14 نيسان 2019

المرأة السورية تقتحم ساحات العمل ومسابقات التوظيف الحكومية متقدمة على الرجل

لم تكن البنى التحتية التي دمرتها الحرب أكبر خسائر سورية، بل إن هجرة العناصر المؤهلة ألقت بظلالها القاتمة على مختلف ميادين الاقتصاد، فإلى جانب مليارات الليرات تترك الأزمة رأس المال البشري السوري ينزف بحدة، ما دفع المرأة السورية مرغمة إلى اقتحام معتركات العمل بمختلف قطاعاته كتعويض عن نقص ذكوري يشبه إلى حد ما تجربة ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما يثير الدهشة بأن بلادنا باتت مصدراً رئيسياً للأطباء حول العالم وبناء على ما سبق فإن الاستثمار في البشر لا يقل أهمية عن بناء الحجر.

تنفق الدول المتقدمة من 2 إلى 3% من إجمالي موازنتها العامة على البحث والتطور بما يعزز قدرات العنصر البشري، وتشير دراسات إلى أن كل دولار يستثمر في التدريب يعود على المؤسسة بعائد يقدر بثلاثين دولار، وأن الشركات الناجحة تنفق 5% من ميزانية الأجور على التدريب. كما أعلنت مجموعة البنك الدولي إطلاق مشروع رأس المال البشري في عام 2017. وقد ازداد عدد البلدان التي تشارك في المشروع إلى أكثر من 40 بلداً حتى أوائل 2019.

 

فجوة في الكادر البشري

يرى أحمد سفنجة (مدرب موارد تنمية بشرية) أن الأزمة خلقت فجوة في الكادر البشري بين شباب ماتوا أو سافروا، فالخبرات التي كانت متوفرة في سورية من أعلى الخبرات، أما اليوم فأصبح لدينا فقد فيها، وطالما أن لدينا ندرة في الخبرات يجب أن نبحث عن طريقة لإرجاعها إلى سابق عهدها، إما بتحفيز عودتها من الخارج عن طريق قرارات وقوانين أو إقامة دورات تنمية موارد بشرية في الداخل.

تشير د. لبنى بشارة (دكتوراه في التنمية الإدارية) بناء على الدراسة التي قامت بها في مركز الرأي السوري للأبحاث والدراسات 2017 حول تداعيات الأزمة السورية على الوضع الاجتماعي في سورية، بيّنت أن خسارة سورية كبيرة في كوادرها البشرية. وبينت دراسة تطور التركيب العمري للسكان أن سورية كانت مقبلة على انفتاح النافذة الديموغرافية (وتعني أن الشريحة الأكبر من السكان هي المنتجة) التي بدأت في أربع محافظات في 2011 بسبب انخفاض عدد الولادات عن معدل 3 للمرأة، لكن أثرت الأزمة بما ساهم في هجرة الشباب وضياع الفرصة.

ويستدل على ذلك أن بلدية جرمانا، إحدى مدن ريف دمشق، لا تملك أكثر من 26 عامل نظافة نصفهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

يبين د. فواز صالوم حموي (أستاذ في كلية الاقتصاد جامعة دمشق- قسم إدارة الأعمال. عميد سابق للمعهد الوطني للإدارة العامة) أن سورية ومع الأسف خسرت كوادر بشرية مهمة خلال فترة الأزمة، مما أدى إلى استنزاف تلك الخبرات سواء من حيث الكم أو النوع ولابد أن نعترف أن ما خسرناه من الموارد البشرية الشابة والخبيرة المنتجة وفي جميع القطاعات شكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد السوري، وعلى مفاصل إدارية مهمة سواء في القطاع العام أو الخاص.

من جهة أخرى، يشرح مدير التنمية الإدارية في وزارة الصناعة محمد حسام الشيخة أن الأزمة أسهمت في انكشاف قلة الموارد البشرية الكفوءة التي راكمت الخبرات على مدار سنوات، خاصة أن العمل الصناعي يتطلب خبرات نوعية بالنسبة للجانب الإنتاجي والفني المتعلق بصيانة وتشغيل الآلات، ونحاول اليوم إعادة توزيع القوى العاملة الموجودة ضمن المحافظة والشركات بين مؤسسات أقل تضرراُ وأخرى أكثر تضرراً، حيث تحولت العمالة إلى فائض في بعض الشركات مقابل نقص في أخرى مع الحفاظ على الناحية الجغرافية للعامل.

 

40%  نقص الكوادر في الصناعة

يعتقد الشيخة أن استنزاف الكوادر البشرية في مؤسسات وزارة الصناعة لا يقل عن 40%، والموضوع ليس كمياً بقدر ما هو استثمار للكادر الموجود حالياً بشكل صحيح، واستقطاب يد عاملة كفوءة.

 

ويعلن الشيخة أنه بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية تضع خططاً للتدريب يقابلها خطة للتأهيل الفني التخصصي في كل مؤسسة بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية. وردم النقص في نوعية الموارد البشرية يتم من خلال التدريب ضمن عملية تدريبية وهو دور وزارة التنمية الإدارية في تدريب الأشخاص الذين كانوا مناطق صراع أو الذين التحقوا بالخدمة العسكرية أثرت على قدراتهم وعدم القيام بذلك يؤدي إلى بطالة مقنعة.

 

ويكشف الشيخة أن الوزارة تتبنى حالياً فكرة الحضانات لتجميع الطاقات المبعثرة مثل حاضنات الإلكترون والمعلوماتية، فالشهادات لوحدها ليست مقياساً فقد لا يكون خبيراً بمجال شهادته أو بالعكس، فليس كل من درس الهندسة المعلوماتية لديه الخبرة العملية الكافية.

 

الإناث يزاحمن الرجل في الوظائف

يؤكد الخبير أحمد سفنجة أن النساء السوريات أستطعن أن يغطين مجالات كثيرة كان الرجل يغطيها من قبل، وعند الإعلان عن أي توظيف يكون 90% من المتقدمين للمسابقات من الإناث و 10% من الذكور فقط. فحتى في دورات التنمية البشرية التي نقيمها يكون نسبة حضور النساء أكثر من 95%.

يتقدم على مسابقات التوظيف إناث بنسبة أعلى و يعبر هذا المؤشر عن الواقع خلال الأزمة والذي سيستمر لعدة عقود كما تتوقع د.بشارة، ويحمل هذا المؤشر اتجاهاً ايجابياً بالنظر إلى تجارب الدول فإن ألمانيا تمثل تجربة نجاح للنهوض من آثار الحرب العالمية الثانية التي حصدت ما يقارب 5 مليون قتيل عسكري إضافة إلى المدنيين، والتي اعتمدت على الإناث في إعادة البناء والإعمار وأسمتهم "نساء الأنقاض" لكن نفسياً واجتماعياً يمثل هذا عبئاً عليهن في بعض المهن التي تحتاج مجهوداً ويحملهن دوراً ازدواجياً.

ويشدد مدير التنمية محمد الشيخة أن موضوع الاستقطاب في مؤسسات وزارة الصناعة يرتبط بالتشغيل ووجود مشروع على الأرض، وإلا سيتحول الأمر إلى عبء مادي، ومن ناحية الجندرة فالإناث الأكثر إقبالاً على مسابقات مؤسسات وزارة الصناعة، أما من ناحية العدد يكون عدد المتقدمين أحياناً أقل مما هو مطلوب ذكوراً وإناثاً ممن يتعدون الاختبارات.

في حين يطالب د. فواز حموي أن نستثمر الكوادر الموجودة على مساحة الوطن سواء أكانوا من الذكورا أم الإناث ولا ضير في غلبة الإناث للعمل سواء في الشأن العام أو الخاص خلال فترة زمنية معينة لنعود بعدها إلى التوازن الطبيعي بين الجنسين، ولقد أثبتت التجربة أن الإناث يصلحن ولديهم المرونة للعمل في أي من القطاعات التي كانت حكراً على الرجال، والمثال الحي عن كفاءة المرأة العاملة في كافة الميادين، نهوض ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية على أكتاف الإناث، حيث قاموا بجميع الأعمال الشاقة وغير الشاقة منها، والتي الكثير منها لا يتناسب وقدراتهن البدنية وتركيبتهن الأنثوية.

 

كوادر بشرية مع تعليم ضعيف

وعن تأثير تراجع جودة التعليم تعتقد د. لبنى بشارة أن قطاع التعليم مثل أي قطاع آخر يتأثر بالمتغيرات المحيطة، لكن آثاره أكثر سلبية في المستقبل لأن مخرجات التعليم العالي هي الحوامل لكل القطاعات الأخرى فكرياً بالتخطيط والتطوير والتفاوض، وتنفيذياً بالمشاريع والصحة والتعليم والزراعة وسيتأثر سوق العمل لعدة أسباب منها: خلل التوزيع السكاني الجغرافي، وضعف مؤهلات الكوادر الفتية التي أثرت عليها حرب 8 سنوات علمياً ومهنياً وفكرياً وسلوكياً، وصعوبة التغيير الثقافي لدى بعض البيئات المجتمعية في قبول عمل الإناث وظائف مخصصة سابقاً للذكور مثل سائق ومراسل وحارس.

ويكمل د. حموي "فيما يخص تراجع جودة التعليم العالي والأسباب المتنوعة التي أدت إلى ذلك، هذا مؤشر خطير وأسبابه كما أسلفت عديدة لذلك يجب اتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات جريئة بدءاً من الابتعاد عن سياسة الاستيعاب، والاعتماد على شريحة من الطلاب المقبلين على الانخراط في مؤسسات التعليم العالي للحد من البطالة المقنعة والتوجه إلى جيل الشباب الواعد وفرزهم وفق معايير مدروسة بحسب مقدراتهم ورغباتهم وتفعيل دور المعاهد المتوسطة لأن خريجي المعاهد المتوسطة يمكن استيعابهم في سوق العمل ولهم دور فعال في إعادة الإعمار، هذه الإجراءات ستساهم في رفع جودة التعليم العالي، لأن البنية التحتية في سورية متوفرة من جامعات ومخابر وأعضاء هيئة تدريسية وفنية يمكن بعدها أن تتماشى مع المعايير العالمية في موضوع الإشراف والمتابعة".

وتتابع د. بشارة بالقول "إذا كنا نتحدث عن الجامعات كمثال فهي خسرت عدداً كبيراً من الكوادر التعليمية، ومن الطلبة الذكور، مع اختلاف مبررات كلا الشريحتين في الأزمة، إضافة إلى الخسارة النوعية إذ يتم استقطابهم من الخارج بشكل واضح نظراً لعراقة التعليم ودعائمه القوية في سورية مقارنة بالدول العربية المعروف به سابقاً، أو برغبة شخصية بالحصول على فرص عمل ذات مزايا أعلى".

 

التشاركية بين القطاعين العام والخاص

يشير خبير التنمية البشرية أحمد سفنجة إلى أن القطاع العام هو قطاع مترهل يعتمد على فكرة المجتمعية والأبوية. ويقول سفنجة: إذا كان القطاع الخاص قادر على أن يخلق تشاركية مع القطاع العام مثل غرف الصناعة والتجارة فذلك سيخفف الضغط عن القطاع العام، وعن ميزانية الحكومة، كما أنه سيرفع من سوية العامل. بدلاً من أن ينطفئ المميزون في دوائر الحكومة.

وعن موضوع التشاركية وعمل الكوادر البشرية الحكومية في القطاعات الخاصة يبين مدير التنمية الإدارية في وزارة الصناعة محمد الشيخة أن الأمر يحدث بشكل غير رسمي، لكن هجرة الكادر من القطاع الحكومي إلى الخاص ستولد فجوات وخاصة أن هدف الخاص ربحي لذا لن يستقطب إلا الكفاءات العالية، ولمعالجة الإشكالية تعمل الوزارة على كشف احتياجات القطاع الخاص ليكون التدريب المهني متناسباً مع هذه الاحتياجات، كذلك يجب أن تخرج الجامعات اختصاصات متوافقة مع المطلوب في سوق العمل.

 

حلول لنقص الكادر البشري

تذكر د. لبنى بشارة أن خطوات التصحيح عديدة وتختلف وفقاً لكل مهنة أو قطاع، لكن بالمجمل تمكين الشباب والمرأة وجرحى ومصابي الحرب (وهي الشرائح الأكثر أولوية)، ومنح قروض للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر بالإضافة إلى بناء برامج توعوية وتثقيفية للمرأة والعمل بقانون التشاركية بين القطاعين الخاص والعام للنهوض الاقتصادي.

ويبين الخبير سفنجة أن المصالحات الوطنية أرجعت جزءا من الشباب في الخارج بعد أن شعروا بالأمان، ومع ذلك سيبقى لدينا نقص لن يغطى إلا بجيل جديد يشتغل على قدراته، ومن الممكن ردم هذه الهوة من خلال تأهيل مهارات هؤلاء والبحث سابقاً عن المتفوقين في الجامعات وتبنيهم، وهو ما يجب أن تقوم به الشركات السورية حسب مبدأ المسؤولية المجتمعية من دون البحث عن الربح فقط.

ويدعو خبير التنمية أحمد سفنجة إلى اتفاقيات مع غرف الصناعة والتجارة ووزارة التعليم العالي لتبني الخريجين المتفوقين والتكفل بدراستهم خارج القطر أو إقامة منح داخلية لهم، مبيناً أنه في هكذا ظروف تعيشها البلاد لا يكون البلد عادة مسؤول عن تنظيم الموارد البشرية على مستوى القطر، ولذا لا يمكن تحميل المسؤولية إلى وزارة التنمية البشرية التي أنشأت في عام 2014 في قلب الأزمة فلدى الحكومة مهام وأولويات أكثر أهمية وهي الحفاظ على البلد من الانهيار، لذلك فإن الوزارة لم تكن قادرة على أداء مهامها كما يجب، لكن مع لملمة البلاد لجراحها بدأت الوزارة تضع خططاً وإن كانت بطيئة، وهو ما فعلته اليابان التي لا تملك موارد طبيعية حيث اعتمدت بعد الحرب العالمية الثانية على كوادرها البشرية وكذلك الهند وماليزيا التي أبدعت في الاستثمار بالإنسان.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…