19 أيار 2019

يرى جوزيف بوليتزرـ مؤسس أول كلّية للصّحافة في العالم ـ بأنَّ الصحافة القديرة "هي تلك التي تهتم بالصّالح العامّ، والمتمتّعة بعقول ذكيّة مُدرَّبة لمعرفة ما هو صائب، والتي تملك الشّجاعة لتحقيقه، بإمكانها المحافظة على الفضائل العامّة وذلك خلافا للصّحافة المتهكّمة التي تُشكّك في الفضائل البشريّة وتنتهي بإنتاج شعب خسيس مثلها".

هذا التعريف للصحافة القديرة هو بالضبط ما حاولت صحيفة "الأيام" تجسيده خلال مسيرتها القصيرة التي بلغت سنتين وبضعة أشهر، أصدرت خلالها مائة وخمسة عشر عدداً راهنت من خلالها على خلق مساحة أكبر من الحرية لدى نقاشها الكثير من القضايا والملفات والأفكار التي نزعم بأنها كانت السبّاقة في إثارتها بعمق ومنهجية ومهنية راقية عبر تعريضها لشمس الحوار بعد أن بقيت لعقود ضمن خانة المحظور؛ هذا "المحظور" لم يكن دائماً بقرار أية جهة وصائية بقدر ما كان نتيجةً لتراكم ثقافة الخوف التي توارثتها أجيال من العاملين في الحقل الإعلامي، ودفعت معظمهم لوضع أقلامهم رهن "الإقامة الجبرية" لخطوطٍ حمراء كانوا هم المبادرون إلى فرضها على كتاباتهم، وأحيانا كانت تلك الخطوط أكثر "حمرةً" من المطلوب، لدرجة أصبحت تستحق معها حكمة الإعلامي المخضرم فؤاد بلاط القائلة بأنَّ "الخوف هو المستشار الأكبر للإعلاميين السوريين".

 هذه المقولة ـ التي نخشى أنها باتت تختصر المشهد الإعلامي السوري ـ حاولت "الأيام" أن تثبت عكسها خلال سنتي عمرها، فالمستشار الأكبر لإدارتها وصحفييها وكتّابها كان إيمانهم بدور الصحافة كسلطة رابعة تعلوها سلطة الضمير، كضمانة تعزّز حق السوريين بإعلام موثوق يحترم عقولهم وحقهم في التعبير المسؤول كقيمة عليا فرضتها حرب قاسية وبشعة ربما كان أحد أسبابها يكمن في غياب ثقافة الاختلاف والتنوع أو تهميشهما.

يكاد يكون هناك إجماع في الوسط الصحفي اليوم على كون المرحلة الحالية هي الأقسى بتاريخ الصحافة السورية لسببين أساسيين : الأول ارتفاع منسوب التضييق على حرية العمل الصحفي، والثاني هو أن سلطة الخوف و ليست سلطة الضمير باتت الضابط لكل ما تنتجه أقلامهم، وتحديدا إذا عرفنا أن إمكانية توقيف أي من العاملين في الحقل الإعلامي باتت متاحة أمام كل من يعتقد ( و ليس يُثبِت بالدليل ) بأنّه "ضحية" لممارسة الصحفي لحقّه المسؤول بالتعبير، وهو أمرٌ نخشى من أنه بات يتكرر بشكل يجعل من كل صحفي مشروع متهم حتى تثبت براءته.

اليوم، و إذ تُشرف "الأيام" على إطفاء سراجها بعد خمسين شهرا من النور، نعلن للجميع بأن ذلك لا يعني انسحابنا من دورنا الذي اخترناه منذ البداية بأن نكون المناهضين لكل من يريد إغراق وطننا بالظلام، الذي اخترنا محاربته بالكلمة المسؤولة بدل الاكتفاء بصبّ اللعنات، الكسوف القسري لشعلة "الأيام" هو فقط لملء سراجها بوقودٍ من أمل وحبّ طالما مارستهما بمسؤولية عالية، ويحدونا الأمل بأن تعود لمتابعة مسيرتها في نشر النور في بلادٍ تستحق منا كصحفيين خاصةً؛ و كسوريين بشكل عام، أن نجعلها منارةً للكلمة الحرة على مر العصور و الأزمان .


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…