على امتداد السنوات التسع من الحرب السورية كانت الحملات العسكرية على جبهات القتال تهدأ حينا و تستعر أحيانا، لكن حملات الانتقاد الموجهة ضد الإعلام الرسمي لم تهدأ للحظة، وإذا كان بعض تلك الحملات يحمل طابع التشفي فإن بعضها الآخر يتميز بطابع الغيرة (المُبالغ فيها أحيانا) على إعلام وطني يؤمل منه الارتقاء إلى مستوى المعركة العسكرية المُستعرة على الجبهات، والمعركة الاقتصادية التي يواجهها المواطن السوري بسبب الحصار الاقتصادي من جهة، وعدم كفاية جرعة الردع التي تختزنها القوانين النافذة  لمواجهة كل من يتلاعب بأرزاق العباد ومصائرهم من جهة أخرى، فهل انتقاد أداء الإعلام المحلي (الرسمي منه أو الخاص) هو أمر مبرر، أم أنه جزء من حرب إضعاف الثقة به كي يتمكن المعسكر الآخر من استقطاب شريحة من الشارع السوري، من قبل الإعلام الذي يغذيه ذلك المُعسكر كجزء من أدوات الحرب على سورية؟

لاشك في أن الحرب الإعلامية التي استهدفت عقول شريحة واسعة من السوريين في بداية الحرب، كانت من الشراسة بحيث كان من المستحيل على الإعلام المحلي مواجهتها بفعالية لسببين أساسيين: السبب الأول يكمن في أن وسائل الإعلام المنخرطة في هذه الحرب استغلت تواضع ثقة السوريين بالإعلام المحلي، لتغزو عقول شريحة منهم بطريقة تجعلهم ينخرطون في الحرب المستعرة ضد بلادهم، أما السبب الثاني فقد كان الهجمة الشرسة التي شنّها المعسكر الآخر على وسائل الإعلام السوريّة عندما لحظ أن هناك فرصة مُتاحة كي يسترد الإعلام المحلي زمام المبادرة ليقف ـ ولو جزئياـ في وجه طوفان الإعلام المعادي، هذا الأمر بدا واضحا في حزيران من عام 2012، حينما طلب مجلس وزراء الخارجية العرب من إدارتي "عربسات" و"نايلسات" وقف بث القنوات الفضائية السورية الرسمية وغير الرسمية، وفي أيلول من ذات العام استجابت إدارتا القمرين لهذا الطلب، وحجبتا "الفضائية " و"الإخبارية" و"قناة الدنيا"، هذا العمل ليس فقط مُدان، بل ويتعارض مع أربعة قرارات صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في الفترة الواقعة ما بين 1947 و 1954، أهمها  القرار رقم 318 / 1950 و الذي اعتبر أنَّ "جميع الإجراءات التي تهدف إلى التعمية الإعلامية وعرقلة كل شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي، كمنع الصحافة أو المذياع أو أي وسيلة إعلامية أخرى، إنما يُشكل ترويجا إعلاميا مضادا للسلام".

أما بالنسبة إلى انتقاد أداء الإعلام المحلي من قبل شريحة من السوريين فهذا أمر يذكرني بمصطلح رائج بين أفراد الطبقة السياسية الفرنسية، ألا و هو مصطلح : لامبيست: Lampiste، من الناحية اللغوية يعني المصطلح  "حامل القنديل" ، أما من الناحية المهنية فـ "حامل القنديل" هو أحد عمّال المناجم، والذي تقتصر مهمته على إنارة الأمكنة التي تجري فيها أعمال الحفر وتفجير الألغام، والتي يتولاها عمّال متمرسون، أما من الناحية السياسية فمصطلح  "حامل القنديل" فيستخدم للدلالة على الشخص الذي يتم تحميله وزر خطيئة لم يقترفها أو ـ على الأقل ـ لم يكن المساهم الأكبر في اقترافها، من منطلق أنه في عالم المناجم يكون من الظلم أن يتحمل "حملة القناديل" وِزر انهيار المنجم، وهم الذين لم يقوموا بضربة معول واحدة.

 باعتقادي، إن توصيف دور الإعلام على أنه "حامل قناديل" سيضفي الكثير من الموضوعية على كل قراءة يمكن أن تتناول دوره في الحدث، وسيخفف من "زرع المشاكل في ذقنه" إذ غالبا ما ينسى الذين يقومون بهذا الفعل أنَّ الإعلام ليس صانعاً للحدث، بل هو مجرد ناقل له دون أن نغفل ما لهذا النقل من دور في التفاعل مع الحدث، من هذه الرؤية يبدو صانع الحدث هو المُطالب أولاً بالشفافية مع الإعلام ليكون الإعلام شفافاً في نقله للحدث، فالسياسي الشفاف وحده الذي يستطيع أن يُخلص الإعلام السوري من عبارات خشبية مثل (التقى السيد فلان بالضيف فلان وتناول الحديث قضايا ذات اهتمام مُشترك) أو (اتفق الطرفان على تعزيز العلاقات في شتى المجالات) أو (وتمّ وضع الآليات المناسبة لحل القضايا العالقة). وبالتوازي، فإن مجلس الشعب الشفاف هو الذي يفتح أبوابه أمام الإعلام ليمكّن المواطن من مراقبة ومحاسبة من انتخبهم والتأكد من أنَّ ألسنتهم لم يأكلها القط أو استلبها رقيب بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية والجلوس تحت القبة، والوزير الشفاف هو الحريص على أن يرافقه الإعلام في جولاته التفقدية غير المبرمجة، ويتيح له الاطلاع على القرارات المتخذة بحق من ضبط مقصراً.

دور الإعلام كناقل للحدث يخوله أن يلعب دور الكاشف لطبيعة المؤسسات التي تصنع الخبر، فعندما يتمتع البرلمانيون السوريون بشجاعة وجرأة البرلمانيين الإنكليز في محاسبة ومساءلة رؤساء حكوماتهم السابقين عن أعمال ارتكبوها واعتبرت مسيئة للشعب البريطاني ـ على غرار لجنة التحقيق البرلمانية (لجنة تشيلكوت) التي شُكلت عام 2016 لمساءلة طوني بلير عن زجَّه بريطانيا بحرب العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل ـ سيصبح الإعلام السوري بمستوى الـ BBC البريطانية، وستكون صحفنا الرسمية بمستوى الغارديان وصحفيونا سيبزون باتريك سيل، وعندما يُسمح للإعلام المرئي والمسموع والمقروء أن يغطي محاكمة المتهمين بالفساد أو بإساءة استعمال السلطة ـ كما حدث في فرنسا في عام 2012 عندما تمت ملاحقة ومحاكمة رئيس البنك الدولي دومينيك ستروسكان ـ عندها سيكون لدينا محطات بمستوى فرانس 24  الفرنسية، وصحف بسوية اللوموند واللوفيغارو، وسيكون لدينا صحفيون من عيار جورج مالبرونو وكريستيان شونو، و عندما يكون لدينا وزراء مستعدون للاستقالة من مناصبهم بسبب سحب شهادات الدكتوراه منهم لعلة عدم احترامهم الأمانة العلمية ـ كما حصل لوزير الدفاع في حكومة ميركل عام 2011 ووزيرة التربية في عام 2013 )-  سيكون لدينا محطة أهم من الدويتش فيله الألمانية وصحيفة أهم من الديرشبيغل وصحفيون أكثر مهارة من يورجن تودينهوفر.

 

من هنا يبدو واضحا أن قلة أوكسجين الشفافية في مؤسسات الدولة هو الذي أصاب الإعلام السوري بالاختناق، وكاد تغوّل الإعلام العربي والدولي أن يقضي عليه في بداية الأزمة لولا دفقة محدودة من الشفافية ضُخَت في عروقه بالوقت المناسب، هذه الشفافية يجب أن تتحول إلى واقع معاش لا مجرد عَقار مُنشط يعطى بالأزمات، فسائس الخيل الذكي يعرف تماماً أنَّ إطعام الخيل قبل دقائق من غارة العدو أمر غير مجدٍ ، بل ربما كانت نتائجه أكثر فداحة مما لو واجهت الخيول المغيرين ببطون خاوية.

إذا كانت المعلومة الدقيقة والاختصاص العلمي هما العنصران اللذان يميزان المحلل السياسي عن المُنجم، فإن ما يميز الإعلام الجماهيري الواسع الانتشار عن الإعلام الرسمي هو الفسحة من حرية التعبير التي يتمتع بها الصحفيون ويتمكنوا من خلالها من مخاطبة وجع الناس، إضافة إلى الشفافية التي تعتمدها مؤسسات صنع القرار في تعاطيها مع الإعلام الجماهيري. هذان العنصران هما عِماد المصداقية لأي وسيلة إعلام تسعى لاستقطاب شعبي عريض، استقطاب تستطيع من خلاله أن تُشكل الرأي العام و تؤثر في توجيهه، هذان العنصران هما بمثابة الإلكترونيين الزائدين في ذرة الكربون اللذين يحولان الفحم إلى ألماس.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…