20 أيار 2018

علاء حلبي

عام ونصف مرت على خروج المسلحين من مدينة حلب لم تكن كافية لتنفض الغبار ولو جزئيا عن درّة الشمال السوري، أقدم مدينة مازالت مأهولة بالسكان.

الحديث عن نسب الدمار في معالم المدينة الأثرية أو أبرز المعالم التي دمرتها الحرب أصبح بلا معنى بعد أن شغلت هذه النسب وسائل الإعلام طيلة الفترة الماضية، خصوصاً بعد زوال التهديدات وعودة الأمان إلى شوارع المدينة، ليفتح الواقع الباب على مصراعيه أمام حالة يرثى لها يفترض أنها تلقت عناية فائقة وعاجلة لإعادتها، إلا أن الواقع مغاير تماماً.

في حلب، يمكن القول إن الحكومة تقف متفرجة، أو مصفّقة فقط في مواقع عديدة لجهود أبناء المدينة والمهتمين بمعالمها الأثرية، لا جهود استثنائية، ولا موارد كبيرة تفي المدينة حقها، أو تعيد لها بعضاً من رونقها الذي سرقته الحرب.

يقع عاتق إعادة إحياء المعالم الأثرية في مدينة حلب على جهود مجتمعة لثلاثة مؤسسات رئيسية وهي مديرية المدينة القديمة، ومديرية الآثار، و مديرية الأوقاف التي تملك عدداً من الأبنية والعقارات الأثرية.

مدير الآثار في حلب أكرم قرة كلا شرح خلال حديثه إلى «الأيام» أن المعالم الأثرية في حلب تقع على مساحة تبلغ نحو 375 هكتار، تضم نحو 210 عقارات وأبنية، بالإضافة إلى الأبنية والبيوت التي تشكل النسيج العمراني لحلب القديمة.

مطلع العام الحالي زار حلب وفد حكومي يضم 16 وزيرا يترأسه رئيس الحكومة عماد خميس بهدف تقديم الدعم الحكومي اللازم للنهوض بالمدينة في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية إضافة إلى المعالم الأثرية في المدينة. وعدت الحكومة بتقديم دعم كبير للنهوض بحلب، وتمخض هذا الدعم عن تقديم ثلاث شاحنات لنقل الانقاض قدمتها مفوضية اللاجئين لمديرية المدينة القديمة التي تملك أيضاً لديها ثلاثة «تراكسات» صغيرة الحجم معروفة باسم» بوب كات» قديمة مستعملة تتعرض للأعطال الدائمة، بالإضافة إلى 25 عامل نظافة من أصل 400 عامل كانوا يعملون في المديرية قبل اندلاع الحرب (في حالة السلم والرخاء).

بثلاث شاحنات وثلاث آليات مهترئة و25 عامل نظافة فقط تعقد آمال إحياء المدينة، يضاف إليها جهود مديرية الآثار التي تملك سيارة صغيرة قديمة، وتعاني من نقص في العمال تجاوز الـ 55 % وفق مدير آثار حلب.

مدير آثار حلب وخلال حديثه دافع عن المديرية لعامة للآثار التابعة لوزارة الثقافة، موضحاً ان المديرية تعمل وفق الإمكانات المتاحة على تقديم كل ما يمكن تقديمه. ولدى سؤاله عن وعود الحكومة وما قدمته لحلب قال قرة كلا «إعادة إحياء المدينة يحتاج أولاً إلى عودة المواطنين، الذين تقدم لهم الحكومة كل الرخص المطلوبة لإعادة تأهيل الأبنية، بالإضافة إلى نقل الأنقاض».

يمكن تلخيص الجهود الحكومية في حلب القديمة بشكل موضوعي ودون أي تحامل بعمليات فتح الطرقات ونقل الأنقاض وبعض عمليات الترميم بإمكانات ضئيلة جداً لا تتناسب مع حجم حلب، وحجم الدمار والضرر الذي لحق بها.

قبل أيام انطلق مشروع منظمة undp وهي احدى منظمات الامم المتحدة لرفع الانقاض من بعض شوارع المدينة القديمة بالتعاون مع مديرية المدينة القديمة لكن هذا المشروع يشترط أن يقوم المواطن بنقل الانقاض من داخل عقاره ووضعه في الشارع ليتم ترحيلها مجاناً الامر الذي يضع على عاتق المواطن عبئاً أكبر من مقدرته.

جمعيات ومنظمات للإطعام فقط!

على الرغم من اعتبار مدينة حلب واحدة من أهم المدن الأثرية في العالم، وإرثاً للبشرية جمعاء، إلا أنه وبعد خروج المسلحين وعودة الأمان للمدينة، لم يسجل أي نشاط حقيقي لجمعيات ومنظمات فاعلة تعمل على إحياء ما يمكن إحياءه، باستثناء بعض المشاريع الصغيرة كترميم الجامع الاموي الكبير بتمويل من منظمة قاديروف في جمهورية الشيشان و ترميم سوق السقطية الذي ما زال في مرحلة الدراسات من مؤسسة الاغا خان وبعض التمويل من منظمة اليونسكو لأعمال جرت في مدخل قلعة حلب ثم بدأت بعض الجهود الاهلية كنشاط مجموعة «أصدقاء باب النصر» ذات التمويل الذاتي المحلي المحدود، وجمعية «أهالي حلب» التي بدأت ببعض أعمال الترميم في ساعة باب الفرج التاريخية وفي داخل القلعة بتمويل من غرفة صناعة حلب.

نظرة على واقع الجمعيات والمنظمات العاملة في حلب تفضح وجود عشرات المنظمات والجمعيات العاملة في المدينة المنكوبة، إلا أن اهتمام معظم، إن لم يكن كل هذه المنظمات ينصب على أمور معيشية كتقديم المعونات الغذائية، بعضها طالها الفساد الذي تورطت فيه بعض الاجهزة الحكومية التي أحيل موظفيها للقضاء في عدة قضايا آخرها التحقيقات التي تجري في مكتب الاشراف الهندسي في محافظة حلب وهو المكتب الذي تصرف عبره مستحقات مشاريع المنظمات الدولية والجمعيات للمتعهدين وتم توقيف عدة موظفين وتوارى آخرين عن الانظار بعدما وجه محافظ حلب بإجراء التحقيقات، وأمام هذا الواقع يمكن القول أن حلب لم تلق أي اهتمام بآثارها يليق بها كعاصمة للمشال السوري.

كنوز كشفتها الحرب: اطمروها بعد أن تصوروها!

وسط الركام، خيط ضوء رفيع من الضوء بزغ مبشراً بوجود «فوائد لهذه الحرب»، وهو اكتشاف معالم أثرية جديدة لم تكن مكتشفة من قبل الأمر الذي اعتبره كثيرون كنزاً وطنياً يجب العمل عليه وتوثيقه وترميم ما يمكن ترميمه وتأهيل هذه المعالم لتصبح صروحاً ومواقع يرتادها السياح.

المحامي والباحث التاريخي علاء السيد أوضح خلال حديثه إلى «الأيام» أن « أهم المعالم التي تم اظهارها وازالة التجاوزات والتعديات والمخالفات التي تطمسها بالكامل عن الاعين هو معلم الابراج الدفاعية الاثرية لاحد اهم الابواب التاريخية لمدينة حلب القديمة من جهة شمالها وهو باب النصر وما تم الكشف عنه في المنطقة قرب الباب من غرفة أثرية بحالة ممتازة كانت في المنطقة التي تسمى» الباشورة» وتعني منطقة مباشرة دخول المدينة».

وتابع «ربما الفائدة الوحيدة والواحدة لهذه الحرب الملعونة هو انها قامت بالتخريب وبالتالي ازالة معظم الابنية الاسمنتية العشوائية التي كانت متواضعة على الابنية التاريخية وغالبيتها من بلوك اسمنتي وبالتالي ظهرت المعالم الحجرية الاثرية التي كانت خلفها وهي فرصة تاريخية لإعادة أبنية حلب القديمة لحالتها البكر كمدينة عذراء بعد رفع التعديات عنها وتحويلها لمدينة اثرية سياحية ثقافية من أجمل مدن العالم الاثرية بما فيها من أوابد لا مثيل لها تتميز ببنائها الحجري الجميل»، وأضاف» يمكن أن تشكل ثروة قومية داعمة للاقتصاد الوطني فالسياحة تعتبر في معظم دول العالم ذات المقومات السياحية من أهم مصادر الدخل القومي».

آمال وطموحات أبناء المدينة الذين فرحوا بالاكتشافات الجديدة اصطدمت بواقع مغاير، فالغرفة الأثرية (الباشورة) التي عثر عليها وتم تنظيفها بجهود وتمويل ذاتي قامت مديرية الآثار بإغلاقها لاحقاً، ليتحول مدخلها إلى مكب للنفايات !.

وعن سبب إغلاق الغرفة، وعدم الاهتمام بها أو تحويلها إلى متحف أو معلم أثري يمكن استثماره مستقبلاً، قال مدير آثار حلب إن أمراً كهذا يحتاج إلى دراسة معمقة، كون الغرفة موجودة في منطقة تجارية، وتابع «حالياً تم إغلاق الغرفة للحفاظ عليها».. كذلك، اكتشف مؤخراً حجراً أثرياً يعود تاريخه إلى العصر الاغريقي قبل نحو ألفي عام موجود في قاعدة جدار في مسجد «سنكلر» عند البرج الثاني لباب النصر، حيث يحتوي الحجر على نقوش وكتابات هلنستية اغريقية، إلا أن هذا الاكتشاف لم يقابل بأية ردة فعل أو تحرك حكومي حتى الآن، باستثناء تقرير صوره التلفزيون السوري لهذا الاكتشاف الهام.

جهود فردية هل تكفي؟

وسط الإهمال الكبير الذي تعاني منه مدينة حلب على مختلف الأصعدة بما فيها الآثار، يحاول مجموعة من أبناء المدينة المهتمين بآثارها ومعالمها ترميم ما يمكن ترميمه، بعض المهندسين تولوا عمليات ترميم مساجد وكنائس وبعض المعالم الأثرية بجهود وتمويل فردي، في حين بدأ آخرون عمليات البحث والتوثيق للمكتشفات الجديدة، بهدف دراسة أزمنة كانت غائبة أو مغيبة عن تاريخ المدينة وما مرت به عبر العصور.

الجهود الفردية التي يقوم بها بعض أبناء حلب وعلى الرغم من أنهاء لا تكفي أبداً أمام الحجم الكبير للضرر الذي تعرضت له المدينة، إلا أنها تشكل أساساً يمكن أن يبنى عليه عمل متكامل تشارك فيه جمعيات ومنظمات أهلية ودولية، بدعم حكومي حقيقي يمكن أن ينهض بالمدينة، إلا أن تحرك كهذا لا يبدو أنه سيبصر النور وفق المعطيات الحالية، خصوصاً وأن النشاط الفردي الذي يقوم به أبناء حلب يقابل ببرود حكومي ومؤسساتي لا يرقى لحجم ما يتم اكتشافه، أو ما يجري ترميمه على أرض الواقع، ولا يليق بمدينة كحلب، رغم الجهود الكبيرة الذي تبذلها المديريات المسؤولة في حلب كالآثار ذات الميزانية الصغيرة والإمكانات البسيطة، والمدينة القديمة التي تحاول ضمن إمكانياتها المحدودة العمل، دون أي دعم حقيقي من الوزارات المسؤولة.

وأمام واقع كهذا، يمكن القول إن مدينة حلب لن تعود قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن، كذلك ستنسى أو تتناسى المعالم الأثرية المكتشفة حديثاً، لتعود وتدخل طي الكتمان، ليصبح الحلم بحلب مدينة أثرية ذات طابع فريد تحاكي المدن الأثرية السياحية في العالم وتصبح ركيزة سياحية في سوريا مجرد وهم، أو حلم جميل ليس إلا، رغم توافر جميع المعالم الأثرية اللازمة لذلك، ورغم الوعود العديدة التي قطعتها الحكومة، والتي ستقطعها مستقبلاً أيضاً دون أي تحرك فعلي عملي على الأرض، الأمر الذي يبقي لحلب سكانها فقط لتعتمد عليهم في عمليات إصلاح ما يمكن إصلاحه


مقالة ذات صلة : بين النهب والتخريب مهد الحضارات يدمّر أمام أنظار العالم .. أردوغان اغتال «أبو الموارنة»وواشنطن تقيم قواعدها فوق جثمان التاريخ
الصفحة 23 من 23
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…