» أيضاً في طريقها إلى الإغلاق، بعد أن قلصوا نفقاتهم ومراسليهم، والبناء كذلك، والاتحاد توقفت بعد 62 عددا، في لبنان ما تبقى من صحف هي فقط من لديها علاقات مالية مع الخارج، ولذلك تتم اليوم المطالبة بقانون لبناني يدعم تلك الصحف.

مشيراً إلى أن الحكومة في سورية تدعم القطاع العام فقط أي أبواق الحكومة، ولا يوجد دعم حقيقي لصحف أو مجلات باستثناء مجلات وزارة الثقافة أو بـ «الشحادة أحياناً»، ويرى شاهين أن موضة الورق انتهت أصلا ولا داع لدعمها ماديا حتى لا يكون ذلك بابا جديداً للفساد.

 من يقف إلى جانب صحفنا؟

نحن في سورية أيضاً نبحث عمن يقف إلى جانب صحفنا، أسوة بلبنان الذي استفاق مؤخراً، حتى لو بدعم معنوي، فالصحف مشاريع غير ربحية ولابد من تقديم التسهيلات الممكنة لدعمها والحؤول دون موتها.

ومثالاً على الواقع الذي دفع بعض الصحف والمجلات للتوقف عن الإصدار أكد رئيس تحرير مجلة أبيض وأسود أيمن الدقر، أن المجلة صدرت عام 2001، وهي المجلة السياسية الوحيدة المستقلة في سورية.

يضيف الدقر: تم إيقاف صدورها عام 2012 لأسباب مادية، فبعد بداية الحرب على سورية توقفت أغلب وسائل الإنتاج الخاصة عن العمل، مبيناً أن الصحف والمجلات لا تغطي نفقاتها المبيعات، بل الاشتراكات والإعلانات، وفي العام 2012 لم يعد هناك من يعلن عن إنتاجه، ونقصت الاشتراكات كثيراً، مما أدى في النهاية إلى عدم قدرتنا على تمويل صدور المجلة، أي أن الأسباب مادية، خاصة وأن مجلتنا كانت لا تتوقف عن الصدور، وكنا نصدر 50 عدداً في السنة المؤلفة من 52 أسبوع، وكانت عدد صفحاتها 32 صفحة ملونة، ولدينا 9 صحفيين متفرغين في مكتب دمشق، هذا عدا عن مكتب حلب والمراسلين الذين يعملون معنا في كافة المحافظات، إضافة إلى ذلك القسم الفني المؤلف من مخرج ومنضدين ومدقق لغوي إضافة إلى الخدمات... سيارة وسائق من أجل توزيع المجلة أسبوعياً، وباختصار كانت هناك نفقات كبيرة مترتبة على المجلة، جميع هذه النفقات كانت تموَّل من الاشتراكات والإعلانات، وعندما توقف التمويل... توقف صدور المجلة.

 وزارتنا دعمت صحف لبنانية

حال «أبيض وأسود» لا يختلف عن حال العديد من الصحف والمجلات السورية التي أغلقت بمعظمها لأسباب مادية، وصحيفة «بلدنا» السورية إحدى أهم التجارب الناجحة في سورية خلال سنوات ما قبل الأزمة وما بعدها حتى توقفها عن الصدور في العام 2013، إلا أن هذه التجربة الناجحة لم تكتمل هي الأخرى.

لكن اللافت هنا أن غياب الدعم الحكومي للصحف والمجلات الورقية السورية، قابله في بعض المراحل دعماً لصحف غير سورية، فوزارة الإعلام السورية كانت نفسها تدعم بعض الصحف اللبنانية وتمنع هذا الدعم عن بعض الصحف والمجلات السورية، كأنها لا تعتبر وجود صحفنا مؤثرا أو ضروريا!

 يقول عضو مجلس الشعب نبيل صالح في هذا السياق: دعمت وزارة الإعلام في وقت سابق الصحف اللبنانية أحيانا، كالديار والأخبار، وحتى لو كان دعماً بسيطاً (حوالي 125 ألف ليرة شهرياً) كونهم مع خط المقاومة، وتوقف هذا الدعم فيما بعد لأسباب تتعلق باختلاف سياسات تلك الصحف. أما دعم الصحف السورية فهذا يكون بقرار جماعي في دعم صحيفة ما أو لا.

في الوقت نفسه لا يجد صالح أن دعم الصحف أو اقتراح قانون لدعمها، قانونياً ويقول «كأنك تشتري صوت الإعلام الحر، مبيناً أنه ضد أي تمويل غير تمويل الصحيفة الذاتي، لأن أي محاولة تمويل ستكون على حساب حرية الصحافة، فالصحافة المأجورة هي فقط التي تجمع المال مثل (الديار)».

لكن تجارب في بلدان أخرى قد تقدم إثباتاً آخر: العديد من الدول الغربية تعمد إلى تقديم مساعدات مباشرة أو غير مباشرة لصحافتها المكتوبة.

ففي دراسة لديوان المحاسبة في فرنسا يتبيّن أنّ حجم المساعدات الحكومية للصحافة المكتوبة في فرنسا بين عامي 2009 و2011 بلغ 5 مليارات يورو. وكانت فرنسا منذ عام 1796 تبنّت مبدأ مساعدة الصحافة، وتتنوع هذه المساعدات بين مباشرة وغير مباشرة، ومنها في التوزيع والتجهيز والتطوير والإعلان والإعفاءات الضريبية المتعددة.

صحيح أنّ أزمة الصحافة السورية أو العربية تختلف عن زميلاتها في الدول الغربية، إذ إنّ نسبة قرّاء الصحف في سورية قد لا تتخطى 1% في أحسن التقديرات، فيما هي في ألمانيا مثلا 76%. لكن رغم ذلك لا بدّ من خطة دعم للصحافة المكتوبة يكون من شأنها إعادة ازدهار هذه الوسيلة سواء من ناحية القرّاء أو من ناحية ازدهار ناشري الصحف.

الأجواء المناسبة!

من جانبه موسى عبد النور، رئيس اتحاد الصحفيين يؤكد أن وجود الصحافة الخاصة أمر مهم جداً، لتأخذ هذه المؤسسات دورها مع صحف القطاع العام في تسليط الضوء على قضايا مكافحة الفساد والإنجازات أي السلبيات والإيجابيات، وتنوع الصحف يعطي غنى وتغطية أفضل.

مبيناً أن وزارة الإعلام تدعم الإعلام الرسمي، ويكون الدعم بالنسبة للقطاع الخاص بتأمين الأجواء المناسبة للعمل الإعلامي بما يتوافق مع الدستور، أما الدعم المالي فهذا موضوع يتعلق بوزارة الإعلام نفسها.

ويرى عبد النور أن دعم وزارة الإعلام للصحف الخاصة يمكن أن يؤثر على السياسة الإعلامية لتلك الصحف، فالمال له تأثيره، والتمويل يجب أن يكون ذاتيا وسوريا وبعيدا عن الدعم الخارجي.

مضيفاً: الدعم مرهون بصاحب المشروع، والمال المرهون في الإعلام خاسر، فغالباً ما يكون التمويل من هنا أو من هناك، وفي النهاية الإعلام رسالة وأهداف وليس مشروعا تجاريا، ومن الممكن أن تدعم الوزارة الصحف أسوة بالمقترح اللبناني، فإذا كان الموضوع وطني ويضمن تسهيلات وإعفاءات من الممكن أن يطرح بتنظيم من وزارة الإعلام، أو رئاسة مجلس الوزراء، وبالتالي يأخذ طريقه القانوني ولا يكون الدعم متوقفاً على مزاجية المسؤولين.

كي تستطيع معاودة الصدور

من جانب آخر يرى أيمن الدقر أن على الحكومة تقديم مساعدات للصحف والمجلات الخاصة كي تستطيع معاودة الصدور، وهو أقل ما يمكن أن تقدمه الحكومة، ويمكن أن تكون هذه المساعدات عن طريق إعلانات مؤسسات القطاع العام، ووقف ضريبة الدخل المفروضة عليها، فقد كانت الضريبة غير منطقية على الإطلاق، وكانت عشوائية وغير مدروسة، ويعطي مثالاً:

كانت هناك صحف إعلانية تقبض قيمة ما تنشره على صفحاتها كالدليل والوسيط وغيرها، وكانت هذه الصحف تعامل بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع المجلات والصحف التي تدفع قيمة ما تنشره على شكل استكتاب، أي أن صحف تقبض قيمة ما تنشره، وأخرى تدفع استكتاباً ورواتب قيمة لما تنشره، وكان الجميع يعامل بنفس الطريقة!

ويشير الدقر إلى أنه كان في لجنة صياغة قانون الصحافة قبيل الحرب، كذلك عضواً في لجنة صياغة قانون الإعلام التي شكلت في العام 2011 بعيد الحرب، وقد أثار عدة مرات هذه القضايا، ومن الواضح إلى أن ذلك لم يفض إلى نتيجة.

 مواضيع «الأيام» الجريئة

اتحاد الصحفيين يرى أن دوره هو تأمين الأجواء المناسبة لممارسة العمل الصحفي في جو مثالي، ويؤكد رئيس الاتحاد أنهم استطاعوا القيام بذلك، وتأمين تلك الأجواء ومثاله على ذلك «صحيفة الأيام» حيث قال: «في (الأيام) تنشرون المواضيع الجريئة والتي لم تنشر سابقاً، ولم نكن معتادين على هذه الأجواء سابقاً، ما يعني أن الأجواء مناسبة اليوم، طبعاً مع ضرورة وجود الوثائق واتباع المهنية في العمل»..  وعند سؤاله عن التضييق الذي تعرّضت له «الأيام» نفسها عندما حاولت محافظة دمشق إغلاق مقرّها، ولم تجد اتحاد الصحفيين إلى جانبها يقول عبد النور: «هذا إجراء له علاقة بالمحافظة وليس له علاقة بأجواء الإعلام، ولا أستطيع التعليق على الموضوع لأنني لم أطلع على تفاصيله»!.. بالمقابل، قام اتحاد الصحفيين بخطوة مهمة من شأنها فعلا تسهيل العمل لصحفيي القطاع الخاص ولو أنها متأخرة، وهي تعديل القانون الداخلي للاتحاد ليصبح بإمكان صحفيي القطاع الخاص أن يكونوا متدربين ثم أعضاء عاملين في الاتحاد بدل من تسميتهم مشاركين فقط، وطبعا بشروط معينة، واتخذ هذا القرار في المؤتمر العام الأخير للاتحاد، وأقر التعديل المناسب في الشهر الرابع من العام الجاري، ودعا عبد النور عبر «الأيام»، جميع العاملين في القطاع الخاص للانتساب للاتحاد وتحقيق الشروط المطلوبة.

 لنهوض حقيقي ودور متجدد

ربما من الصعب اليوم أن تقدّم الحكومة دعماً مادياً للصحف والمجلات الخاصة في سورية، وهي التي لم تستطع دعم المواطن ليستطيع تأمين قوت يومه بكرامة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تخفف بعضاً من ضرائبها على تلك الصحف، أو أن تساندها معنوياً، خاصة وأن مرحلة إعادة الإعمار القادمة والتي من المفترض أن تشمل إعادة تأهيل المجتمع والمؤسسات والوزارات، لن تتم إلا عبر إعلام حر يسلط ضوءاً ساطعاً على كل ركن يحتاج إلى الإصلاح، وتحمل الصحف لاسيما الخاصة منها، دوراً رئيسياً وجوهرياً في هذا الموضوع، فتسهيل عمل الصحف والحفاظ على وجودها لا بل زيادة أعدادها، هو الذي سيجعل نهوض سورية حقيقياً ومبنياً على أسس سليمة.

إنّ دور الصحافة التقليدية اليوم لا يقل عن دورها التاريخي، فالصحافة المكتوبة هي مرادف للحريات العامة وللنظام الديموقراطي الذي تبتغيه وتنشده سورية، وغيابها هو تغييب لثقافة التعدد والحريات العامة ولحرية القول والفكر والنقد. إنّها ميزات تعطيها الصحافة المكتوبة كامل الدور، لذلك غياب الصحافة الورقية يحمل مخاطر على البلاد الساعية نحو الانفتاح والديمقراطية، ويحرمها أحد أجهزتها الرئيسية.

هذه الميزات للصحافة الورقية تجعل الدول عموماً تعمل على دعمها لضمان استمرارها. ومن هنا لابد من اعتبار المؤسسات الإعلامية، مؤسسات ذات منفعة عامة، لأنّها تخدم الجمهور وتضمن بعض آليات الممارسة السياسية، وبالتالي فإن استمرارها حاجة عامة. أمّا سكوتها أو إقفالها فيهدّد قوة البلاد ومنعتها و»ديمقراطيتها» المأمولة.

لودي علي
 

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…