23 كانون1 2018

يفتح أحمد ابن 13 عاماً، عينيه صباحاً بعد ليلة باردة قضاها على أحد أرصفة جرمانا كما يفعل كل يوم... ليبدأ نهاراً مخيفاً يحاول خلاله كسب طعامه بأي وسيلة، ينقل أمتعة... يمسح سيارات... يساعد في تنظيف محل ما... في المحصلة: بضع ليرات لا تسد الرمق وكثير من الإهانات والاستغلال والتحرش!

سلمى ليست أفضل حالا، تزوجت بعمر أحمد تقريباً وأنجبت أول طفل لها وهي بنت 15 عاماً، تحملت آلام الحمل والولادة وتربية الطفل وهي لاتزال في مرحلة النمو، كل يوم يمر على سلمى كابوس فرضته ظروف قاسية، فالزواج الذي أجبرها عليه أهلها بحجة «السترة» كان نقمة لن تفارقها أبداً...

 أما باسل وهو أب لأربعة أطفال يعمل منذ مطلع الشمس حتى آخر الليل ليحاول تأمين إيجار بيته وقوت أولاده بأحسن الأحوال، متعرضاً للاستغلال الجسدي والمعنوي كل يوم...

لا تزال العبودية من المشكلات التي تتعرض لها الإنسانية، لكنها باتت تحمل اسماً جديداً «العبودية العصرية»، وتتجلى في استغلال الطاقات الجسدية سواء في العمل أو بالزواج القسري.

سورية كان لها نصيبها، ولو بنسبة قليلة، وبحسب تقرير مشترك لعدة منظمات دولية منها منظمة العمل الدولية، ومنظمة الهجرة الدولية، حول مؤشرات الرقّ لعام 2018، التي تؤكد أنه يوجد أكثر من 40 مليون «عبد» بالمفهوم العصري حول العالم.

وتبلغ أعداد العبيد في الدول العربية بالمفهوم العصري حوالي 529 ألف فرد، بمعدل 1% من إجمالي عدد العبيد حول العالم، وينتشرون غالباً في عُمان، وسورية، العراق، اليمن، والإمارات، حيث يخضع 67% منهم للعمل بالإكراه، ونحو 33% للزواج القسري. وتحتضن الدول التي تعاني من حروب، مثل سورية، والعراق، واليمن، حوالي 76% من إجمالي أعداد العبيد في الدول العربية.

 نسب حقيقية...

على الرغم من أن نسبة سورية من العبيد العصريين قليلة مقارنة بالكثير من الدول، إلا أن المقاييس المعتمدة لتصنيف هؤلاء العبيد تجعلنا نشكك في النسبة ونعتبرها قليلة، فالعبودية العصرية هي عدم قدرة الأفراد على مواجهة العوامل التي تؤدي لتعرضهم للاستغلال مثل التهديدات، والعنف، والإكراه، والخداع، واستغلال الطاقات الجسدية، سواء بالعمل القسري أو بالزواج القسري.

فما هي النسبة الحقيقية «للعبيد» في سورية وفق هذه المقاييس؟

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور سامر أبو عمار أن مفهوم العبودية العصرية هو مفهوم حديث عالمياً، وبحسب المفاهيم المبدئية حول هذا المصطلح من الممكن القول إن ثلاثة أرباع العالم يعيشون العبودية العصرية، مؤكداً أن لديه تحفّظ حول أن 40 مليون شخص فقط في العالم يخضعون للعبودية العصرية، فهذا رقم متواضع وضئيل جداً مقارنة بالواقع، مرجعاً سبب تحفظه على الرقم، أن الدساتير في ثلاثة أرباع دول العالم لاتزال دساتير متخلفة، وتتيح الاستغلال، إضافة إلى الدين والعادات والتقاليد التي تسمح أيضاً باستغلال المرأة، فهذه العوامل جميعها تمنع المرأة بشكل خاص من القدرة على حماية نفسها من أي استغلال من الممكن أن تتعرض له.

ويشير أبو عمار إلى أنه من الممكن القول إن 80% من السوريين اليوم يعانون من «العبودية العصرية» سواء من ناحية استغلال النساء، أو استغلال العاملين، فالعمل قسراً، والاضطرار للعمل لساعات طويلة وأوقات متأخرة من اليوم. كله يدخل في سياق استغلال حاجة العامل لدخل إضافي ليستطيع تأمين حاجاته الأساسية.

من جهتها تؤكد الباحثة الاجتماعية حنان ديابي أيضاً أن نسبة العبيد العصريين ليست نسبة حقيقية، فالحقيقة أكبر من ذلك لاسيما في سورية، خاصةً بالمقارنة مع آخر الدراسات التي كشفت أن 89% من السوريين تحت خط الفقر، ما يعني أن هناك مشكلة بالدخول والمصاريف، ما يجبر المواطن على العمل لساعات طويلة، وبالتالي يسهل استغلاله في العمل، لافتة إلى أن النساء أكثر عرضة لهذا النوع من الاستغلال أو ما يسمى «العبودية العصرية»، لأن هناك عوامل متجذرة لها علاقة بالتعليم والمهارات والتدريب ومحو الأمية.

 العمل بالأسود

من جهتها، ترى المحامية والصحفية رهادة عبدوش أن المصطلح جديد قديم، أي أنه غير مستعمل لكنه موجود في كل أنحاء العالم، التي لا تحمي حقوق الانسان ولا تتمثّل لقيمها، وسورية إحدى هذه الدول التي عانت من هذه المشكلة قبل الحرب وتفاقمت مع الحرب، ومن الطبيعي أن تتفاقم المشاكل الكامنة في الحروب والنزاعات والكوارث.

مضيفة: في سورية منذ عشرات السنوات يوجد ما يسمى العمل في الظل، ويسمى بالدول الأجنبية العمل بالأسود، وهو العمل من دون غطاء قانوني وبظروف غير قانونية وطبعاً غير إنسانية.

وعَمِل الأطفال بأسوأ أشكال العمالة التي حددتها الاتفاقيات بسبعة أعمال كلها موجودة في سورية، عدا الركوب على الإبل، حيث عمل الأطفال في المقالع والنفايات والتبغ والزراعة وصيد السمك.

وتؤكد عبدوش أن الكبار يعانون أيضاً من الاستغلال بالعمل بالساعات والأماكن والأجور والإجازات، عندما يعملون في معامل أو منشآت غير مرخصة، أو مرخصة لكنها لا تسجل كل عمالّها.

وكذلك العمل بشكل خاص مثل «اللفايات» والزراعة وجميع أشكال العمل غير المنظم، والذي لا يخضع لقوانين ويسمى العمل بالظل.

 كلام مغلوط!

في المقابل هناك من يرفض إطلاقاً إعطاء هذا المصطلح للسوريين، رغم كل الأوضاع الصعبة التي يعيشونها على الصعيد المادي أو الاجتماعي، فيرى عضو مجلس الشعب وضاح مراد، أنه لا يوجد ما يسمى «عبودية عصرية» في سورية، صحيح أن الرواتب والأجور متدنية ولا تتناسب مع الجهد المبذول والوضع الطبيعي، إلا أننا في حالة حرب وهذا ما أوصلنا إلى هذا الوضع المؤقت.

ويرى مراد أن ذكر سورية في هذه الدراسة كإحدى الدول التي فيها «عبودية عصرية»، غير مقبول وهو كلام مغلوط والدليل على ذلك أنه لا يوجد لدينا مشردون ينامون تحت الجسور وعلى ناصيات الطرق!!

غير أن الواقع -من أسف- يثبت عكس ما يقوله النائب مراد، فالأطفال والكبار المشردون ينامون بالفعل في الشوارع، وفي مدينة صغيرة كـ «جرمانا» بريف دمشق على سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن يصادف العابر عشرات الحالات لأطفال ينامون في العراء وعلى الأرصفة والحدائق، فما بالك في مدن تعاني أوضاعاً أكثر سوءاً؟!

 الفقر هو السبب

تنتشر العبودية العصرية بشكل أساسي في البلدان الفقيرة، والمناطق التي تعاني من الحروب والنزاعات، لكنها في الوقت ذاته تزداد أعدادها في الدول المتقدمة اقتصاديا أيضاً.

وفي حسبة بسيطة يوضح أبو عمار الواقع المرّ الذي يعيشه السوريون والذي يجعلهم عرضة للاستغلال بكل سهولة، يقول: خط الفقر العالمي يشمل جميع الأفراد الذين تقلّ دخولهم عن 1.9 دولار يومياً، أي أن يكون الدخل لأسرة مؤلفة من خمسة أشخاص وسطياً لا يقل عن 10.45 دولار يومياً، أي 313.5 دولارات شهرياً، فعلى الأسرة أن لا يقل دخلها عن ذلك، حتى تستطيع القفز خلف خط الفقر وتلبية احتياجاتها الأساسية من طعام وسكن.

وعلى مستوى سورية -يوضح الخبير الاقتصادي- يجب أن يكون دخل الأسرة لا يقل عن حوالي 157 ألف ليرة حتى لا تصنف بالفقيرة، وكل السوريين الذين دخولهم تحت هذا الرقم سيجدون أنفسهم مضطرين للعمل القسري من أجل تلبية احتياجات أسرهم، من خلال العمل لأكثر من 8 ساعات، وهذا طبعا ممنوع دوليا ويندرج تحت بند الاستغلال، فهو استغلال للحاجة إلى تأمين متطلبات الحياة.

 الزواج القسري «للستر»

أشار التقرير السابق إلى أن نحو 71% من العبيد هم من النساء والفتيات، والباقي من الذكور، حيث بلغ عدد المتزوجات بالإكراه 15.4 مليون امرأة، وعدد العاملين قسرا 24.9 مليون شخص، بموجب العبودية الحديثة. ويعدّ 5 أشخاص من أصل كل 1000 شخص حول العالم من ضحايا العبودية العصرية، حيث تُصنف العبودية في المناطق التي تنتشر فيها بكثافة وفق فئات مختلفة، مثل «العمل قسرا»، و»الإجبار على الزواج».

وهنا يوضح أبو عمار: بما أن 80% من السوريون اليوم حسب العديد من الدراسات، هم تحت خط الفقر، فهم عرضة للاستغلال في العمل، ولن تنجو النسبة المتبقية من هذا النوع من العبودية، كون جزء منها من النساء المعرضات للزواج القسري أو الاستغلال الجسدي.

ويؤكد أبو عمار أنه ورغم أن دستورنا حضاري مقارنةً بكثير من الدساتير العالمية، إلا أننا بحاجة إلى منظومة قوانين تكون قادرة على تمكين الفرد، من رد الاستغلال عن نفسه والحؤول دون وقوع هذا الاستغلال.

ومن جانبها ترى ديابي أن مجتمعنا المحافظ دفع بعض الأسر للجوء إلى تزويج بناتهن بشكل قسري خلال الحرب، بحثا عن «الستر»، وذلك نتيجة للفقر والجهل والحرب، حيث أنهكت سنوات الحرب الطويلة البلد، وأثرت بشكل مباشر في تدني نسب التعليم، خاصة تعليم الإناث، وانتشار الزواج القسري كان سببه، إضافة للعامل الاقتصادي، الحفاظ على الفتيات خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيمات المسلحة لاسيما «داعش»، حيث كانت الأسر تخاف من ترك بناتها دون زواج فيكنّ عرضة للزواج من المقاتلين، الذين قدموا من كل حدب وصوب ومن مختلف الجنسيات، تقوم عائلاتهن بتزويجهن من معارفهم وأقاربهم، ولو بشكل قسري بحثاً عن أقل «الشرين»، حيث يوجد كثير من الأمهات المتعلمات لدرجات عالية اضطررن لإجبار بناتهن على الزواج بعمر 15 سنة بسبب الظروف التي فرضت عليهن، حيث قامت العديد من العائلات خلال الحرب بأفعال لا تؤمن بها.

وتضيف الباحثة الاجتماعية أن الزواج القسري ازداد أيضا خلال الحرب، ونتيجة لكثرة حالات وفاة الأب أو فقدانه، فكان التزويج الإجباري يتم من قبل الجد أو أحد الأعمام، وهذا ما زاد الوضع سوءا، خاصة مع عدم قدرة الأم على التدخل لأنها ليست الوصية الشرعية على أبنائها وفقاً لقانون الأحوال الشخصية!!

مبينة أنه في النهاية مفهوم «العبودية العصرية» واسع ومتشعب وأكثر من يعيش هذه العبودية فعليا هم النساء والفتيات، خاصة في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة وبالتالي خارج القانون.

ولعضو مجلس الشعب رأي آخر حيث ينكر أيضاً ازدياد الزواج القسري ويرفض شمله ضمن «العبودية العصرية»، فيقول: قبل الحرب يوجد في سورية شريحة تعاني فيها النساء من الزواج القسري لكنها لم تصل لتصبح ظاهرة وتدخل ضمن دراسات.

ويكتفي وضاح مراد أن يعبر عن تفاؤله في أن هذه هي السنة الأخيرة في عمر الأزمة، وأننا سنشهد العام القادم تحسنا على صعيد العمل وعلى جميع الأصعدة الأخرى.

في المقابل ترى عبدوش أن المشاكل في البداية لا تبدو واضحة لكن حلولها موجودة، وتنتهي بأن تصبح واضحة وحلولها مستحيلة، ونحن وصلنا إلى هذه النقطة، فلدينا في سورية قوانين عمل مهمة، وقد صادقت سورية بالفعل على كل اتفاقيات العمل وحقوق الإنسان والطفل والمرأة، لكن التطبيق صفر!!

 الحرب السبب...

الحرب هي التي تتحمل الذنب الأكبر فيما وصلت إليه سورية من استغلال، سواء في العمل أو حتى في الزواج! ويؤكد ذلك الخبير الاقتصادي، يقول: الحرب هي السبب الأساسي للوضع الذي نعيشه اليوم ، فليس في سورية نضوب بالثروات أو بالإمكانيات، إنما لدينا فقر في السياسات والنظم السياسية التي تسمح للمواطن أن يعبّر عن رأيه ورغبته في العمل الذي يحبه، فالنظام الاقتصادي السائد وهو تشكيلة اقتصادية اجتماعية سياسية، تعيشها جميع الدول السائرة في طريق النمو والمتخلفة، وبالتالي لا تتيح هذه النظم للمواطن فرصة لدفع عوامل الاستغلال في العمل أو حتى الاستغلال الجسدي، ويزيد هذا الوضع سوءا قلة الوعي والتعليم في بعض المناطق، فوجود أنظمة حماية اجتماعية ومؤسسات تضغط على الحكومات لتصان هذه الحقوق ويخف استغلالها هو في غاية الأهمية.. وبالعودة إلى الأرقام المذكورة في التقرير يقول أبو عمار، الرقم في الدراسة يدل على أن الاستغلال في الدول العربية هو أقل من الاستغلال في البلدان الأخرى، وهذا أمر إيجابي خاصة أن الدول العربية الواردة في التقرير تعاني من الحرب.

أما بالمقارنة مع الواقع يرى أنه وبحسبة بسيطة من يعيشون العبودية العصرية في سورية، هم بالآلاف، بينما في الواقع العدد أكبر من ذلك بكثير، فمليونا عامل في القطاع العام ومثلهم في القطاع الخاص بشكل تقديري راوتبهم حتى لو عملوا عملا إضافيا لن تتجاوز 100 ألف ليرة، وستبقيهم تحت خط الفقر وتعرضهم بالتالي للاستغلال.

 طعام ومأوى... في النهاية العبد بالمفهوم «القديم»؛ هو الشخص الذي كان يتم تسخيره بأعمال مختلفة، طيلة النهار وجزء من الليل، مقابل الحصول على الطعام والمأوى، فكم سوري اليوم يعمل طيلة النهار وجزء من الليل للحصول على طعام ومأوى فقط؟

لودي علي

16 كانون1 2018

ما إن تشاهد وتقرأ وتسمع كل الأحاديث والمؤتمرات والندوات عن إعادة الإعمار، حتى يخيل إليك بأن الدمار الهائل في البنى التحتية لم يعد موجوداً، وملايين اللاجئين والنازحين بدؤوا بالعودة إلى منازلهم بعد إعمارها، وأن الاقتصاد السوري تعافى من خسائره وعاد كأقوى اقتصاديات الشرق الأوسط، كما تحاول الحكومة وطبّاليها تسويقه.

 تنبهر مخيلتك أكثر عندما تشاهد الدعاية الترويجية لـ»ماروتا سيتي» عبر صفحتها على الفيسبوك بصور عن أبنية شاهقة فاخرة خيالية تسرّ من يراها، بأجود أنظمة التعليم والمساحات الخضراء والرفاهية العصرية، على الرغم من أن ذلك ليس إلا دعاية لمدينة لم تبن هياكلها بعد، وعلى بعد بضعة كيلومترات من المدينة الخيالية لا يزال ملايين الفقراء يبحثون عن رغيف الخبز ومأوى دائم لهم، في حين أن بعضهم بدأ يرمم بيديه منزله المدمر من دون أن يلتفتوا إلى حكومتهم التي وعدت بتعويضات عن الأضرار، بحسب ما نشرته لجنة إعادة الإعمار المكلفة من قبل مجلس الوزراء.

 عقدت اللجنة المذكورة 13 اجتماعاً دورياً منذ تأسيسها في عام 2012، وذكرت اللجنة أنها قامت بوضع الخطط والبرامج على جميع المستويات والقطاعات المشكلة للمجتمع السوري خلال الأزمة وما بعدها، وبأن من مهامها الموافقة على صرف قيمة التعويضات المستحقة عن الأضرار التي لحقت بالممتلكات الخاصة للمواطنين غير المؤمّن عليها في المحافظات، وهو ما لم يلمسه أغلبية المتضررين حتى اليوم، وذكرت أيضاً بأن من مهامها اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية والمرافق العامة، ومن مهامها أيضاً تمويل إنشاء وحدات سكنية للإيواء المؤقت، مهام يكاد من المحال تحقيقها في ظل عدم قدرة الحكومة لوحدها على التمويل، واستمرار الفساد الذي يمنع أي عملية حقيقة في ملف إعادة الإعمار، كما أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، وما زال ملايين السوريين خارج البلاد كما أن القطاع الخاص السوري لا يزال يعاني من الروتين، ولا أفق نهائية للحل السياسي بعد.

  تثبيت الاستقرار الهش... وليس الإعمار

يؤكد رئيس حركة البناء الوطني أنس جودة في لقاء مع «الأيام» أن إعادة الإعمار لها أكثر من جانب، والمطلوب الآن هو تثبيت الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار كاملة يكون فيها القطاع الخاص قادرا على الاستثمار مالم تنته الحرب.

ويشير جودة إلى أن ما يتحدث به البعض هو قدرة على الحركة في ظل وجود احتلالات متفجرة سواء اقتصادياً أو اجتماعياً، وليست مستقرة وباردة مثل الاحتلال الإسرائيلي للجولان، بينما الصراع في إدلب وشرق الفرات متفجر، وبالمقابل هناك جزء مهم من سورية استطاعت الدولة والجيش أن تثبت فيه الاستقرار، وهي مرحلة فقط من المراحل العسكرية، أي أننا في مرحلة استقرار هش، لذلك فعنوانك اليوم ليس إعادة الإعمار وإنما تثبيت الاستقرار الهش، فلا يجب أن نضحك على الناس.

«بروباغندا» سياسية

ويذكر جودة بأن الحديث عن الإعمار هو «بروباغندا» سياسية، لذا يجب أن يكون العنوان اليوم هو تثبيت الاستقرار من دون داع لتكبير الحجر، لأنك لا تستطيع إعادة الإعمار التي تعني إعمار كل المناطق المتضررة في سورية، وهذا لن يحصل حتى بوجود قطاع خاص محلي ودولي ولا حتى بخطة مارشال، فاليوم نتحدث عن 400 مليار دولار في حين أن أكبر مؤتمر مانحين في العالم، يمكن أن يقدم من 30 إلى 40 مليار دولار وهي لا تغطي نسبة30% من التكلفة الكلية، فتبقى فجوة 70% أمامنا وهو ما يجب تعبئته بعضلات السوريين.

وينوّه جودة إلى أن الاستقرار قائم على بعد أمني وعسكري وسياسي واقتصادي واجتماعي، فالشق العسكري يتولاه الجيش، أما البعد السياسي فما زال هناك مسار دولي شئنا أم أبينا سيبقى يلعب بنا، ما يضطرنا للعمل في هذا المسار بما يرد الأذى عن البلد. ويقصد بالبعد الاقتصادي تحسين ظروف القطاع الخاص السوري، كالضرائب والمعاملات والروتين الإداري والتشاركية مع القطاع العام و مكافحة الفساد، وانتقالاً إلى الشق الاجتماعي وهو الأساس لأنه من دون استقرار اجتماعي فإن كل أنواع الاستقرار الأخرى لن تكون موجودة، وهذه التشاركية كلها غير موجودة ولا نراها، بل بقيت القرارات السامية تصدر من مراكز صنع القرار دون مشاركة الناس فيها، وما زال القطاع الخاص يتحمل عبء الروتين الإداري والعقلية الحكومية التي تنظر إليه كأنه لص وليس كرأسمال وطني يبني البلد، ونحن نعود إلى نفس الحالة التي كنا عليها قبل عام 2011.

برامج التغييرليست «ماروتا سيتي»

ويعارض جودة أن تكون فكرة برامج التغيير هي «ماروتا سيتي»، «فأنا لا أركض لتعمير أبراج يسكن فيها تجار الحرب، أما البرامج التي يبنى عليها فهي تغيير البلد مثل تفعيل التشاركية مع القطاع الخاص واللامركزية الإدارية، ومصالحات حقيقية تستهدف الشرخ الموجود في المجتمع، فنحن أمام أزمة هوية يجب أن نعمل عليها ومن دونها لن يثبّت الاستقرار، وبالمقابل هناك فئات أكثر تضرراً مثل  زوجات الشهداء والشباب ونتحدث هنا عن سياسات تجنيد غير منطقية تخسّر البلد أموال هائلة، لديك مئات الألاف من الشباب خارج القطر يدفعون الأموال بانتظار فرصة دفع البدل، وهم قوة عاملة مهمة وفي نفس الوقت لا فائدة منهم في قطاع الجيش».

 و يقول جودة «هناك تنمية اقتصادية تخص الطبقة المتوسطة مثل مشاريع متوسطة وصغيرة، تعين كل أسرة ويجب ألا يكون هناك مركزية إدارية، فقدرة الدولة على صنع القرارات منعدمة وكفاءتها الإدارية صفر، ولا يمكن عمل خطة مركزية للتنمية في سورية، ففي فترات ماضية كان لدينا وفرة اقتصادية تستطيع من خلالها الدولة تغطية الهدر والفساد، ولا يوجد رؤية لدى الحكومة فآخر رؤية كانت تسمى الخطة الخمسية العاشرة، وعبد الله الدردري كان لديه توجه في حين أن قطاع آخر رفض هذا التوجه وحدث صراع بينهما، ولنتذكر بأن من فجّر البلد هي أفكار مثل حلم حمص، وهو مشروع جميل على الورق لكنه نفذ غصباً عن إرادة الناس فحدث رفض اجتماعي له».

أحزمة الفقروقود لثورة اجتماعية قادمة

ويضيف رئيس حركة البناء الوطني أنس جودة  «نحتاج إلى قرار سياسي وتغيير العقلية الاقتصادية الأساسية التي تدعي حماية الأكثر فقراً، ولكن هي من تجعله فقيراً وتساهم في استمرار فقرهم، يجب أن نبحث عن أمرين: إما استثمارات مباشرة، أي أن يأتي رأس المال بنفسه ويؤسس، وهو أمر لا يتحقق في بلد حرب كما أنه لن يتحقق حتى قبل عام 2011 لأن البيئة الاستثمارية نابذة، أما الثاني فهو مشاركة القطاع الخاص الوطني، أما إعادة الإعمار الحقيقية فهي بناء المعامل والبنية التحتية، فالناس ترى بأم عينها الفساد الذي يعيش في الأبراج، وهي ستبقى في بيوت الصفيح وأحزمة الفقر، وهي وقود لثورة اجتماعية قادمة فلا يجوز التعامل معها بهذا الشكل». 

 من جهته يرى الكاتب السياسي مازن بلال أن إعادة الإعمار عنوان ملتبس ومن الصعب وضع تفاصيل له، فحتى الآن لا يبدو أن هناك بعض الأطراف المتحمسة له، بينما يتم استخدامه إعلامياً للإيحاء بانتهاء الحرب، ومن الصعب وضع تصور حالي له، فكل ما يصدر حكومياً هو لتلبية احتياجات آنية، ومن الناحية العملية نحتاج لاستراتيجية استقرار وتكريس سيادة وليس إعمار، فسورية كانت دائماً تطور وفق احتياجات أمنها وليس تبعاً لخطط واستراتيجيات تنمية عامة فقط.

بقايا الطبقةالوسطى تعيد الإعمار

‏ويعتقد بلال بأن من سيقوم بإعمار سورية هم بقايا الطبقة الوسطى وعلى المدى الطويل، بينما ستظهر استثمارات على هامش هذه العملية، لذا علينا التفكير باستراتيجيات تنمية وإنتاج وقبل كل هذا وضع تصور الأمن والسيادة اللذان سيحكمان كل شيء.

‏ويختم بلال كلامه «من أسف، تاريخ سورية مليء بأحداث خلّفت مدناً ومنشآت فارغة وجغرافيا لا يشغلها البشر... وفي تاريخنا أحداث ودمار دمشق وحلب وغيرها، وإعادة إعمارها كان طويلاً وشاقاً ولم يكن مساحة مريحة أو لإنماء المجتمع، وفي النهاية ليس من مصلحة اي طرف إقليمي أو دولي طرح ما يشبه خطة مارشال، وعلينا اعتياد مرحلة طويلة من الجهد المضني حتى نستعيد بعضاً مما سرقته الحرب».

من جهة أخرى يقول الخبير الاقتصادي بركات شاهين «إن الموضوع بالتأكيد ليس سهلاً و يحتاج بالدرجة الأولى الى إنهاء العملية السياسية وإصلاح تشريعي وقضائي، وبعدها إلى إدارة غير الإدارة الحالية للحكومة والمؤسسات، ثم تنظيف البلد من الفساد وتأمين التمويل اللازم، بعدها وضع خطة وبرامج إصلاح، وبعد ذلك تبدأ عملية إعادة الإعمار، فإذا لم تتخذ خطوات جدية بهذا الاتجاه يبقى الإصلاح شعارا فقط كبقية الشعارات التي نتغنى بها منذ عشرات السنين ، وأنا أشك في توفّر إرادة سياسية حتى الأن للتفكير في مشروع عملاق بهذا الحجم الآن».

الخبيرةالاقتصادية د. نسرين زريق صرحت لـ «الأيام» بأنه للحقيقة لا يوجد خطة لإعادة الإعماربشكل عام وينظر إليها على أنها إجراء إسمنتي، وحتى هذا الإجراء محاصر «بماروتاسيتي» و»باسيليا سيتي»، وهذا يعني أن المتضرر حقاً من الحرب لن يستفيد من بناء مدنجديدة بملايين الدولارات للشقق فيها سوى بدفتر أسهم لا يتقن كيفية تداوله، وعلىالأغلب سيرثه أولاده وقد يتداولون السهم بالبورصة.

في حين تؤكد  زريق بأن المنزل يفترض أن يتم تعويضه بمنزل بالمقابل، وهذه مهمة الحكومة الأساسيةلتخفيض حالات الاستئجار للمتضررين، مما يخفف من حدة الأسعار والمضاربات العقارية،وهنا تطرح زريق تساؤلاً: أين مشاريع وزارة الإسكان التي من المفترض أن تكونالأولوية فيها لتعويض المتضررين بمنازلهم بمنازل ثانية؟ ولو بإعفائهم من الدفعةالأولى على الأقل، وترك التقسيط يتحمل مسؤوليته المتضرر ويسكن بالمقابل بمنزل يقسطثمنه للدولة ويوفر ما يذهب من راتبه للإيجار، هذا إن افترضنا أنه لا يضع كل راتبهوأكثر من ضعفين.

وتنوه  زريق إلى أن المتضررين ليسوا من سيسكن في «ماروتا سيتي»... و»أذكر (ماروتا) هنا لأنهاالمشروع الوحيد لإعادة الإعمار، إعادة الإعمار هي عملية اقتصادية وليست فقطإنشائية، هناك إعادة إعمار للاقتصاد وآخر للتعليم وإعادة إعمار للإعلام وإعادةإعمار للدين و التربية والأخلاق و المجتمع»، مضيفةً أن إعادة الإعمار قد يكونشيئاً جديداً على البلد بعد حرب طاحنة، ولكنه أمر معتاد بكل دول العالم، فأغلبيتهامرت بحروب وتم تأسيس نظريات وقواعد تطبيقية، ومنها الكثير ما يتناسب مع واقعناالسوري ويمكن تطبيقها، ولكن حتى الآن مازلنا نريد أن نترك الأمور للقدر ليخططإعادة الإعمار.

وتعتقد  زريق أن لا حاجة لسورية بشركات أجنبية لتقيم مشاريع إعادة إعمار فيها، أبناؤها منالمقتدرين وأيضاً أبناؤها من المغتربين يستطيعون ذلك، وهم يملكون المال والعقليةالإدارية الناجحة، الموضوع يتطلب فقط شيئين مازالا مفقودين، التسهيلات والتوجيهلما تحتاجه البلاد حقاً.

إعادة الإعمارغير مخطط لها

وتقول الباحثة الاقتصادية «أعتقد أن ما يقال عن إعادة الإعمار مازال ينقصه التخطيط، لا أرى ذهنية إعادة إعمار في الاقتصاد الحالي، بل أرى ذهنية اقتصاد الصيانة، ما يعني الاقتصار على حل المشاكل اليومية وإصلاح هذا الأمر وذاك، سيبقى موضوع إعادة الأعمار شعاراً حتى نرى خطة تنفيذية وحينها نستطيع القول إننا بدأنا».

«تسويق» لإعادة الإعمار

وتضيف زريق «نحن في مرحلة جذب لمشاريع إعادة إعمار حقيقية، ولذلك نتحدث عن الأمر، بينما في الواقع نحن ننتظر استثمارات سورية حقيقية لمرحلة إعادة الإعمار وننتظر تسهيلات وخطة، يعني مازلنا في مرحلة التخيل... يبدو أن الإنسان يتحدث دائماً بكثرة عن أحلامه بما أن الحديث هو أقوال لا يتم ترجمتها لأفعال... لذلك نحن نسوق لإعادة الإعمار لذلك نتحدث عنه كثيراً».

لا يزال الواقع المتردي ينفي فكرة إعادة الإعمار، فكيف لحكومة لم تستطع أن تواجه أزمات متوقعة في كل عام، مثل أزمة الكهرباء ونقص المشتقات النفطية، أن تتحدث عن ملف إعادة الإعمار بكل هذه الثقة؟ مع مخاوف أن يكون البناء في سورية مستنقع وقع فيه العراق بعد الحرب، لذا يبقى الحديث مفتوحاً بانتظار ما يخفيه المستقبل من مفاجآت.

محمد الواوي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…