19 أيار 2019

أكتب لأن رئيس التحرير طلب مني أن أكتب

800 كلمة بالتمام والكمال عليّ أن أنجزها لملء الصفحة، حسناً سأفعل ذلك، عليّ أن أكتب عن الإعلام في سورية، فالصحيفة اليوم تصدر عدداً خاصاً عن الإعلام، أخبرني رئيس التحرير أنه لابد من مشاركتي في هذا الملف، وأنه يمكنني أن أكتب صفحتين إن أحببت، حسناً سأكتب صفحة واحدة، وهذا ما أحاول فعله الآن.

مناقشة واقع الإعلام في سورية أمر مغر جداً لأي صحفي أو كاتب أو حتى باحث، أبحاث طويلة يمكن إعدادها والعمل عليها لفهم الآلية التي يسير وفقها الإعلام السوري، بدءاً من المؤسسات الإعلامية وهيكليتها الوظيفية وصولاً للكاتب، ولماذا يكتب؟، ولمن يكتب؟ وما تأثير ما يكتبه؟ وحتى القارئ، فمن يقرأ ما يكتب؟ وهل يقرأ فعلاً!! 

محاولة فهم المنظومة الإعلامية في سورية (بشقيها العام والخاص)، وتحليلها، تشبه إلى حد ما محاولة تحليل مباراة في الدوري السوري، والحديث عن التكتيك الذي اتبعه الفريق، وأدوار اللاعبين، من يدافع، ومن يهاجم، على أرض ملعب نصفه بلا عشب والنصف الثاني موحل! حديث المحلل الرياضي بين شوطي المباراة لن يقدم ولن يؤخر، ولن يفسر ما يجري، وفي أوقات كثيرة لا يهمّ أساساً معظم المشجعين.

توجد في سورية كليتان للإعلام، الأولى في جامعة دمشق، والثانية افتراضية، تخرّج كلية جامعة دمشق نحو 100 طالب سنوياً (كانت تخرّج نصف هذا الرقم تقريباً قبل سنوات) في حين مازالت تجربة الجامعة الافتراضية غضة. يتخرج الطالب بعد سنوات من دراسة تاريخ الصحافة، الراديو ومن اخترعه، وأول بث للتلفزيون الملون، وقوالب التحرير الصحافي و"بيضة الأوزة"، ليجد حاله كحال معظم خريجي الجامعات بعيداً عن سوق العمل الحقيقي بأميال، سوق ينافسه فيه أشخاص لم يدرسوا الإعلام أصلاً (مثل كاتب هذه السطور المتخرج من كلية الاقتصاد)، بالإضافة إلى الناشطين الذين أفرزتهم الحرب، وخريجي معاهد التدريب التي انتشرت في سورية ويقف وراءها بعض الإعلاميين الذين لمع نجمهم خلال الحرب، والذين يمنحون شهادات بعد الدورات تفيد بأن حاملها "إعلامي". وحتى لا نقع في "مطب التعميم" فليس كل من تخرج من كلية الإعلام "إعلامي"، وليس شرطاً لأن يكون "الإعلامي" ناجحا أن يكون تخرج من هذه الكلية.

بعد رحلة مضنية بين المواقع الإلكترونية والمجلات يجد الصحفي عملاً، في صحيفة رسمية، أو خاصة، أو قد يسعفه أحد أقربائه بعمل في التلفزيون، ليبدأ الاستقرار، والبحث عن "لقمة العيش" بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث لا يتجاوز متوسط الأجور في معظم الأحيان 100 دولار شهرياً، أو بمعنى أكثر "بحبحة" 50 ألف ليرة سورية.

برواتب كهذه، يمكن التأكد من أن الصحفي لا يجلس في قصر عاجي، ويشعر فعلاً بالشعب وهمومه، بل هو جزء من هذا الشعب، ولكنه رغم ذلك لا يستطيع في معظم الأوقات الوصول بكلمته للشعب. أحد الأصدقاء، وكان مدير مكتب صحفي لدى إحدى المديريات في حلب، أرسل لي في إحدى المرات بياناً حول إنجاز للمديرية التي يعمل فيها، لم أفهم البيان، ولم أفهم المشروع الذي سينفذ أصلاً، ولم يفهمه هو، وفي اليوم التالي وجدته منشوراً في إحدى الصحف الرسمية كما هو، البيان حرفياً مضاف إليه اسم الصحفي، اتصلت بالصحافي وسألته عن هذا الخبر وهل فهم المشروع، أذكر أنه ضحك وأكد لي أنه لم يقرأ الخبر أصلاً، أرسل البيان كما هو وتمت طباعته في عدد الصحيفة، وأذكر أنه قال بالحرف الواحد (دخيلك مين رح يقرا الخبر أو يهتم فيه غير المدير اللي أساساً فرحان بالمشروع، هي الصيغة اللي بعتو فيها الخبر بخاف أي تعديل فيه أخربو). حال صديقي كحال كثير من الصحفيين، الذين تغيرت أحوالهم وحولتهم المكاتب إلى موظفين، يعتاشون على رواتبهم.

في شهر رمضان من العام 2012، ومع بداية الحرب التي اجتاحت حلب، وصل إلى المدينة عدد من الصحفيين والمراسلين الذين يعملون لصالح صحف ومجلات ومحطات عربية وأجنبية، أحد هؤلاء الصحفيين زار سورية وجلس في حلب نحو أسبوع، وعاد إلى بلده بقصة خبرية واحدة فقط، ترجمت تلك القصة الخبرية إلى اللغة العربية وانتشرت في معظم وسائل الإعلام، بينما كان صديقي الموظف يجلس في مكتبه يفكر في كيفية تأمين بعض المال لشراء ثياب جديدة وحذاء لابنه الصغير مع اقتراب العيد.

ليست الرواتب وحدها المشكلة، وإنما تقدير الصحفي نفسه، وتقديره لنفسه وعمله، وفهمه لهذه المهنة، واحترامه لنفسه ولها. أحد أصدقائي عمل لصالح وسيلة إعلامية مهمة، وبعد فترة علمت أنه تعب من العمل فيها، وعندما سألته عن السبب أخبرني أنً "ولاد اللذين بدن 3 مصادر ما بيعرفو بعض يأكدو المعلومة اللي ببعتها، وأحيانا بيتصلو بمصادري وبيتأكدو من المعلومات وأنو فعلاً الحديث اللي أنا كاتبو عن لسانون هو حديثن"، بالإضافة إلى طلبات التعديل المتكررة على القصة الخبرية وإعادة بنائها مرات عدّة، وتابع "صحيح بيدفعو منيح بس طالعولي روحي".

خلقت الحرب تدفقاً من المعلومات يسهل لأي شخص أغرته الصحافة الوصول إليها، فسقوط قذيفة في مكان ما وعدد المصابين والأضرار التي خلفتها هو خبر، يطلق على نفسه من ينشره "صحفي"، كيف ولا وهو بخبره يجيب على الأسئلة الخمسة التي قرأها مرة في منشور لأحد أصدقائه نقله عن صفحة معلومات عامة. ماهي وظيفة الصحافي أصلاً؟ كتابة الأخبار، وهو يكتب الأخبار أيضاً، ومن مصادر عدّة موثقة بالأرقام والأسماء. اليوم ومع انخفاض وتيرة الحرب، يبرز التحدي الأصعب لهذه المهنة، أحد أصدقائي، وهو صحافي ولكنه لم يدرس الإعلام، رأى خلال حوار دار بيننا أن "الحرب تركت وراءها حقل ألغام على الصحفي السير فيه"، قبل أن يخبرني أن عليه أن ينهي المكالمة لأن عليه أن يسرع ليلحق بدرس اللغة الألمانية.

بالعودة إلى موضوعنا الأساسي، وهو المنظومة الإعلامية في سورية، يمكن القول إن هذه المنظومة... "صاروا أكتر من 800 كلمة".


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…