19 أيار 2019

السلطة الرابعة تعيش الزمن الصعب: القانون عصري ولكن... الإعلام "حيطو واطي"!

"كنا نمسك بأقلامنا إيمانا منا أننا صوت من لا صوت له، أملٌ كنا نمني أنفسنا به كي نستمر على قيد العمل، لكننا اليوم لسنا بخير. يؤلمنا قلمنا ويؤلمنا الواقع الذي وصلنا إليه، حيث بتنا الحلقة الأضعف بعد أن ضاقت مساحتنا"، هذا لسان حال الصحفيين السوريين هذه الأيام.

عدد كبير من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام باتوا يتعرضون لمضايقات عديدة تبدأ بالأجور ولا تنتهي عند حجب المعلومة. فيما تحول الكثيرون للكتابة عن مواضيع سطحية لضمان استمرار عملهم والحصول على لقمة العيش بعد أن تم محاربة من أمسك بقلمه ونزل إلى الشارع وكان الصوت الحقيقي لمن لا صوت لهم.

السلطة الرابعة تفقد هيبتها

تقول رئيسة تحرير موقع "سينسيريا" الاقتصادي رحاب الإبراهيم لـ "الأيام": يعيش الإعلام السوري حالياً أسوأ فتراته على الإطلاق في ظل تدني المساحة المسموح الانتقاد فيها، واحتمالية تعرض أي صحفي بأي لحظة للتضييق عليه من قبل أي مسؤول في حال انتقاده من دون وجود مؤسسة أو جهة معنية تحميه، حتى المؤسسة التي يعمل بها.

وتضيف الإبراهيم: الأسوأ هو إعطاء المسؤولين السلطة لمحاسبة الصحفيين رغم التأكد من نشرهم معلومات صحيحة وعملهم في الإطار المهني والقانوني، لكن قوة السلطة تحميهم ليصبح الصحفي العنصر الأضعف، على نحوٍ أسهم تدريجياً في فقدان قوة السلطة الرابعة هيبتها بسبب تلك الممارسات من دون نكران أن بعض الدخلاء على المهنة ساهموا مع بعض (المسؤولين اسماً) في تحقيق هذا الأمر الذي تسبب فيما وصلنا إليه اليوم.

"حيط واطي"

تعرضت رحاب الإبراهيم في وقت سابق من العام الماضي لتهجم من أحد المسؤولين أثناء محاولتها الحصول على تصريح منه. عن هذا التهجم تقول الإبراهيم: بحكم عملي في الصحافة الاقتصادية أتعرض وزملائي دوماً لمثل هذا التضييق غير المحدود، وقد حصل ذلك مرات عديدة عبر اعتراض مسؤول من هنا أو هناك على المقالات المنشورة، لكن الحادثة الأبرز كانت تعرّضي للشتم مباشرة من قبل مسؤول في الجمارك على نحو كسر كل الأعراف، وليدق بذلك مسمار جديد في نعش الإعلام، على اعتبار أن ذلك يدل على أن "حيط الصحافة في سورية صار واطي لهذه الدرجة". تضيف الإبراهيم بأن هذه الحادثة كان لتضامن الصحفيين الذين أتخموا من الممارسات الفجة من قبل المسؤولين وكثر التضييق والعراقيل في سبيل حصولهم على المعلومات دورا كبيراً في الوقوف معي وإيصال ما حصل معي إلى مستوى لم يكن يخطر على بالي أبداً، وفعلاً وقتها شعرت بقيمة وأهمية تضامن الإعلاميين مع بعضهم، ومقدرتهم على فعل الكثير في حال أرادوا رفع صوتهم عالياً وعدم رضوخهم لتوجيهات المسؤولين، ورغبتهم المستمرة بالتطبيل والتزمير لإنجازاتهم الوهمية وممارسة دورهم الفعلي في الكشف عن مكامن الخطأ والفساد، وهذا عمل الإعلام الحقيقي والفعلي.

تتابع الإبراهيم: في حال تمكن الإعلاميين من إنشاء منبر خاص بهم في حال تعرضهم لمثل هذه المضايقات وخاصة الإعلاميين الحقيقيين بعيداً عن الدخلاء، مستعينين بطبيعة الحال بشبكات التواصل الاجتماعي، كونها الأقدر حالياً على إيصال الصوت إلى مساحة أكبر في ظل تقييد وسائل الإعلام التقليدية بسياسات معينة لا تستطيع الخروج منها، يمكن عبر هذا المنبر كسر الطوق الحالي على حرية الصحافة، ومنع المسؤولين من فرض سيطرتهم تحت مسمى القدح والذم.

وعن دور اتحاد الصحفيين السوري تقول الإبراهيم إنه محدود ويكاد لا يلمس أبداً رغم أنه يمتلك سلطة وقوة تؤهله التدخل في معالجة قضايا الصحفيين والمشاكل التي يتعرضون لها تبعاً، لكنه يفضل البقاء على الحياد لاعتبارات شخصية ومنفعية علماً أنه يستفيد من الصحفيين أكثر من استفادة الصحفيين منه، لذا لا يعوّل على دوره كثيراً إلا في حال حصول معجزة تغير هيكلته المترهلة. وفيما يخص قانون الإعلام أعتقد أنه قانون جديد ويحمي الصحفيين لكن مطلوب تفعيله وتنفيذ القانون وليس الاستكانة لسلطة الكراسي والنفوذ في ظل عجز الجهات المسؤولة عن القطاع الإعلامي.

متضامن

يرى الصحفي بلال سليطين أننا كصحفيين يتم انتهاك حقوقنا على شكل واسع ابتداءً من مؤسساتنا التي تقوم بتشغيلنا من دون عقود عمل تضمن حقوقنا من ناحية الأجور أو ساعات العمل أو الحماية، وضِف على ذلك وزارتنا غير المتعاونة بشكل جيد فيما يخص منح التراخيص للمؤسسات الإعلامية والعقود والمواضيع الإدارية، فاليوم مثلا يتم التحضير لإصدار قانون إعلام جديد ولم يعرض علينا ولا نعلم بتفاصيل هذا القانون، بسبب دورنا الغائب فأصبحنا الحلقة الأضعف.

يتابع سليطين قائلا: في الحقيقة مهنة الصحافة في سورية تمر بظروف سيئة جدا من ناحية العمل على المحتوى الإعلامي والبرامج الإعلامية. كما أنه لا يوجد بناء قدرات حقيقي على الصعيد الشخصي أو المؤسساتي. مضيفا "لذلك علينا أن نخلق كتلة حقيقية، لكن هذه الكتلة غير موجودة، ففي العادة تقوم النقابات بخلق مثل هذه الكتل. لكننا اليوم نقف أمام اتحاد يسعى لتحقيق وجود ما، لكنه لا يزال غير قادر على خلق هذه الكتلة.

من ناحية ثانية، يرى سليطين أنه علينا نحن الصحفيين السعي خلف حقوقنا واحتياجاتنا وأن نرفع صوتنا وأن لا نصمت، ويضيف أن الصمت هنا يكون عند عدم حصولنا على معلومات هي من حقنا كصحفيين، أو إغلاق مؤسسة إعلامية لأسباب غير منطقية، أو عدم منحنا ترخيص أو توقيف صحفي لأي سبب كان.

وعن التضامن فيما بين الصحفيين يقول سليطين: نحن بأمسّ الحاجة للتضامن مع بعضنا البعض من أجل الصحافة ومن أجل القراء أيضاً، واقع المهنة سيء جداً ومساحات العمل ضيقة، وترتيب البلاد مخجل عالميا بالنسبة لحرية الصحافة، وإذا لم ينهض الصحفيون بمهنتهم لن ينهض بها أحد، فالجهات الوصائية لا تدرك أهمية الصحافة وتخطئ عندما تكسر عظمها الطري سواء بقصد أو من دون قصد، أعتقد أنه بإمكاننا فعل الكثير لناحية تفعيل دور النقابة وتصحيح مسار عمل الوزارة أيضا بصفتها جهة تنظيمية.

قانون جيد... ولكن

 المحامية والصحفية رهادة عبدوش تجد أن قانون الإعلام السوري قانون متميز من حيث اعتماده على مواثيق الشرف الدولية واحترامه لحرية التعبير.

وتضيف: القانون يحترم الاتفاقيات الدولية لكنه يضع قيوداً على حرية التعبير فيما يتعلق بالنظام العام والآداب العامة وأمن الدولة والقوانين الناظمة.

تتابع عبدوش "كيف يمكن ممارسة حرية التعبير ضمن هذه القيود المطاطة؟ فالإعلام يجب ألا يؤطّر ضمن قوانين، بل يجب أن يعتمد فقط على مواثيق الشرف التي تضعها المؤسسات الإعلامية الداخلية والعالمية، فالآداب العامة والنظام العام هي مصطلحات فضفاضة تعيق حرية التعبير.

 وتتابع بالمختصر يجب ألا يتقيّد الإعلامي /ة بقانون بل فقط بالميثاق الذي يعتمد على الاتفاقيات الدولية التي تحمي حرية وحقوق الإنسان من دون تمييز وتحمي الإعلامي/ ة ومصادر معلوماته، ما يهم فقط صحة المعلومات ومدى أهميتها في الوصول إلى الحقيقة دون غايات شخصية، والكتابة المتوازنة التي تعتمد على الوصول إلى جميع الأطراف على الأقل محاولة الوصول إليهم وضمان حق الرد لهم.

القانون ضمانتنا...

 الإعلامي طالب قاضي أمين، مدير مركز التدريب الإذاعي والتلفزيوني التابع لجامعة الدول العربية يرى أن التضامن مع الصحافيين وحمايتهم هو واجب اتحاد الصحفيين، و هناك جهد يبذل في وزارة الإعلام بالعمل على قانون إعلام جديد من أبرز بنوده حماية الصحفيين وعدم حبس الصحفي.

 ويضيف قاضي أمين أن قانون الإعلام الحالي يحمي الإعلامي ويحفظ حقوقه، وهو يستند إلى دستور البلاد الذي ينص في مواده بشكل صريح على حرية التعبير.

ويقول قاضي أمين "نحن نملك في سورية قانون إعلام يعد من أفضل القوانين في المنطقة، إذاً المشكلة ليست في القانون وهنا علينا التساؤل هل نطبق القانون بشكله الصحيح ؟؟ لذلك لا أجد أن المشكلة تكمن في القانون بل هي في التنفيذ لهذا القانون من عدمه.

 ويجيب قاضي أمين عن تساؤلنا حول حاجة الإعلام السوري لعودة المجلس الوطني للإعلام بالقول: المجلس كان أداة تنفيذية للقانون ولم يكن بديلاً نقابياً عن اتحاد الصحفيين أو وزارة الإعلام، ولا أعتقد أننا بحاجة اليوم لعودة المجلس، لكننا بحاجة لتنظيم دور الاتحاد وتفعيل قانون الإعلام بمواده كافة، فهو المظلة التي تحمي الإعلاميين العاملين في سورية، فالقانون كان دائما يحمل شعار حرية ومسؤولية، حرية لعمل الصحفي ومسؤوليته أمام القانون والمجتمع في موضوع الخصوصية مثلاً.

 وعن الفرق بين قانون الإعلام وقانون الجرائم الإلكترونية، يقول قاضي أمين: يوجد إشكالية في بعض مواد قانون الجرائم الإلكترونية الذي أقر مؤخراً وبين قانون الإعلام، فعدد من الزملاء لا يزال يخلط بين نشره على صفحات التواصل الاجتماعي ووسيلته الإعلامية. وعندما ينشر الصحفي على صفحته الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي فإنه سيخضع لقانون الجرائم الإلكترونية كونه ينشر على مواقع عامة يمكن لأي شخص النشر عليها وتفتقر للمعايير المهنية، بينما هو محمي بموجب قانون الإعلام عندما ينشر على وسيلة إعلامية احترافية، لكن هذا لا يعفي اتحاد الصحفيين من دوره في الوقوف إلى جانب الزملاء الصحفيين في حال تعرضهم للتوقيف أو المساءلة من قبل فرع الجرائم الإلكترونية.

 وقال طالب قاضي أمين: أرى أنه يجب إقامة ندوات تعريفية أكثر في أوساط الصحفيين تشرح لهم حقوقهم وفق قانون الإعلام، والفرق بين هذا القانون وقانون الجرائم الإلكترونية للتنبيه لهذا الموضوع، وختم قائلاً: حتى لو تم توقيف الصحفي لأي سبب كان، لا يجب معاملته مثل معاملة أي مجرم عادي.

 

مؤشرات لا تبشر بالخير:

أعلن الصحفي رئيف السلامة قبل أيام على صفحته الشخصية عن اعتزاله مهنة الإعلام بعد أن عمل لسنوات مراسلا لقناة "العالم-سوريا" والقيادة القطرية لحزب البعث على أثر توقيفه مدة شهر كامل من دون تهمة، فيما فضّل عدد من الصحفيين الانسحاب من هذا الوسط بهدوء ولم نعد نقرأ لهم أي مواد صحفية، وهذا مؤشر يجب التنبه إليه.

ندرك في وسطنا الحالي أن رئيف لن يكون الأخير، ولكن نأمل أن تحصل معجزة ما، فيعود للإعلام السوري لأداء دوره من دون تضييق أو استهداف.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…