19 أيار 2019

ازدياد خطورة العمل الصحفي ترتفع في ظل بيئة معادية ومنفلتة من أية قوانين وضوابط

ما زالت سورية تُحافظ على المراتب الأخيرة في مؤشرات حرية الصحافة على المستوى العالمي، رغم كثرة الحديث داخلياً عن الصحافة وحريتها وأهميتها لنقل الواقع وتسليط الضوء عليه. وربّما يمكن أن تكون عبارة "الصحافة ليست جريمة" حقيقية في سورية لولا الجرائم التي ارتكبت بحق الصحافة والصحفيين فيها.

تُصنف سورية من أخطر الأماكن على الصحفيين والعمل الصحفي، حيث قُتل العشرات من الصحفيين منذ عام 2011، ولكن هذا لا يعني أنّ الصحافة في سورية قبل العام 2011 كانت بخير وتمارس الدور المنوط بها في ظل واقع سياسي وإعلامي وقانوني داعم لدورها.

قانون ولكن!

يَنظم العمل الإعلامي قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 والذي أتى نتيجة وضع استثنائي بفعل الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، ويُنظر لهذا القانون بأنّه حبر على ورق غير قادر على إحداث التغيير المطلوب في بيئة العمل الصحفي التي تعاني الكثير من الصعوبات والمعوقات، مؤسساتياً وتنظيمياً ومهنياً.

يقول الصحفي بلال سليطين لـ "الأيام"، إنّ "الإعلام السوري لم يشهد تقدماً بعد صدور القانون الخاص به عام 2011، والذي جاء ضمن منظومة قوانين تغييرية منها القانون 107 الخاص بالإدارة المحلية، علماً أنّه قانون جيد نسبياً، وإن كان يحتاج بعض التعديلات".

في حين يعتقد الصحفي فراس الهكار أنّ "مشكلة الإعلام السوري ليست بالقوانين"، بل تكمن المشكلة وفقاً للهكار "في عدم احترام البعض لتلك القوانين، وجهل آخرين بها، فالقانون الذي لا يُطبق فعلياً على أرض الواقع ويلمسه العامة يبقى وكأنه لم يَصدر".  مضيفاً أنّ الإعلام بحاجة إلى دعم حقيقي ليكون سلطة حقيقية تُمارس دورها التنموي في المجتمع، والرقابي على أجهزة الدولة.

نص القانون في مادته الثانية على أنّ "الإعلام بوسائله كافة مستقل يؤدي رسالته بحرية ولا يجوز تقييد حريته إلا وفقاً لأحكام الدستور والقانون".  وفي مادته الثالثة نص على أنّه "تستند ممارسة العمل الإعلامي إلى القواعد الأساسية الآتية: "حرية التعبير والحريات الأساسية المكفولة في دستور الجمهورية العربية السورية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صدقتها حكومة الجمهورية العربية السورية".

أما المادة السابعة فنصت على أنّ "حرية الإعلامي مَصونة في القانون ولا يجوز أن يكون الرأي الذي ينشره الإعلامي سبباً للمساس بهذه الحرية إلا في حدود القانون".

يقول الصحفي فراس الهكار لـ "الأيام"، إنّ "قانون الإعلام لا يُطبق، شأنه شأن الكثير من القوانين التي تصدر بمضامين لصالح المصلحة العامة، لكنها تُفرغ من تلك المضامين عند الجهات الأدنى لتصب في مصالحها الخاصة، كما أنّ التطبيق يحتاج إلى ظروف مثالية وهذا غير متوفر في سورية".

من جانبه يُعلق الصحفي فهد كنجو حيال قانون الإعلام قائلاً، "دخلنا بعد صدور قانون النشر على الشبكة وهو غير قانون الإعلام، بتشابكات سببت مشكلة لدى أغلب الصحفيين"، إذ يعتقد كنجو أنّ أغلب المواد الصحفية التي تنشر على الشبكة سواء كان مصدرها ورقيا أو مُتلفزا أو مسموعا، فإنّه ينطبق عليها قانون النشر على الشبكة، وبالتالي يتعرض الصحفي للتوقيف، على خلاف قانون الإعلام الذي يمنع التوقيف ويحاكم الصحفي طليقاً. مضيفاً أنّ المشكلة تكمن في الخلط بين قانون الإعلام وقانون النشر على الشبكة، والمزاجية في التعامل مع كل حالة صحفية.

ويتفق سليطين مع ما ذهب إليه كنجو حيال طغيان قانون النشر على الشبكة على قانون الإعلام، إذ يقول "أعتقد أنّ أسوأ ما يمر به الإعلام في سورية هو التعاطي مع الصحفيين وفق قانون جرائم المعلوماتية، الأمر الذي أدى إلى تدهور واقع العمل الإعلامي بشكل كبير".

 

الحكومة والإعلام وانعدام الثقة (إعلاميون لا أبواق)

لا تترك الحكومة فرصة أو مناسبة إلا وتؤكد فيها على أهمية الصحافة ودورها في التغيير ومكافحة الفساد، في محاولة منها لتحسين الثقة المعدومة بينها وبين الشعب.

أكثر من ذلك فإنّ الحكومة السورية تعتبر الإعلام الحكومي من أملاكها ومن واجبه بدوره الدفاع عنها وعن سياساتها وربّما تبييض صفحاتها، في حين يُعد الإعلام الرسمي في كل دول العالم ملك للدولة وليس للحكومة وليس مهمته أن ينساق وراء الحكومة ووزرائها في جولاتهم الاستعراضية.

ففي اجتماع الحكومة الأخير مع الإعلاميين بتاريخ 7/4/2019 أكد رئيسها على ضرورة التجاوب مع الإعلام موجهاً الوزراء للانفتاح على الإعلام الذي يفترض منه عدم التعامل باجتزاء مع بعض القضايا وفقاً لرئيس الحكومة.

يقول الصحفي فهد كنجو "لم نرتق بعد للعمل الصحفي الاحترافي لأسباب عدة، منها نقص المعلومات وضعف مهنية الصحفيين، وتراجع الثقة بالإعلام كسلطة رابعة رقابية تسهم في البناء، حيث أغلب المسؤولين يعتبرون أن الإعلام يلعب دورا هداما".

بينما يرى الصحفي بلال سليطين أنّ "الإعلام في سورية يحتاج إرادة من قبل الحكومة للاعتراف بدوره والنظر له كمساهم في عملية التنمية والتطوير، وليس كخصم أو عدو يجب تقليم أظفاره"، ويضيف أنّه "كلما كان الإعلام فاعلاً كلما كان أداء الحكومات أفضل"، معتبراً أنّ كل يوم نضيعه دون استثمار الإعلام في عملية الإصلاح والتغيير الإيجابي في المجتمع، نساهم في تعطيل عجلة التنمية وتحسين واقع البلاد إدارياً واقتصادياً ومعيشياً.

كل كلام الحكومة عن الإعلام كان أمام اختبار حقيقي مع الأزمات المعيشية والطاقوية التي شهدتها وتشهدها البلاد اليوم، والتي أكدت وعززت فكرة ضعف التواصل بين الصحافة ومصادر المعلومات الرسمية / الحكومية.

 

سياسة التضييق ومنع المعلومة

لا يوجد دولة في العالم تفتح الباب على مصراعيه لحرية الصحافة، بالمقابل لا يوجد سوى القليل من الدول التي تخنق الصحافة وتكبلها بقيود جمة. ناهيك عن صعوبات الحصول على المعلومة التي نص عليها القانون السوري والتي أكد وزير الإعلام عماد سارة حق الصحفي بالحصول على المعلومات من الجهات العامة.

يعتقد الصحفي فهد كنجو أنّه لا يوجد دولة تلتزم بالمبادئ والمعايير الدولية لحرية الصحافة بشكل تام، وفي سورية لا زالت مهنة الصحافة تعاني من التهميش والتضييق وخاصة في السنوات الأخيرة من الأزمة.

كما تجلى التضييق على الصحافة والصحفيين في تحميل مواقع إعلامية معينة مسؤولية حدوث الأزمات المعيشية والحياتية، بدل أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها تجاه تلك الأزمات الناتجة عن سياساتها المتخبطة وغير المبنية وفق إحصائيات ومعلومات دقيقة.

يقول الصحفي سليطين إنّ "التضييق يمارس على الإعلاميين بشكل كبير، وهم يتعرضون للتوقيف والسجن وعدم تسهيل العمل، والعام الماضي شهد حجزاً لحرية العديد من الزملاء في دمشق وحلب بشكل رئيسي، ناهيك عن المراجعات والاستدعاءات، والتضييق الذي تمارسه الإدارات الإعلامية المعنية".

في حين يرى الصحفي كنجو أنّ "التضييق على الإعلام بلغ أشده، خاصة الإعلام المهتم بالجانب الاقتصادي والخدمي"، مشيراً أنّ هناك من يعتبر النقد للأداء الحكومي عبارة عن تشويش، كما أنّ بعض الحوادث التي سببت توقيف صحفيين أدت لانكفاء الإعلام لمجرد نقل الأخبار السطحية والروتينية دون البحث والخوض في التفاصيل.

بينما يرى الصحفي فراس الهكار أنّ "ظروف العمل الصحفي وممارسيه ليست ظروفاً جيدة، وتتنوع فيها أشكال التضييق بدءاً من حجب المعلومات وليست انتهاءً بالترهيب المباشر وغير المباشر من جهات مُتنفذة ليس لها مصلحة في فتح ملفات كثيرة، خاصة المتعلق منها بالفساد".

 

صحافة منقوصة بلا شفافية

تُعاني الصحافة السورية من انعدام الشفافية في تعاملاتها مع الأحداث المتتالية التي شهدتها وتشهدها البلاد ومن بُعدَها عن هموم المواطن السوري. حيث أنّ الصحافة في سورية ليست بخير ولا تلعب دورها كسلطة رابعة وتحتل أسوأ المراتب في التصنيفات العالمية، وفقاً لسليطين.

كما أنّ بيئة العمل الصحفي السوري تعيش واقعا سياسيا غير منفتح منذ سنوات عديدة، ما دفعها لأن تكون صحافة باتجاه واحد.

ويراها الصحفي فراس الهكار، بيئة خطرة بكل المقاييس، خاصة في ظل ما تشهده سورية منذ سنوات، تحديداً في ظل كثرة الدخلاء على هذا المجال، وعدم التعاون مع الصحفيين وتزويدهم بالمعلومات، والنظر إليهم دائماً بشيء من الريبة.

كما أنّ هناك عوامل عديدة تحول دون لعب الصحافة لدورها، وفي مقدمتها انخفاض سقف الحريات، وضعف المؤسسات الإعلامية العامة إدارياً ومهنياً، والخاصة مالياً من جهة، ومن ناحية الاستقلالية عن السلطة لجهة ثانية، وكذلك غياب بناء القدرات بالمعنى الفردي والمؤسساتي، والأهم من ذلك ضعف التنظيم النقابي، وفقاً لما قاله سليطين.

فرصة ضائعة

رغم دخول سورية مرحلة التحول التكنولوجي وعصر الرقمنة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنّ الإعلام السوري ما زال تقليدياً في أدائه وأدواته. حيث أنّه فقد فرصة وفرتها له الأزمة السورية في تغيير آلية وعقلية التعاطي الإعلامي مع مختلف القضايا.

يرى الصحفي كنجو بأنّه مرت مرحلة ذهبية على الإعلام بعد 2011 لكن لم يصل الى المستوى المطلوب، مضيفاً "مع دخول عنصر الناشطين عبر الفيسبوك انخفضت المهنية فتراجعت الثقة بالإعلام الاحترافي والتقليدي ولم يتطور الناشطون ليصبحوا احترافيين". مضيفاً كان يمكن استثمار فترة الانتعاش بمزيد من الحرفية والمهنية، لكن مع الأسف كان الاستسهال عنوان المرحلة، لذلك خسر الإعلام فرصة إثبات حضوره وكان ذلك فرصة لتحييده مؤخراً وتراجع دوره.

كما لا يمكن إنكار حالة الواسطة والفساد في التعيين في بعض المؤسسات الإعلامية، والتي أدت لظهور أشخاص لا يمتلكون أدنى مقومات الكفاءة، وأنتجت إعلاما هزليا غير قادر على إنتاج رأي عام.

وبنتيجة الأزمة ظهرت حالة انفلات كان سببها دخول كثير من المتطفلين على مجال الإعلام، وأصبح بإمكان أي شخص لديه صفحة فيسبوك أن يطلق على نفسه لقب "صحفي"، أو "إعلامي"، وتطور الأمر لاحقاً بتحويل بعض الصفحات إلى مواقع؛ أغلب القائمين عليها ليس لديهم أدنى معرفة بأبجديات العمل الصحفي والإعلامي، وفقاً للهكار. الذي يُضيف أنّه من جانب أخر صارت الأزمة ذريعة للتضييق في بعض الأحيان وحجب المعلومات.

كما شكلت البيئة التي تحكم عمل الإعلام والإعلاميين، من الخطورة ما يمكن تسميته "الحقيقة ثمن للحياة" حيث دفع العديد من الصحفيين حياتهم على مسرح الأحداث السورية المنفلتة من أية قوانين أو ضوابط تحكم مسار العمل الإعلامي وتمنعه من الانزلاق نحو اللامهنية.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…