22 أيار 2019

بين نجومية الصحفيين ولهاث الناشطين نحو الشهرة.. أي معايير لما بعد الحرب.. ؟

لنتفق على أن تجربة الإعلام الميداني "الحربي" في سورية هي وليدة الأزمة التي تمر بها البلاد منذ ثمان سنوات، ولنتفق أيضا على أن هذا الشق من التجربة الإعلامية التي حاولت أن تلعب دوراً مضادا لماكينات الإعلام التي صوبت نحو سورية، اشتغل على نفسه بما تيسر من إمكانات، إلا أن الأمر لا يخلو من سلبيات تقتل أي بادرة للتطوير الذاتي من قبل العاملين في الإعلام الحربي خصوصاً، والإعلام السوري بشكل عام.

 

"السرايا الزرقا"..

داخل مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ثمة كتلة بشرية هائلة، لو وضعت بكامل طاقاتها في خدمة الحرب الإعلامية المضادة، ﻷسقطت الحرب الإعلامية على سورية منذ أمد، إذ إن الإعلام كان الأداة التي سرّعت من الأحداث لتصل إلى حرب لا يبدو أن مشغليها راغبين بإنهائها في الوقت الحالي، وقلة قليلة جداً من نحو ستة آلاف عامل وضعوا على الطريق الصح ليكونوا في المواجهة منفردين، إلا أن مصدر سنصلطح على تسميته بـ "خلف"، يروي الكثير من التفاصيل المزعجة خلال حديثه لـ "الأيام"، من أولها، خشية المسؤولين داخل الهيئة من تحول المراسلين الحربيين إلى "نجوم شاشة"، يلفتون أنظار المسؤولين في مستوى صناعة القرار فيكونوا من المنافسين على "الكراسي"، علماً أن أياً من العاملين في الشق الميداني لن يكون في خاطره الوصول إلى منصب إداري بقدر ما يفكر بفرصة عمل في وسيلة إعلامية خارج حدود البلاد، تؤمن له مصدر رزق يكوّن من خلاله مستقبله، وهذا طبيعي أمام تدني أجور العاملين في قطاع الإعلام في سورية، حالهم في ذلك، حال موظفي القطاع العام عموماً، لكن لا يخلو الأمر من "خيار وفقوس"، فيما يخص "البونات والعقود"، التي تصرف للعاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.

 وفي حين أن البعض يتقاضى مبالغ لا تسد ثقوب جيبه، فإن آخرين يقبضون مبالغ لا تحمل في جيوب معاطفها، ويضطرون للاستعانة بـ "كيس أسود"، حين مرورهم على المحاسب.

في الإمكانات، لم تقدر الهيئة على تطوير المعدات بشكل كامل، ولا توظيف المعدات الموجودة بالشكل الصحيح، والحاجة إلى كاميرات ميدانية بدقة عالية، كان موضوعاً صعباً خلال سنوات الحرب بحجة "العقوبات"، بالرغم من أن تأمين عدد من الكاميرات عن طريق تاجر يمكن أن يستجرها من "لبنان - إيران - روسيا"، أو أي دولة صديقة أو قريبة، ليس بالقضية التي قد تعيقها العقوبات، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تأمين التقنيات التي كان الإعلام السوري بأمس الحاجة لها ليس أصعب من تأمين المشتقات النفطية أو المواد الأولية للصناعات الداوئية التي بقيت موجودة طوال سنوات الحرب المفروضة على سورية، وعلى ذلك يبدو أن التقصير كان من أصحاب القرار داخل الهيئة؟.

خارج المباني الحكومية، كان العمل على الأرض أشبه بـ "السيران المجقجق"، كما يقول المثل الشعبي، فأن تبقى طيلة ايام في الصحراء كما حصل في تغطية معركة تحرير ريف دير الزور الجنوبي الشرقي من وجود تنظيم "داعش"، دون أن يكون ثمة بديل مساعد، أو أن تقف أمام الكاميرا طيلة نهار كامل كما حدث لبعض الزملاء أثناء تغطية معارك هامة كـ "الغوطة الشرقية - الجنوب السوري"، لأن الوزارة قررت حصر التغطية الميدانية بـ "الشاشة الوطنية"، لتكون الأخيرة مصدراً وحيداً للمعلومة، وعلى خلاف الواقع، يبدو أن النجومية كانت حليفة البعض من الزملاء دون غيرهم، إلا أن هؤلاء غيبوا بقرار من بعض المدراء في إحياء ذكرى المناطق البارزة، وما كان المواطن ينتظر سماعه عن تلك المعارك من معلومات أو حكايا لم يكن الوقت يسمح لسردها اثناء التحرير، ضاع خلف تلال البوتوكس وسهول "الفيلر"، التي تتحفنا به الشاشة الوطنية لمذيعاتنا "الجميلات".

هنا لابد من تذكير الوزارة بطرائف مواقع التواصل الاجتماعي، كـ "قصة حياة البطريق"، الفيلم الوثائقي الذي تزامن عرضه ذات مرة مع معركة هامة كانت تدور رحاها في الشمال الشرقي من سورية، ففي وقت كانت فيه كل وسائل الإعلام المساندة والمعادية لسورية تركز على نقل تفاصيل تلك المعركة، كانت إحدى الشاشات الوطنية (مو الفضائية بنوب)، تعرض الفيلم المذكور، ولليوم، يتندر "الناشطون"، وغيرهم بـ "حياة البطريق"، مع كل هفوة للإعلام السوري، ولسنا هنا في معرض التصويب على أحد بقدر ما نحاول الدفاع عن "الدرع" الذي يتمترس وراءه مدراء التلفزيون السوري كلما أثيرت زوبعة على مواقع التواصل الاجتماعي حول أداء التلفزيون السوري تحديداً، إذ كلما سأل أحدهم من قبل "الوزير"، أو من هو أعلى في المستوى عن هفوة، يكون الإعلام الميداني وما قدمه من تضحيات وجهد، هو ورقة الدفاع الأولى.

 

من الـ "فيسبوك" إلى....

 

حولت وسائل الإعلام الخاص المسموعة والمقروءة، الكثير من الناشطين إلى صحفيين على الرغم من عدم كفاءتهم للممارسة المهنة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الأزمة السورية أفرزت الكثير من المجتهدين الذين انطلقوا من "الواجب" الذي أحسوا به تجاه البلاد، ليطوروا أدواتهم الذاتية قبل أن يحصلوا على المعدات اللازمة للأداء المطلوب منهم، فالأمر لا يقتصر على "هاتف ذكي" و حساب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

 ولعل دخول هؤلاء الناشطين في منافسة مع خريجي كلية الإعلام، دفعهم لتقديم تنازلات مادية تصل حد العمل بالمجان، مقابل الظهور والنشر، لدرجة أن الكثير من المواقع الإلكترونية والإذاعات اتجهت نحو توظيف الناشطين لتقلل من حجم الكتلة المالية التي تنفقها في تأمين المادة الإعلامية التي تريد عرضها.

الناشطون تحولوا إلى عبء على الدولة السورية طيلة سنوات الحرب، وما بين الأخبار الملفقة وغير الموثوقة، ضاع المواطن السوري الذي كان يترقب بالكثير من التلهف والوجع أخبار الميدان السوري، لعدة عوامل أولها البحث عن أخبار مطمئنة عن أبنائهم المقاتلين، والثاني لارتباط العامل الميداني بالعامل المعاشي، وإن كان العمل الإعلامي بحاجة لقانون ينّظم عمل الناشطين والصفحات التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الحل لم يكن مطلقاً بقانون الجرائم الإلكترونية الفضفاض جداً على الإعلام في تطبيقه، وربما يكون الأمر في تعديل بعض نقاطه أو أسلوب تطبيقه.

بحث الشباب السوري عن النجومية التي يحصل عليها "الممثلون"، دفعهم للنظر إلى الإعلام بعين مختلفة خلال سنوات الحرب، إذ إن النجومية والشعبية التي حصدها بعض المراسلين أو الناشطين، جعل الضغط يتزايد على دراسة الإعلام في كامل المؤسسات التعليمية المتاحة، سواء في التعليم النظامي أو المفتوح أو الافتراضي أو الجامعات الخاصة، كما أن ظهور بعض المعاهد التي تطلق تسميه "أكاديمية"، على نفسها، جعل من اتباع دورة تدريبية من عدد محدود من الساعات التدريبية منصة لتحول الراغب بالشهرة إلى "إعلامي" أو "إعلامية"، وهذه الدورة كفيلة بأن يتجه خريجوها إلى موقع "فيسبوك"، لافتتاح صفحة جديدة تحت مسمى "الإعلامي فلان الفلاني"، ما استباح المهنة بحد كبير، وهذا يقود إلى مشكلة أخرى يعاني منها الإعلام السور ي، ففي حين أن عدد الخريجين من كل كليات الإعلام في سورية (العامة و الخاصة) كبير، فإن سوق العمل الإعلامي ضيقة بفعل عدم وجود وسائل إعلامية مرئية خاصة بالعدد أو النوع الذي يوازي بقية الدول العربية، كما أن الصحف الخاصة شبه معدومة، وإن كانت "الأيام"، إحداها، إلا أن هذا العدد هو المطبوع الأخير منها، ريثما تعاود مسيرتها من جديد، فهل ستبقى كليات ومعاهد الإعلام مستمرة بتخريج الشباب ليكونوا رقما إضافيا في إحصاءات البطالة، أم سيكون ثمة إغلاق وإن مؤقت لهذه الكليات، وتساؤلنا مبني على عدم وجود أفق لزيادة الاستثمار في الإعلام السوري دون أن تكون القنوات الجديدة مستنسخة في الشكل والمضمون عن الموجودة حالياً...؟

 

ماذا بعد الحرب..؟

السؤال العريض عن إمكانية العمل بالنسبة للكثير من الصحفيين بعد الحرب عبثية الإجابة، فالبعض لن يقبل بالنزول من علياء الإعلام الميداني إلى ممارسة الصحافة كما هي الحال في كل الدول، الصحافة في حسها وشغفها الذي قد لا يؤتي التعب فيها أكله، وعلى الرغم من ذلك يبقى الصحفي سعيداً بما ينتج على الرغم من قلة حيلته المادية، هنا لابد من الإشارة إلى "الحجر الكبير"، الذي يضرب به المواطن رأس الصحفي ما إن يسمع بمهنته، فالكل يعتقد أن أرباب هذه المهنة يتقاضون أجورهم بـ "الدولار".

هذا السؤال نبقيه مفتوحاً لعدم القدرة على الإجابة عليه من قبل أي صحفي حاليا، الكل يفكر بضرورة انتهاء الحرب، ليبدأ بالتفكير بما يليها، وإن كان البعض قد حزم أمره وقرر الاعتزال نهائياً، فإن قراره هذا لم يكن مبنيا على أساس سؤالنا بالمطلق، وإنما لأسباب أخرى لا مجال لذكرها هنا في عجالتنا هذه، وعلى ذلك يمكن القول إن الكثير من العاملين في الشق الميداني سيكون مصيرهم النسيان، ولربما يكون لديهم الوقت الطويل لاستذكار تفاصيل عملهم خلال هذه الحرب، وسيكون لدينا الكثير من الشخصيات التي ستسرد حكايا تشبه ما يسرده "أبو نايف"، في مسلسل الخربة.. مع فارق عدم وجود سماعة ينتهي شحن بطاريتها فجأة.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…