19 أيار 2019

ما هي الإضافة التي قدمها الإعلام الخاص للمشهد الإعلامي؟

اكتشفت الجهات الحكومية في إحدى المرّات، أن الإعلام السوري لا يرقى إلى مستوى هموم المواطن، فاستدعى عندها مجلس الشعب، مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لاستجوابه، وكان يومها "فؤاد بلاط" هو المتهم الأول بتردّي الواقع الإعلامي في سورية.

حضر "بلاط" تحت قبّة مجلس الشعب، واستمرّ الأعضاء بمهاجمته لمدة ساعات، تحدّثوا عندها بأن الإعلام السوري لا يمثّل الشعب، وأشاروا إلى أزمة فقدان الثقة بين المواطن والإعلام، وبعد أن تحدّث معظمهم، جاء دور المتهم فردّ عليهم قائلا وباختصار "عندما تكونون كمجلس العموم البريطاني... ستصبح إذاعاتنا كالـ BBC".

هي إجابة تختصر الواقع الإعلامي السوري بشكل عام، وتضع الإعلام في مكانه الطبيعي، كإحدى بنى المجتمع التي تتأثر بمحيطها، فلا يمكن فصل الإعلام عن وضع المرأة في المجتمع، وعن وضع الرياضة في الاتحاد الرياضي، وعن حالة التعليم في الجامعات والمدارس.

وعلى الرغم من أن الإعلام يعدّ من المهن الملحقة، فإن كان حكوميّ فهو ملحق بوزارات الدولة، وإن كان خاصّا فهو ملحق بمالكه، وإن كان اعتماده على الإعلانات، فهو ملحق بها أيضا، إلا أنه يمتلك مزيّة خاصة، تتلخص في قدرته على رفع قطاعات المجتمع قليلا، والنهوض بها، من خلال الحديث عن مشاكلها وهمومها ونقدها وتسليط الضوء والإشارة إلى مواضع الخلل والفساد، الأمر الذي مُنع منه الإعلام السوري حتى اليوم.

 

قبل الحرب

تمتّع الإعلام السوري قبل الحرب بنوع من الحريّة، وتحديدا الخاص منه، ويمكن المرور على عدد من التجارب التي كانت موجودة، وقد انتهت وزالت مع بداية الحرب، كان منها صحيفة "بلدنا"، ومجلة "أبيض وأسود"، وصحيفة "الخبر" التي عادت مجددا، وكذلك "الاقتصادية" التي عاودت الصدور منذ فترة أيضا.

وعلى الرغم من أن الإعلام في فترة ما قبل الحرب كان أكثر تأثيرا من إعلام المرحلة الراهنة، إلا أنّه لم يبلغ من النضج ما يدفعه إلى سحب باقي قطاعات المجتمع معه إلى الأعلى.

مع بداية الحرب توقفت العديد من صحف ومجلات القطاع الخاص، وكان السبب المادي أساسا في هذا التوقف، نتيجة لتراجع الإعلانات.

فعلى سبيل المثال مجلة "أبيض وأسود" التي توقفت منذ الـ 2011، كانت تستمر بجزء كبير منها بفضل الإعلانات والاشتركات ودار النشر الذي كان يرفدها، ولكن نتيجةً للحرب، لم تعد تنتشر الكتب في الأسواق، والمعامل المُعلِنة لم تعد تنشر، بالإضافة إلى أن الاشتراكات والتي هي عبارة عن نفقات الدولة والنفقات الشخصية للناس، قد توقفت أيضا، ولذلك كان التوقف هو الخيار الوحيد أمام "أبيض وأسود" أول الحرب عام 2011.

لاشيء يُذكر

لا يسمح منسوب السقف الموضوع للصحفي بالكثير من الإبداع، سواء في القطاع العام أم في القطاع الخاص، خاصة وأن حجم الشرطي يكبر في رأس الإعلامي مع تطوّر مسيرته المهنية، وهو ما يعني أنه سيقدّم إضافة ليست بالعميقة للإعلام السوري بشكل عام.

أيمن الدقر، رئيس تحرير مجلة "أبيض وأسود" التي غادرت الساحة الصحفيّة مع بداية الحرب، وآثرت ترك طيب الذكر، رأى أن "الإعلام الخاص فشل في إضافة أي شيء يذكر للإعلام الحكومي السوري".

وأضاف: "على الرغم من أنّ الإعلام الخاص كان يملك مساحة حرية أكبر، وهامشا أكثر اتساعا، لأنه كان يعمل وحيدا، ويبتعد عن النقل عن بقية الصحف، كما يحدث اليوم، إلا أنه لم يتمكن من إضافة الكثير".

أما رئيس تحرير تلفزيون الخبر عبدالله عبد الوهاب، فيرى أن الأمر عبارة عن "حالة تكامل وليس إضافة أو نقصان، فالمشهد الإعلامي المتكامل بحالته المثالية يتشكل من إعلام حكومي له أدواته وأيديولوجياته ورؤاه وكذلك الخاص، ولكننا نتحدث اليوم عن تجارب لم تنضج بعد لتشغل حيزا من المشهد الكامل، الإعلام الحكومي بدوره لم يشكّل إضافة لعمل الإعلام السوري كحالة عامة وإن كان قدّم بعض الحالات اللافتة في عدد من المفاصل لا أكثر".

رئيس تحرير ومدير موقع "سيريانديز" ومجلة "بورصات وأسواق" أيمن القحف يرى في حديثه لـ "الأيام" أن "الإعلام الخاص تحرر، وإلى حد ما استطاع أن يواكب الحدث بسرعة ومرونة أكبر، خاصة وأن الإعلام الحكومي حافظ على الإيقاع البطيء".

الأستاذ في الاقتصاد غسان إبراهيم لفت إلى أن "الإعلام الخاص لم يستطع أن يضيف الكثير، لأن الفرق بينه وبين الإعلام الحكومي هو فرق بالدرجة وليس بالنوع".

الخشبية

على الرغم من سعي بعض القائمين على إدارة الإعلام الحكومي، إلى الخروج من التهمة الموجهة له بـ"الخشبية" التي كان يعاني منها ولا يزال، إلا أن الأمر لم يتجاوز السباحة في مزيد من الفشل، لأن العقلية بقيت ذاتها، وهنا طرحنا سؤالا مفاده، هل تمكّن الإعلام الخاص من إخراج الإعلام الحكومي، من اللغة الخشبية؟

رئيس تحرير تلفزيون الخبر، عبدالله عبد الوهاب رأى أن "ما يعانيه الإعلام الحكومي ليس اللغة الخشبية، بل الحالة الوصائية على المتلقي، وهي ما تعيق وصوله إلى عقل المشاهد".

وأضاف "التلقين والتعالي كفكر، وليس كلغة ولهجة، إن صح القول هو ما يجب أن يوضع على طاولة البحث، لتحليل مشكلات الإعلام الحكومي، نحن نتحدث عن العقلية وليس الأدوات، والمشكلة هنا أعمق".

من جهته، يرى مدير إذاعة "نينار" باسل محمد إلى أن "إحدى المشاكل التي يواجهها الإعلام الخاص هي الروتين، والكتب الكثيرة المطلوب توجيهها عند الرغبة بالحديث عن أي موضوع، حتى ولو كان لهذا الموضوع أثر إيجابي".

رفع سقف الإعلام والثقة...

يلفت عبد الوهاب إلى أن "الإعلام الحكومي هو من تمكّن إلى حد ما من رفع السقف في الإعلام السوري، فيما يعمل الإعلام الخاص تحت ضغوطات كثيرة تبدأ بالقانون أو غيابه، ولا تنتهي بالأزمات المالية، عوائق كثيرة تقف في وجه رفع الإعلام الخاص للسقف خاصة في مرحلة كالمرحلة التي نمر بها".

ويلفت أيمن الدقر إلى أن لـ "قانون الإعلام" السبب مباشر في هذا الأمر.

ويشير إلى أنه كان عضوا في لجنتين لتطوير قانون الإعلام، الأولى كانت في فترة ما قبل الحرب، وكان يسمّى قانون الإعلام يومها بـ (قانون المطبوعات) والثانية كانت أثناء الحرب عام 2011، عندها تشكلت لجنة ثانية، وسمّي القانون، بالقانون السوري، فاجتمعت اللجنة، وتم وضع قانون، لكنه لم يصدر كما وضع".

 

المموّل والمالك

إذا أردنا أن نلخص مجمل مشاكل القطاع الإعلامي الحكومي، بالحكومة نفسها وتوجهاتها، يمكننا في كثير من الأحيان أن نلخّص مشاكل القطاع الخاص، بغايات مالكه، التي تدفعه إلى إنشاء، منصات إعلامية، هدفها الأول والأخير هو الانتصار لشخصه، والانتقام من أعداء هذا الشخص.

ويشير رئيس تحرير تلفزيون الخبر إلى أنه "ليس من المطلوب أن يحيّد الإعلام الخاص نفسه عن توجهات مالكه، المالك هو صاحب مشروع بالضرورة، وهنا الحديث عن مشروع وفكر وغاية سواء كانت رسالة أو ربحا ماديا أو سياسيا أو مهما تكن هذه الغاية".

وأوضح أن "الإعلام الخاص بالغالب لم يتمكن من الخروج من عباءة التوجه الحكومي، وليس توجهات المالك، ويقدّم أداءً مستنسخا بالفكر والأسلوب والجمهور الهدف، والسياسات الإعلامية والتحريرية، وهنا يبدأ تحليل أزمة الإعلام الخاص".

بينما أشار الدقر إلى تجربته في مجلة "أبيض وأسود" قائلا "عندما كنا نصدر مجلة (أبيض وأسود)، لم يكن هناك من توجهات للمالك، إلا البحث عن نقاط الفساد، ولم يملك المالك أية طموحات خاصة، لأن المجلة أصلا كانت غير ربحية" .

وأِضاف "كان لدينا إعلانات واشتراكات، تغطي النفقات، بالإضافة إلى دار نشر".

وذكّر بأن "المجلة كانت تعامل بطريقة خاطئة، من حيث الضرائب، فمثلا عندما يأتي إعلان إلى المجلة كنا نغطي به النفقات فقط، فتقوم المؤسسة العربية للإعلان بأخذ نسبة من الإعلان تقارب الـ 15% من قيمته، وتعامل "المطبوعة" مثل مجلة "الوسيلة" على الرغم من أن "الوسيلة" كان عملها الأساسي هو الإعلان، فكنا ننشر وندفع مبالغ، وهذا كان أحد العوائق بعملية استمرار المجلة".

أما القحف فقد رأى أنه "إذا كان للصحفي وجهة نظر، تختلف عن توجهات صاحب الوسيلة، عليه أن يبحث عن عمل آخر" هي العبارة ذاتها التي تدرّس في كلية الإعلام في السنة الأولى.

إعلام رجال الأعمال

لجأ عدد من رجال الإعمال إلى مختلف وسائل الإعلام لتحقيق العديد من الأهداف بما فيها شنّ حروبهم وتصفية حساباتهم، لا بل ذهب بعضهم من أثرياء الحرب إلى أبعد من ذلك، في امتلاك وسائل إعلامية ومواقع إلكترونية، لتجميل صورتهم.

ورأى خبراء وعدد من رؤساء تحرير رفضوا ذكر اسمهم أن هذا النوع من الإعلام سيندثر ويذهب، بشكل مماثل تماما للطريقة التي جمع بها هؤلاء أموالهم، وبنفس الطريقة التي ستذهب بها أموالهم أيضا، لأنهم فقاعات وحالة طارئة، لا يملكون مشاريع تنموية تليق بالمرحلة القادمة أصلا.

ورأى الدقر أن الأمر الذي يدفع رجال الأعمال إلى امتلاك وسائل إعلامية يتوقف على رجل الأعمال نفسه، وتحدّث عن تجربة "أبيض وأسود" لافتا إلى أن رجل الأعمال وصاحب الامتياز لم يكن يرنو إلى أي مصالح خاصة، بل كان جزءا من العملية الإصلاحية في البلاد.

أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق غسان إبراهيم رأى أن إطلالة رجل الأعمال عبر وسائل الإعلام تهدف عادة إلى "تسويق مشروعاته ونشاطه وعمله، من أجل الدعاية وتبييض الصفحة"،

وأما في الحالة المعاكسة عندما يمتلك رجل الأعمال منبرا إعلاميا كقناة أو صحيفة أو موقع إلكتروني فالأمر في الغالب يمثل له "مشروعا مربحا مثل أي مشروع آخر، تحديدا ما يتعلق بالإعلانات، وهذا مشروع اقتصادي، فرجل الأعمال يعرف الأنشطة التي فيها معدل الربح هائل، ومعروف اقتصاديا، كلما ازداد معدل الربح بشكل كبير، كلما كانت المخاطرة أعلى".

بينما رأي القحف أن هذه "الحالة لا تتعلق بسورية فقط"، وأضاف "في كل أنحاء الإعلام يسيطر على الإعلام إما الحكومات أو رجال الأعمال، والقصة تكون بالذكاء الذي يجب أن يتم العمل عليه".

 

الإعلام الإلكتروني

عندما خرج الإعلام السوري الخاص في بداية الحرب من الخدمة لعدد من الأسباب ذكرناها سابقا، حاول الإعلام الإلكتروني تعبئة الفراغ، ولكن من دون أي جدوى، خاصة وأن سقف الإعلام أصبح منخفضا عندها.

وقد كان لانتشار صفحات "فيسبوك" وإدارتها من قبل عدد من غير المختصين، سواء الصفحات الحكومية أو الخاصة، أثرا كبيرا في إضافة مزيد من التشوهات إلى القطاع الإعلامي.

وهنا تبرز مشكلة الكوادر أيضا، فمع بدايات الأزمة اضمحلّت وسائل الإعلام المؤثرة، الأمر الذي منع عددا كبيرا من الصحفيين، من ممارسة عملهم، استنادا إلى أرض صلبة، أو رئيس تحرير قوي، أو كلمة مؤثرة، بالإضافة إلى أن عددا من الصحفيين الكبار قد غادر خارج البلاد، ومن بقي آثر الصمت.

اليوم

لم يختلف التعامل الحكومي مع القطاع الإعلامي الخاص، عن التعامل مع القطاع الزراعي والصناعي والهندسي الخاص، ويلّخص الأمر بجملة مفادها "احتجناكم لفترة معينة، واليوم انتهينا، عودوا إلى أماكنكم" وهي خلاصة ما تحدّث به عدد من أصحاب الإذاعات رفضوا ذكر أسمائهم.

وهنا رأى الباحث الاقتصادي إبراهيم أنه لدينا ومن خلال "قانون التشاركية، مهما كان شكل التعامل مع القطاع الخاص، يجب أن يكون تحت جناح القطاع العام، فلا يوجد لدينا قطاع خاص يعزز العام".

ولذلك في الغالب لن يتطور الإعلام، وسيمتنع عن القيام بدوره في هندسة الرأي العام، وفي إقناع النخب المؤثرة في المجتمع باتجاهات معينة.

فقبل الأزمة كان الإعلام الخاص مدعوّا لتحمّل عبء الهموم مع الإعلام الحكومي، وكان الوضع الإعلامي أكثر ارتياحا، أما اليوم فقد عاد الإعلام الحكومي ليدعو إلى نوع من "الانضباط" السلبي.

ويرى القائمون على الإعلام أن هذا "الانضباط" ضروري في هذه المرحلة، خاصة وأن عددا كبيرا من المواطنين بدأوا يتذمرون من الوضع المعيشي، والذي هو أمر خارج عن الإرادة في كثير من الأزمات على حد تعبيرهم، فالمواطن بعد أن أمّن على روحه، بدأ ينظر إلى حاجاته المعيشية، ولذلك من واجب الإعلام أن يساعد ويقف إلى جانب وجهة النظر الحكومية.

وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي سادت في اللقاء الأخير الذي جرى بين رئيس الحكومة عماد خميس ومدراء ورؤساء تحرير المؤسسات الإعلامية الخاصة، إلا أن القرارات التي تلته كانت مغايرة لأجواء الاجتماع.

تحدث أحد مدراء القطاع الخاص قائلا "فوجئنا بعد الاجتماع بأننا نحتاج إلى موافقة من وزارة الإعلام، عن كل استفسار نقدمه لوزارة ما، فلم يعد الأمر محصورا بالوزارة نفسها، بل يجب أخذ رأي وزارة الإعلام أيضا"!!

 وأضاف "على الرغم من أننا نسعى إلى حل مشاكل صغيرة للمواطنين، ولا ندخل في المواضيع الجدلية، إلا أننا لا نتلقى أي إجابة".

لن يتقدّم الإعلام أو ينجح أو يُقنع، إن بقي الخوف هو المستشار الأول للصحفي عند الكتابة، فارفعوا أيديكم عن هذه الأقلام، علّنا نخرج من هذه الحفرة ، إلى ما هو أكثر إبداعا.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…