19 أيار 2019

التدريب في المجال الإعلامي... "سوق" مفتوح بلا ضوابط ما بين أصحاب الكفاءة و المتطفلين ذوي الأهداف التجارية

ليس غريباً أن تجد خريجي كلية الإعلام حتى الأوائل منهم يعملون في محل للوجبات السريعة متخلّين عن مهنتهم الأساسية لأسباب شتى، في حين يتهافت آلاف آخرون غير أكاديميين للعمل في الوسط إما حباً للمهنة أو جرياً خلف الشهرة، فتجد الخريجين من كل الكليات الأدبية والهندسية وحتى الطبية يكتسحون وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، فمنهم من تفوق بعد أن تشبع بقواعدها المهنية وطور إمكانياته، خاصة من امتلك ثقافة عالية إلى جانب ظهور بهي أو خامة صوتية وتحريرية وغيرها من المهارات، ومنهم من أساء إلى المهنة وقدم الإعلام السوري على أنه مسخ مشوه يشمئز الجمهور من متابعته، بل أن بعضهم انطلق للتدريب -وهنا الحلقة الأهم- دون أن يكون لديه دراية كافية أو خبرة مهنية وأكاديمية رغم ما يشكله ذلك من خطر نقل الأخطاء والتشوهات إلى أجيال جديدة ستقود دفة الإعلام لاحقاً وبالتالي تتحكم بالرأي العام.

التركيز على الأسماء اللامعة في التدريب

يرجِع البعض غياب المدربين الأكفاء وصعود طبقة من المغمورين إلى غياب التدريب العملي خاصة التربية الإعلامية الرقمية في كلية الإعلام (الكلية الحكومية الوحيدة في سورية التي تعنى بتدريس الإعلام بكافة اختصاصاته)، في حين يفسره آخرون بغياب الضوابط التي تحكم عملية اختيار المدربين ووسائل التدريب في المؤسسات الإعلامية خاصة ذات الطابع التجاري وهي مسؤولية وزارتي الإعلام والتنمية الإدارية بالدرجة الأولى.

يشير حازم عوض: (مدير تحرير موقع الاقتصادي) إلى أن الدورات الإعلامية تركز على الأسماء اللامعة لجذب أكبر عدد من الناس تحلم بالشهرة، وفعلاً انتعش السوق، ودخل الدورات أشخاص غير أكاديميين، نظروا إلى الإعلام على أنه مهنة سهلة وتحقق مردودا ومن دون خبرة.

ويفيد عوض بأن هذه الدورات أفرزت أشخاص غير أَكْفَاء، ونتيجة لعدم وجود خبرات في سورية، بدأت الدورات بأسماء مشهورة، ثم انتقلت إلى صحفيي الفيسبوك أو أناس تخرجوا من هذه الدورات نفسها وصارت أسلوباً للكسب المادي.

ويضيف عوض: هذه الدورات غير كافية لدخول سوق العمل، لأن القضية بالنهاية أكاديمية وحرفية لها علاقة بالإبداع والذكاء والفطنة ولا علاقة لوزارة الإعلام بطبيعة العقد الموقع بين الموظف والوسيلة الإعلامية، لكن بعد أن استشرى الموضوع منعت الوزارة هذه الدورات وحصرتها بموافقتها، واشترطت أن يكون المدرب معتمداً من قبل وزارة التنمية الإدارية، ومع ذلك ما زالت الرقابة ضعيفة.

آلية عمل تجارية في التدريب

ينتقد بعض الصحفيين آلية العمل التجارية التي تقوم بها بعض المؤسسات الإعلامية بحيث لا تراعي طرق اختيار المدرب المناسب ولا تهتم بالمحتوى الإعلامي الذي يقدمه. يؤكد حسن النابلسي: (صحفي في صحيفة البعث) أن من أبرز الأمراض التي بدأت تنخر المنظومة الإعلامية في سورية هو دخول غير المختصين إليه. لقد بتنا نشهد تغلغل العديد من الكوادر غير المؤهلة في جميع الوسائل الإعلامية خاصة الإلكترونية منها، ليس هذا فحسب، بل إن البعض منهم تجرأ على الخوض بغمار التدريب عبر اعتماده كمحاضر مدرب لدى بعض المعاهد والجهات ذات البعد التجاري على حساب المهني.

ويرجع النابلسي سبب اعتماد العديد من الوسائل الإعلامية لاسيما الخاصة منها على غير المختصين إلى نهجها التجاري، وما يتطلبه من ضغط نفقات بغض النظر عن المحتوى الإعلامي وما يحتاجه من معلومة صحيحة وتحليل وإبداء الرأي، كما أن استسهال وسائل الإعلام التعامل مع غير المختصين، حرف بوصلة الإعلام عن تظهير مواطن الخلل والفساد إلى تلميع وتسويق عمل الجهات الحكومية.

ويدعو النابلسي إلى وضع ضوابط صارمة بهذا الاتجاه، لأن العمل الإعلامي بالنهاية هو عمل فكري وليس سهلاً أبداً، وتقع مسؤولية وضع الضوابط الصارمة على عاتق وزارة الإعلام بالدرجة الأولى لناحية محتوى المادة الإعلامية، وعلى وزارة التربية لناحية العملية التدريبية كونها الجهة المهنية المخولة منح تراخيص إحداث المعاهد التدريبية والتعليمية وإلزام هذه المعاهد التعاقد مع مدربين محترفين وكذلك هناك مسؤولية تقع على عاتق اتحاد الصحفيين لجهة قبول عضوية الصحفي المحترف.

المجال مفتوح للجميع

أحدث التطور التكنولوجي الهائل ثورة في عالم الاتصال وهي البيئة التي يعمل ضمن كينونتها الإعلاميون، ولذلك لم تعد المهنة حكراً على الأكاديميين بل تركت الباب مفتوحاً أمام من يملك الأسلحة المناسبة على أن يكون الجمهور حكماً، والأمر يشمل المدربين في الحقل الإعلامي أيضاً. لذا يعتقد ماهر المونّس (مدرّب لمادة تحرير الأخبار - مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في سورية) أن البيئة الإعلامية باتت مفتوحة للجميع، ليس فقط في سورية، بل في العالم بأسره بفضل انتشار أدوات تقنية تسمح أن يكون أي شخص، في لحظة ما ناقلاً للخبر، وربما في الأزمات والصراعات تمسي الحاجة للمعلومة أشد، وهناك لُهاث لمعرفة آخر الأخبار، فتبدو هذه الحالة في سورية بشكل أكثر وضوحاً.

ويشدد المونّس على أن المعيار ليس شهادة الإعلام، أو خريج الكلية، ليس كل خريج هو مؤهل للعمل، والعكس صحيح... المعيار هو معرفة ودراية القائم بالاتصال بأساسيات هذه المهنة وتحصيله لقواعدها، بغض النظر إذا ما كان هذا التحصيل من خلال الكتب وعلى مقاعد الجامعة، أو من خلال المؤسسات وفي الحياة العملية والجمهور في النهاية هو الحكم والفيصل.

وبحسب رأي المونّس فإن التدريب هو مسؤولية كبيرة، فالمدرب، قائد رأي في مجتمع صغير، يؤثر بالمتدربين ويحمّلهم معلومات وقيم، لكن أيضاً هنا نحن بحاجة لمعيار يحدّد لنا من هو الشخص المؤهل لكي يكون مدرباً من الشخص غير المؤهل... من يحدّد هؤلاء الأشخاص؟ ومن يعطيهم رخصة للتدريب؟ "أعتقد أن التقييم في هذه الحالة يرجع لأساتذة الجامعة، والإعلاميين أصحاب الباع الطويل في المهنة. مع غياب معايير ومحددات واضحة، وملزمة وفق القانون" كما يردف المونس.

 ويقول المونس "بكل تأكيد، يجب أن يكون هنالك ضوابط محددة، ومعايير واضحة وعادلة للجميع، تفسح المجال لتقديم الخبرة العملية، والعلم الأكاديمي، والدمج بين الجانب النظري والآخر العملي. ولا أعتقد أن أحداً يُعارض تنظيم عملية التدريب في البيئة الإعلامية أو أي بيئة أخرى، شرط أن يكون التنظيم موضوعياً وعادلاً".

الإعلام مجال إبداعي

وجهات نظر أخرى تنظر إلى الإعلام على أنه مجال إبداعي لا ينحصر العمل أو التدريب فيه بالإعلامي الأكاديمي بل إن التدريس في الجامعة ليس سوى خطوة مهمة لكنها غير كافية، حيث يبين مهران سلوم (مدرب) بأن الإعلام كغيره من المجالات الإبداعية أركانه الموهبة والثقافة والعمل الجاد، والثقافةُ تدعمها الدراسة الأكاديمية وتنميها القراءات المستمرة، وهذا يعني أن الجامعات تضع اللبنة الأساسية لمجال العمل لكنَّها غير كافيةٍ وحدها.

 ويطرح سلوم أمثلة، فدريد لحام الحاصل على إجازة في الفيزياء في مجال التدريس عملَ ممثلاً ومع ذلك كان أعظم من اشتغل في هذه المهنة، وتفوّق على خريجي المعهد العالي للفنون المسرحيّة، وأيضاً الإعلامي اللبناني جورج قرداحي الحاصل على شهادة الحقوق وشهادة العلوم السياسية لم يزاول مهنة المحاماة بل وظف إمكاناته في مجال الإعلام وأبدع فيه.

ويكمل بالقول "إنّ حصولي على إجازة في الشريعة الإسلامية لم يدفعني إلى التّخصّص في تقديم البرامج الدّينيّة فقط، مع أنّي أعددت برنامجاً رمضانياً من ثلاثين حلقة قدّم منذ سنوات على إذاعة أمواج إف إم .التخصّص مفيدٌ ، لكنّ الذي يحدّد عمل الإنسان هو شغفه".

ويتساءل سلوم، هل تحتاج دورات التدريب الإعلامي إلى خريجي كلية الإعلام وهم وحدهم المؤهلون لإقامة مثل هكذا دورات... فإذا كان ذلك كذلك فما قيمة أن تتلمذ على يد كبار رجال الفكر والإعلام؟ وما قيمة الجهد الشخصي والدورات المتنوعة التي يقوم بها المتدرب لكي يصير مدرباً...

ويقول سلوم "إنّي أؤيّد ما تطرحونه من أنَّ دورات التدريب الإعلامي تتطلّب أشخاصاً يمتلكون مقومات فكرية وثقافية تهيئهم لكي يكونوا مدربين ويذكر سلوم بأنه يجب أن يكون هنالك ضوابط انطلاقاً من الشهادة العلمية مروراً بالدورات العلمية العملية التي يخضع لها المدرب قبل أن يصبح مدرباً وانتهاءً بشخصية المدرب وأسلوبه في التدريب".

 

في حين تجد رشا محفوض (صحفية في وكالة سانا للأنباء) بأن عناوين الورش التدريبية سواء للوافدين الجدد أو المحترفين ما زالت خجولة لم تخرج من إطار العناوين البسيطة... إضافة للحقيبة التدريبية التي بقيت في إطارها التقليدي التلقيني.

وتفرق محفوض بين ورش العمل والبرامج التعليمية في هذا المجال... فورشة عمل غالباً ما تكون من خلال التركيز على موضوع الورشة ويقسم المتدربون إلى مجموعات لدراسة كافة جوانب الموضوع والخروج بمقترحات توصيات أو مشاريع قابلة للتنفيذ... البرامج التعليمية غالباً ما تكون لمدة شهر تقسم على مادة علمية كاملة تتيح للمتدرب الإشباع بالمادة العلمية وهنا مسؤولية كبيرة تقع على من يقدم البرنامج التعليمي لأنه بالنهاية يقدم علماً.

وتقول محفوض: أنا هنا لا أضع اللوم على من يقدم التدريب لكون كل إنسان يطمح إلى الوصول لمكان اجتماعي قد يجد التدريب منفذاً له بذلك، أنا أضع الحق على من يتلقى التعليم ونحن اليوم في زمن مفتوح على العالم وقادرون على معرفة ما ينقصنا من مهارات، كما نلاحظ أن عناوين المواد التدريبية للمبتدئين آلية تحرير الخبر والتقرير والتحقيق وغيرها مع العلم أن مفهوم الخبر تطور اليوم من أسلوبه التقليدي إلى أسلوب السرد الرقمي.

قواعد دولية للمدرب

على الطرف الآخر، يتمسك أساتذة الإعلام بضرورة وجود معايير دولية تركن إليها المؤسسات الإعلامية عند اختيار المدربين بل عليهم أن ينجحوا في دورات تعتمد هذه المعايير وتصقل قدرات المدرب لأن الإعلام علم له ضوابطه وتشريعاته. ويشدد الدكتور أحمد الشعراوي (نائب عميد كلية الإعلام - مدرب أكاديمي) على أن هناك معايير دولية بالنسبة لاختيار المدربين، والمدرب من دون شهادة لا يعد مدرباً، فعلى الأقل يجب أن يكون جامعياً فأعلى.

 وبحسب د. الشعراوي يوجد معايير دولية من مائة درجة لاختيار المدربين وهناك مدربون مشهورون على مستوى عال لم يتخطوا 20% من هذه المعايير، فإن لم تحصل على 60% لن تكون مدرباً.

ويكشف د.الشعراوي "نحن الآن نعد مدربين ضمن أول دورة نوعية في سوريا بالتركيز على كاريزما الصوت، وهؤلاء المدربين حصلوا على تدريبات خاصة بالبرمجة اللغوية العصبية ولغة الجسد وأساسيات التدريب، وإعداد المادة العلمية والطرق المنهجية، وهناك من رسب منهم في هذه الدورة ولم يحصل على 40%".

 ويقول د. الشعراوي "يوجد مدربون لا يعلمون ما هي الحقيبة التدريبية. فالمدرب يجب أن يكون لديه كاريزما الحضور والمعلومة والأسلوب والمهارة والقيمة والمعرفة، وهو خبير لديه خبرة واسعة في مجاله، فالمدربون غير المتخصصين يزيدون الطين بلة، خاصة من يأخذ التدريب على أنه حالة تجارية ربحية، فلا يمكن مثلاً إعداد مذيع خلال أيام قليلة فقط، بل يحتاج الأمر إلى سنة على الأقل".

ويكمل د. أحمد الشعراوي حديثه" وزارة الإعلام تحاول أن تضبط هذه الظاهرة بشكل جيد من خلال آلية معينة ووضع ضوابط للمدربين والمركز التدريبي، وهي تحاول أن تمنع المراكز التجارية من العمل في هذا المجال".

والخلاصة أن عدم وجود ضوابط تحدد كفاءة المدرب الإعلامي واستمرار النفَس التجاري لمؤسسات التدريب سيترك الباب مفتوحاً لدخول ضعيفي الخبرة والكفاءة من أي مهنة أخرى، بما ينتج عنه ولادة جيل إعلامي استعراضي بلا أي قيمة علمية.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…