19 أيار 2019

عن مساحة الثقافة في الإعلام السوري

على إدارة الجريدة بعده، وهي لا تعدو أن تكون أكثر من هبّات موسمية، قد تأتي المواسم وافرة أحياناً، لكنها نادرة، ذلك أن القحط في تأملٍ خارطة الثقافة في وسائل النشر والإعلام السورية؛ فإنّ نظرة سريعة، قد توحي بالمساحة الشاسعة التي تشملها هذه الخارطة، فإضافة إلى وزارتين مهمتين تعنيان بشكلٍ مُباشر بالمشهد الثقافي في سوريّا، وهما وزارتا الثقافة والإعلام، غير أن ثمة الكثير من الوزارات والهيئات والاتحادات والمنظمات والنقابات الأخرى، وهي كثيرة ومُتعددة؛ تُعطي حيزاً ما، لنشر الثقافة بما تصدره من خلال وسائلها الإعلامية.. وهو الأمر الذي يوحي باتساع خارطة الثقافة السورية، لاسيما في مسألة تنوّع هذه الوسائل التي تبدأ من الكتاب والجريدة والمجلة الورقيات، وتنتهي عند وسائل النشر الحديثة المتمثلة في صفحات الفيسبوك ومواقع النشر الالكترونية، ومروراً بالإذاعة والتلفزيون بقنواتهما المُتعددة..

خدعة بصرية

لكن بعد التأمل السريع أو النظرة السريعة، الذي يوحي بكل شساعة هذه المساحة التي تعني بالشأن الثقافي؛ غير أن البحث الهادئ؛ سيحصل الباحث من خلاله على زيف هذه المساحة ووهمها، أو على الأقل التباسها وارتباكها، وذلك لأكثر من جهة ومستوى وسبب، ولعلّ أولها أن الإيحاء بالاتساع الذي فرضه التأمل السريع أو النظرة السريعة؛ سينفيه البحث الهادئ لنصل إلى الحيز الضيق، وربما الضيّق جداً عندما نصل إلى المضمون الثقافي والنوعية، وإذا ما وصلنا إلى العاملين في الشأن الثقافي، فربما نصل إلى ما يُمكن أن نطلق عليه "المحنة الثقافية".. محنة تجسدت أكثر ما تجسدت خلال ثماني سنوات الحرب على سوريّا، التي كانت في أحد وجوهها نتيجة أزمة ثقافية على صعد مختلفة، لعلّ أخطرها ضياع الهوية الثقافية، التي هي من تُعطي الملامح الخاصة للهوية الوطنية والتي لا يُمكن تكثيفها بغير الملامح الثقافية التي تتمثل في الآداب والموسيقا والأغاني والعمارة وحتى في المثيولوجيا والأديان وغيرها من ملامح ثقافية لكل شعب من الشعوب، ولكلّ أمة من الأمم..

تماهي الإعلام مع الثقافة

في العالم كله، فإن مفردتي إعلام وثقافة؛ تكادان لا تنفصلان، بل ثمة تماهي بين المصطلحين: إعلام – ثقافة.. ذلك لأن الإعلام عندما يخوّض في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية.. وغير ذلك من هذه المناحي؛ فهو يُقدم "ثقافة" ما، في كل مجال من المجالات السابقة، بمعنى تكون مهمة الإعلام التثقيف في كل مجال من هذه المجالات ليكون لدينا، أو يُقدّم: ثقافة سياسية، ثقافة رياضية، ثقافة اقتصادية، ثقافة اجتماعية، وغير ذلك.. فما بالك بما عُرف من الثقافة الصرفة التي تشمل أكثر ما تشمل: الفنون على تنوعها والآداب على تنوعها..

بعد هذا التمهيد الذي يبدو أننا أسرفنا فيه قليلاً؛ لنُلقي نظرة إلى واقع مساحة الثقافة في وسائل الإعلام السورية على تنوعها، وهنا لن ندعي الإحاطة.. لأن الأمر يحتاج لمساحة أكبر من أن يستوعبها مقال في صحيفة أسبوعية، كما يحتاج لتحليل مضمون كل ما صدر ويصدر من أشكال وأنواع ثقافية في وسائل الإعلام السورية المُختلفة.. غير أنه وبحكم عملي في الشأن الثقافي لأكثر من ربع قرن؛ يُمكن أن نُكثف الحالة الثقافية بعدد من الملامح.. ولكن حتى نرى كيف وصل الإعلام الثقافي لما وصل إليه؛ دعونا نقوم بعملية "الخطف خلفاً" لنرى كيف كان الإعلام الثقافي في الأمس القريب، وإلى أين وصل، وهي بكل الأحوال ستكون من خلال أمثلة سريعة..

الخطف خلفاً

خلال سبعينات القرن الماضي أو ربما في بداية ثمانيناته؛ كانت صحيفة الثورة السورية؛ تصدر ملحقاً ثقافياً، كان يُشرف عليه حينها الشاعر السوري محمد عمران صاحب عشرات المجموعات الشعرية والقراءات الأدبية، وكان آخر ما صدر له مجموعة شعرية بعد وفاته، المجموعة الأشهر "في مديح من أهوى".. هذا الرجل استقطب حينها كتاباً، أمسوا بعد ذلك من أهم الشعراء في العالم العربي، وكتابه المسرحيين والروائيين، وأذكر منهم: أدونيس، وسعد الله ونوس، وممدوح عدوان، وغيرهم.. وفي مقارنة الأعداد القليلة مع أعداد ملحق الثورة فيما بعد، والذي كان توقف لفترة طويلة قبل أن يُعاد إصداره في تسعينات القرن الماضي، الذي حاول أن يُماثل ولو قليلاً ملحق السبعينات عندما صار يُشرف عليه الشاعر مُفيد خنسة، لكن مع تخلي خنسة عن الإشراف عليه، وتسليمه فيما بعد لغازي حسين العلي؛ بدأ يصل هذا الملحق ل"المحنة الثقافية" ومن ثم توقيفه، إلى أن أعيد منذ أكثر من سنتين إصداره الكترونياً حيث لم يعد يهتم لأمره إلا كل "مقطوع من النشر"..

في صحيفة تشرين التي خرج من دهاليزها من أمسى فيما بعد من كبار الكتاب أيضاً في العالم العربي: منهم على سبيل المثال الشاعر محمد الماغوط وعشرات القاصين والشعراء مثل وليد معماري وحسن م يوسف الذي تمّ تطفيشه، لكن كان ذلك عندما كان رئيس تحريرها مثل: جلال فاروق الشريف، وغسان زكريا وغيرهم، لكن لنتذكر حجم الكارثة التي وقعت فيها صحيفة تشرين عندما تمّ فرض محررة شبه أمية لتكون في سدّتّها، أي رئيس تحرير لهذه الجريدة التي بدت لافتة ومُغايرة إلى حدًّ كبير في المضمون الإعلامي منذ نشأتها لاسيما لاختلاف انتماءات من كان يكتبون فيها واتجاهاتهم غير المُتماثلة كما حصل في صحف أخرى، ومع رئيسة التحرير الجديدة؛ الأمر الذي أدى إلى تفريغ الجريدة من أكثر من خمسين بالمئة من كوادرها، وضرب الصحيفة في الصميم؛ محنة ثقافية استمرت لما يُقارب من أربع سنوات ونصف، كانت كافية لأن تنسف مؤسسة بكاملها..

المفاصل المعطوبة

وهنا أصل إلى المحنة الأقسى التي يُعاني من الإعلام السوري، أي مسألة "التعيين" التي غالباً ما تكون وبالاً على المؤسسة الإعلامية، فليس من أبسط الأمور لدى من يقود المؤسسة الثقافية – سواء كان مدير عام أو رئيس تحرير أو وزير – من أن "يُعيّن" أي كائن بغض النظر عن مؤهلاته ليدير الثقافة، فلا تستغربوا على سبيل المثال – وهنا لن أدخل بموضوع الأسماء باعتبار الحارة ضيقة جداً والجميع يعرف من نقصد – أن يتم تعيين رئيس دائرة الثقافة محرراً لم يقرأ في حياته رواية أو مجموعة شعرية، أو يُشاهد عرض مسرحي، أو فيلم سينمائي، أو يحضر معرض تشكيلي، وهكذا أمين التحرير للشؤون الثقافية.. ألم يحدث مثل هذا الأمر في أكثر من صحيفة رسمية، وإذا ما وصلنا لعند منصب "مدير التحرير" الذي هو من يُقيّم جودة المواد جميعها بما فيها الثقافية، فمن النادر جداً، أن يكون ذلك "المدير" قد اشتغل يوماً في مجال الثقافة.. وهنا أشير إلى مسألة: وهي أن المحرر الثقافي؛ يُمكن له أن يكتب في مختلف مجالات الإعلام كالاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك بحكم حجم إطلاعه، غير أن العكس قد يبدو مستحيلاً ومن النادر جداً.. ومع ذلك فإن المفاصل التي كان يجب أن يكون فيها ممن اشتغلوا في التحرير الثقافي، أو محررين في مجال الثقافة، كانوا من خارج هذا المجال، وهنا يأتي السؤال الحارق: كيف تريدون لجسد أن يمشي إذا كانت مفاصله معطوبة؟؟!!

مأساة الإعلام السوري؛ في من يُدير ويُوجه هذا الإعلام، أي تكمن المحنة في مفاصله، ومن ثم لا تتوقعوا من جسدٍ مهترئةٌ مفاصله أن ينهض، ويصعد الدرجات. والكارثة الإعلامية عندما يكون من يُقرر إعادة اللياقة والقد المياس لجسد الإعلام السوري، وإزالة الترهل منه؛ هم هؤلاء الذين يغتصبون إدارات هذا الإعلام، والذين كانوا سبب محنته.!

ملاحق غابرة

مرت فترة في صحيفة تشرين، أصدرت خلالها أكثر من ملحق ثقافي، وكذلك أكثر من صفحة مُتخصصة بالشأن الثقافي – صفحة تشكيل؛ صفحة دراما، صفحة كتب... -، غير أن كل ذلك؛ كان يعود لمزاج رئيس التحرير، والقائمين العام؛ كان هو السائد أغلب الوقت، والدليل عدم استمرار مثل هذه الملاحق، وعدم انتظام صفحات الثقافة المُتخصصة في صدورها، ناهيك أن الصفحات الثقافية، أول ما يتم "التضحية" به إذا ما أقبلت هجمة نشر "الإعلانات".. ومع حرب الثمانية أعوام على سوريّا، تقلصت الصحافة الورقية وتمّ اختزالها لأقرب ما يكون إلى "النشرات" منها إلى الصحافة الحقيقية، فكيف لصحيفة دولة أن تصدر ب"12" صفحة، والغريب إصدار الصحيفتين الرسميتين بذات الحجم كل واحدة "12" صفحة.. وعندما اقترحنا ذات مرة دمج الصحيفتين بصحيفة واحدة تصدر ب "24" صفحة تليق بسوريّا؛ استدعينا على عجل في منتصف الليل من قبل رئيس تحرير إحدى الصحيفتين ليبلغني أسفه وعتبه الشديدين على مثل هذا الاقتراح الذي رآه بائساً من وجهة نظره..

الدراما المستفحلة

وإذا ما انتقلنا من الصحافة الورقية إلى التلفزيون السوري؛ فالأمر يحتاج لمُكبر أو مجهر لاكتشاف مساحة الثقافة، ذلك يبدو أن "الشاشة السورية" أكتفت ب"الدراما" ليكون مجالها الثقافي شبه الوحيد، واليوم أينما نظرت سيخرج لك الممثل السوري، ومن أي درجة أو صفًّ كان؛ فهو ممثل في المسلسلات، وهو مُقدم برامج، ومُحلل سياسي، وطبّاخ من عملة نادرة، وحتى مُغني وارقص أن شئت، كيفما اتجهت ثمة ممثل يرنو إليك.. فيما البرامج التي تعني بمجالات الثقافة فغالباً تُبث في الأزمنة الميتة التي قلما يُشاهدها أحد، وإذا ما أقبل رمضان؛ شهر الدراما والمسلسلات فعلى الثقافة السلام..

كل ما تقدم ونحن نسرد عن الثقافة وحيزها في الصحافة الورقية، وتحديداً في الصحافة الرسمية، وتحديداً أكثر في صحيفتي (تشرين والثورة) اللتين ثمة إصرار على إصدارهما منفصلتين بدل صحيفة واحدة مُتكاملة، ولم نذكر شيئاً عن الصحافة الحزبية، وهي بالعشرات يصدر بعضها أسبوعياً وبعضها يومياً.. ببساطة إذا ما قورنت الصحافة الحزبية بالصحافة الرسمية، فإن الصحافة الأولى تحتاج لعشرات السنين، ولن نقول هنا "ضوئية" حتى لا نُبالغ في التراجيديا لتصل لسوية الصحافة الرسمية، فيما بقيت الصحافة الخاصة – إن استمرت بالصدور- تدور في فلك الرسمي ولم تتجاوزه، ومن اختلف عنه فمآلها الإيقاف والتوقف بعد حين من التميز ليس بعيداً، بمعنى بالكاد ترسم مشروعها الإعلامي والثقافي، وإن تميزت لبعض الوقت، غير أنها لن تستمر طويلاً، وهنا أشير إلى تجربة صحيفة "الأيام" وعمرها القصير الذي لم نكن نتمناه لها..

مجلات وزارة الثقافة

انتقل بعد ذلك إلى مجلات وزارة الثقافة، فمن المعلوم إن وزارة الثقافة السورية، هي أكثر وزارت الثقافة العربية إصداراً للمجلات، وحتى تفوقها بالنوعية والمضمون، غير أن محنة هذه المجلات إنها غير منتظمة الصدور، أو تصدر فصلية، وأحياناً كثيرة تصدر مرتين في السنة كلها، وهو الأمر الذي لا يُحقق نشر الثقافة  واستمراها، فإصدار عدد كل ثلاثة أشهر، أو كل ستة؛ أراه نوعاً من العبث الثقافي غير المُجدي، فلا معنى لمطبوعة دورية، لا تكون دورتها شهراً أو أقل من شهر لتُحقق المتابعة والانتشار، وباستثناء مجلات الأطفال ومجلة المعرفة، التي تصدر شهرية، فإن المجلات التي أطلق عليها "الحيوات" رغم أهميتها الثقافية لاسيما في مجال التوثيق للحراك الثقافي السوري، وأقصد بذلك : الحياة التشكيلية، الحياة المسرحية، الحياة السينمائية، الحياة الموسيقية، ومجلة التراث، فجميعها تصدر فصلية وأحياناً تصدر عددين في السنة بطولها وعرضها، وهذا إصدار مُحزن للغاية ولا يُحقق الغاية الثقافية التي تصدر لأجلها، وإذا كان ليس من إمكانية لأن تصدر شهرية كلها، فيُمكن أن تصدر جميعها في "حياة" واحدة مبوبة بتلك الحيوات السابقة شهرياً بعد تكثيفها وجمعها في نسخة واحدة تصدر شهرياً على الأقل... وليس أدل على ما نقوله؛ وهي أنه ورغم مرور المدة الطويلة على إصدار هذه المجلات فمؤخراً حتى سجلت ثلاثة منها العدد رقم (100) كان ثالثها مجلة الحياة السينمائية في عددها الموجود في الأسواق اليوم، وقبلها سجلت كل من الحياة المسرحية والحياة التشكيلية عددهما ال(100) رغم بعد سنة الصدور التي يعود بعضها لسبعينات القرن الماضي، وبتقديري هذا أمر غاية في الحزن الثقافي.

صحافة المتحف

انتقل سريعاً للصحافة التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب، ولن أطيل الوقوف عندها، لأنها نموذج غاية في الكربلائية الطويلة عن محنة الثقافة السورية، وهي مثال للهدر المالي هكذا وبدون أية فائدة، أو على الأقل ليس بالفائدة الثقافية المرجوة.. والمدهش ونظراً لكثرة الدوريات الثقافية التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب، وانتظام الصدور، وجودة ورق الطباعة؛ إي ثمة إمكانية مالية هائلة لإصدار مثل هذه الدوريات التي تنوعت بين: الأسبوعية والشهرية، والفصلية.. منها: الأسبوع الأدبي، الموقف الأدبي، الآداب الأجنبية وغيرها.. لكنها محنتها أنّ سمتها كانت طول الوقت وقوعها في "المتحفية" وهي أقرب إلى نشرات داخلية للاتحاد، يدونها أعضاء أعضاؤه الذين تغلب على ثقافتهم – أكثرهم  حتى لا نعمم - الثقافة السلفية، ليس بالمعنى الديني، وإنما السلفية الثقافية، التي تُعادي الكتابة الجديدة، وعدم انفتاحها للمثقفين السوريين من خارج أعضاء الاتحاد، وهو الأمر الذي جعل من تلك الدوريات الصحفية تنضم إلى مخازين المستودعات المتخمة بما يصدره الاتحاد من كتب على مدى سنوات طويلة وبقيت حبيسة تلك المخازين..

جلد الذات

"المسكوت" عنه في الإعلام الثقافي السوري وأسباب ومسبّبات وعوامل تأخره وانكفائه وسطحيته وابتعاده عن الهاجس والهم الثقافي الحقيقي، مجال واسع لطرح عشرات الأسئلة التي طعمها حارقاً، فثمة إقصاء للكثير من المبدعين عن المنابر الوطنية.. وهو الأمر الذي نجده في "توسل" هؤلاء المُبدعين منابر الغير حيث يبدون كالأيتام على موائد اللئام.. وباستبعاد الصحافة الثقافية للمبدعين السوريين وانفتاحها عليهم، فإنها تخسر الكثير من القراء والمتابعين في وقت كانت الصحافة الثقافية تزخر بأدباء إعلاميين وصحافيين أدباء، فالهاجس أو الاشتغال الثقافي آخر أولويات السياسات التحريرية في إعلامنا، وهذا ليس من باب جلد الذات، ولكن إن لم تتحسّن الحال، "أخشى أن نكتب نعوة الإعلام الثقافي السوري" قريباً على حد وصف أحد الأصدقاء يوماً.

اليوم – للأسف- لدينا صوت واحد، ولون واحد، واتجاه واحد في الثقافة والإعلام السوريين معاً، حتى في هذا الصوت الواحد، فإنّ مساحة الإعلام الثقافي، كانت طوال الوقت، هي المساحة الأضيق، والأضعف.. الثقافة تبدو كوظيفة أحياناً تمارس وهذا ما يعكس خللاً بنيوياً في دلالتها ومعناها، فهي ليست وظيفة أو ترفاً أو فائضاً. ومن هنا ظلت الثقافة أسيرة الهوامش.. الإشكال الرئيسي مازال يتمثل بغياب الرؤى والاستراتيجيات بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، لا مخرج لنا منه إلا من خلال "تحرير المعنى في وجود صحافة ثقافية تمثل خط الدفاع أو الهجوم، ولا يستقيم ذلك إلا باستثمار الكفاءات الثقافية الحقيقية، وخلق حالة تشاركية مع المبدعين" على ما يرى الكثير من المشتغلين في حقول الثقافة.

ليس فجأة، وبرمشة عين؛ يتحوّل الإعلام السوري من "الإعلام الوطني المقاوم" إلى الإعلام المترهل، والذي يضرب الفساد أطنابه في كل تفاصيله.!! الحقيقة الأكيدة؛ إنه ليس من أمريءٍ قادرٍ اليوم على الدفاع عن هذا الإعلام حتى في شقه الخاص، الذي بقي الأخير يدور في فلكه، ولم يتجاوزه.. لكن الحقيقة الأكيدة الأخرى، أن هذا وجه لما تُعاني منه مؤسسات الدولة السورية كافة، ولا استثناء لأحد، وأقولها محزوناً، انظروا لمؤسسات الجمارك، والشرطة، والقضاء، والتعليم، و.. التربية، ووسعوا مدى الرؤية لتروا الكارثة بحجمها الطبيعي وليس الجزئي.

كيف ل " يوسا " أن يقدم حفلة التيس؟

حتى وإن كان " البؤس" عامّاً، فهذه " القاعدة " ليست ثابتة، شُذّ عنها في بلدانٍ كثيرةٍ، على سبيل المثال في أمريكا اللاتينية: ثمة "رواية" في الذروةِ من ازدهارها وأبهتها، ألقت بحضورِها على الأدب الروائي في العالمِ كلهِ، وكذلك ثمة "رياضة" – كرة القدم – هيمنت على رياضة كرة القدم في العالم كلهِ أيضاً، ولسنواتٍ طويلة..إنّ من يقرأ رواية "حفلة التيس" ل"ماريو بارغاس يوسا"، و" ليس لدى الكولونيل من يُكاتبه" ل" غابرييل غارسيا ماركيز" وغيرهما من الرويات في هذه القارة التي منحت سحريتها للرواية العالمية.. لابدّ سيرى ذلك، لدرجة – وطالما – تسألت: ترى لولا وجود "الديكتاتور" – ترخيو الدومينكان – كيف ل"يوسا" أن يقدم "حفلة التيس"؟! وهنا نذكّر بالمناسبة، أذكر إنّ الأغلبية من الروائيين في أمريكا اللاتينية جاؤوا من خلفيةٍ صحفية، إن لم يكونوا جميعاً قد اشتغلوا في الصحافة، فطالما كانت الصحافة هي المنبر الأثير لنفس المبدع وحاضنه الأشهى.. مع ذلك، لطالما كانت العلاقة ملتبسة بين الصحافة والإبداع، ذلك أن الشعراء والأدباء كانوا دائماً يعانون من التمزق الداخلي بين انحيازهم وانصرافهم إليه بشكل تام, وبين ضرورات الحياة التي تجعلهم مضطرين لمزاولة مهن أخرى يحصلون بواسطتها على لقمة العيش، ويتجنبون من خلالها مزالقَ التبعيةِ، والتسول، وإذلال النفس.

ثمة زمن مرّ، كان فيه الكثير من المبدعين، الذين "نزعهم" الغرور، و ذلك بمجيئهم على ساحةٍ فارغة إلا منهم، و من ثم كانوا أوائل من كتبوا في المنابر الصحفية، يوم لم يتوفر من يكتب على صفحاتها سواهم، فاعتلوا أكثر ما يكون الاعتلاء على أجنحتها، ونظراً لخفتهم، و لثقلها، لم يلبثوا إلا أن نظروا إليها جاحدين..!

عرفّوها-الصحافة- على أنها الكتابة غير الخالدة تارةً، أو أنها أدب اللحظةِ طوراً، وحيناً صنفوها على أنها استنفذتهم، و لم تترك لهم سوى النذر اليسير من الوقت ليقدموا "إبداعهم الثّر" في الروايةِ والشعرِ والقصة، مع أنها هي من روّجت لهم – وغالباً بدون وجه حق- وأطعمتهم خبزَهم، وحتى لا نعمم، فثمة قلة من هؤلاء، ورغم كل ما كتبوا في أجناسٍ أدبية، يصرون على توصيف أنفسهم بأنهم "صحفيون" قبل كل شيء، أو هم كتّاب من بوابة الصحافة، وليس العكس، فهذا رياض نجيب الريس، رغم كل ما كتب في الشعر والنقد، وبتاريخه الحافل في النشر،  وإصدار الكتب الأدبية وغير الأدبية، لم يجد ما يوصف فيه نفسه أكثر من قوله: "لا أستطيع أن أعرف نفسي إلا بكلمةٍ واحدة، هي أنني صحافي، صحافي أولاً، وصحافي أخيراً." نزعهم الغرور الذي جاءهم من أيام ما قبل الإسلام، يوم كان الشاعر – ذلك أنه لم يكن ثمة جنس أدبي آخر على ساحة القبيلة غير الشعر- كانَ الشاعرُ حينها، هو وزير إعلام القبيلة، أو هو وكالة أنباءِها، يُمجد من يُمجد، و يهجو من يهجو، أو يرثي من يموت من أحبائه، أو من رجال القبيلة، أو ينوح ويولول عند أطلالِ حبيبةٍ هجرته.

وإذا استعرضنا غالبية الأسماء الأدبية منذ بداية القرن الماضي، لوجدناها موزعة جميعها بين مهنتي الصحافة والأدب، بدايةً من الشيخين ناصيف وإبراهيم اليازجي، وأحمد فارس الشدياق، ويعقوب صروف، وجبران خليل جبران، والياس أبو شبكة، والأخطل الصغير، وطه حسين، والعقاد حتى بدر شاكر السياب، وبلند الحيدري، وصلاح عبد الصبور، وصولاً إلى أدونيس، وإحسان عباس، وادوارد سعيد، ومحمود درويش، وكثر غيرهم.

من قال إن التحقيق الصحفي ليس قصة، أو رواية يحتاج إلى كتابةٍ من نوعٍ مختلف حتى يصلَ القارئ، والعكس أيضاً، من قال إن الرواية على وجه الخصوص ليست تحقيقاً صحفياً.؟! وهكذا القصيدة والقصة القصيرة هي مقال، وتكاد اليوم تصبح الأجناس الأدبية أحدى الأنواع الصحفية، أو تنضاف إليها، تماماً كالعمود الصحفي، والخبر، والربورتاج، وغيرها من الأنواع الصحفية.

لابد من التجاور الطيّب

وهذا ما كان حاصلاً في بداية نشوء الصحافة في العالم العربي، التي غالباً، ما قامت، و.نهضت بسواعد الأدباء، حيث لم يكن الصحفي المهني المتعارف عليه اليوم قد توفر في البلاد العربية، ومن ثم كان هذا التجاور الجميل بين الأنواع الصحفية والأدبية على ذات المنبر الصحفي، وأظن إن العودة إلى مثل هذا "التجاور" قد يمدُّ في عمر الصحافة بعض الوقت، تحديداً الورقية منها، والمطبوعة. لاسيما مع تهديدها اليوم بعشرات وسائل الاتصال والإعلام السريعة.. فالصحفيون الحقيقيون، هم من حطّم الحواجزَ بين الأنواع الصحفية والأنواع الأدبية، والكتاب الحقيقيون هم من حطّم الحواجزَ اليوم بين كل أنواع الكتابة للوصول إلى الكتابة عبر النوعية، ومن ثم الوصول إلى النص وحسب .

لكن.. هل كان يتم لهؤلاء مثل هذا الاجتياز للحواجز، حتى نفكر فقط بإمكانية التحطيم؟! أعتقد أنّ هنا تقعُ الإشكالية الكبيرة في كلٍّ من الثقافة والإعلام في سوريا، تتمثل في وجوهٍ كثيرة، فالإعلام والثقافة هما المساحة المهمشة الحزينة المعتكفة المهزومة في الزوايا، ولذلك كان "الصوت الذي لم يودِّ" الصوت الخافت الذي بقي غير مسموع ... مع ذلك يمكن أن نتحدث عن شريحة أخرى، وهي الكتاب الصحفيين، الذين على عاتقهم تبقى مهمة التخويض في الوحل لأجل الوصول إلى الضوء في آخر النفق ..!!


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…