19 أيار 2019

الحرية شرط لوجود الإعلام: أي قانون إعلام يحتاجه السوريون؟

منذ نحو عشرين عاماً بدأ الحديث العلني عما يمكن تسميته بـ"أزمة الإعلام في سورية"! أي تلك المشكلة المستعصية التي تظهر بفقدان الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام السورية، والتي يعيدها كل طرف إلى أسباب مختلفة عن الطرف الآخر.

فالسلطة ووسائل الإعلام الرسمية تنكر وجود الأزمة، وتعتبر الإعلام السوري ناجحاً بامتياز، معتبرة ما يقال عن الإعلام جزء من عمل "الطابور الخامس"! ووسائل الإعلام الخاصة تعيد الأسباب إلى سياسة الأبواب المغلقة التي تتبعها السلطة بوجه العاملين في الإعلام، إلى جانب ضيق هامش الحرية في العمل الإعلامي! أما الناس فلا يهتمون بأسباب الواقع، ذلك أن العالم الحديث أتاح لهم تلبية حاجتهم "الإعلامية" عبر قنوات غير سورية نجحت في استقطاب عدد كبير منهم.

الأزمة موجودة طبعاً، فبالكاد يوجد من يشتري صحيفة سورية! والقراءات على المواقع الإلكترونية تثير الخجل! أما أوقات برامج الأبراج وبعض المسلسلات فهي الأوقات شبه الوحيدة التي يتابعها السوريون على وسائلهم الإعلامية!

والأزمة لم تكن "الأزمة" وليدة لهذين العقدين، بل هي مستمرة منذ قررت حكومة "الوحدة" بين مصر وسورية مصادرة كل أنواع الحياة المجتمعية المنظمة، أحزاباً وجمعيات ووسائل إعلام، المرحلة المعروفة بمرحلة عبد الحميد السراج، والتي استمرت حتى اليوم، مع بعض الانفراجات الجزئية في هذه الفترة أو تلك، انفراجات محدودة فرضتها أزمات كبرى على أصحاب القرار.

ويحتاج استعراض تطور هذه الأزمة الكثير من الصفحات، ودراسة بحثية مستقلة، رغم صعوبة هذا الأمر في ظل تغييب شبه تام للمعلومات، تغييب يشكل حتى اليوم إحدى أهم العقبات في تطور الإعلام السوري، بل كل جوانب "المعرفة" في سورية.

لذلك سنقتصر هنا على معالجة السؤال المطروح في العنوان: أي قانون إعلام نحتاج؟

"نحتاج"، وليس "نريد"! والفرق بينهما كبير؛ فـ"نريد" طموحة باتجاه إعلام يتمتع بالحرية المصانة في القوانين واللوائح التنفيذية والممارسة أيضاً، وهو أمر يبدو أنه مستحيل المنال الآن.

أما "نحتاج" فهي أكثر واقعية بكثير، وتضحّي بالكثير من أسس وجود الإعلام، لصالح بضع خطوات ليس إلا، أملاً في أن تكون هذه الخطوات أساساً لتغيير جذري شامل في المستقبل، يمنح الإعلام القانون الديمقراطي العصري الذي لا يحميه ويحمي من يعمل فيه فقط، بل يكون هو رافعته وسلاحه بوجه طغيان أعداء المعرفة.

ولأن هذا ليس "مبحثاً قانونياً" فإننا لن نفند هنا مواد قانونية أو فقرات فيها. بل نستعرض فقط بعض الأسس التي يحتاجها الإعلام السوري ليحمي من يعمل فيه ويفتح السبل أمامهم كي يؤدوا دورهم الأساسي والمتمثل، كما كان دائماً: كشف الحقائق التي تهم حياة الناس.

قبل أي كلام، لا بد من الإشارة إلى المشكلة الأهم التي يعاني منها المجتمع السوري منذ عقود، وتشكل مقتلاً في صميم الإعلام السوري، وليست متضمنة في أي من قانوني الإعلام ومكافحة الجرائم الإلكترونية.

تلك المشكلة هي "حق" تتمتع به السلطة التنفيذية يهدر كل حق آخر على وجه الإطلاق. هو إمكانيتها غير المحدودة على اعتقال أي شخص، بأي تهمة، والإبقاء عليه لوقت طال أو قصر، "قيد التحقيق"!

وفيما يخص الإعلام، فإن وجود هذه الإمكانية، إمكانية الأذرع البوليسية للسلطة التنفيذية على اعتقال أي عامل في مجال الإعلام، أو ممارس لشكل من أشكال الإعلام، وإيداعه السجن بزعم التحقيق معه بسبب خبر نشره أو حتى عمله على خبر لم ينجز بعد، ينقض جملة وتفصيلاً أي كلام عن أي حق يتمتع به الإعلامي أو الوسيلة الإعلامية!

وإذا كان هذا الانتهاك الصارخ لأبسط مبادئ حقوق الإنسان وعدالة القضاء معاً "مفهوم" في حالات اعتقال عضو في عصابات تهريب، أو عصابة فاسدين في الحكومة، أو عصابات الإسلام السياسي الإرهابية... فإنه مرفوض كلياً في جميع الحالات التي لا يمكن لأحد أن يتذرع بـ"عصابة" أو "سرية المعلومات"! كما هو عمل الإعلام.

وهذا "الحق" في انتهاك حقوق الإعلامي وحجز حريته وبث الرعب في عقول وقلوب الآخرين، ليس "سيفاً معلقاً" فوق رقابهم، بل هو سيف جز فعلاً أعناق عملهم. فقد مورس على نطاق واسع منذ زمن طويل وحتى اليوم. آخر ما نعرفه عن ممارسة هذا الحق هو اعتقال صاحب موقع "هاشتاغ سوريا" من قبل فرع جرائم المعلومات، بادعاء من قبل وزير النفط، بسبب خبر نشره الموقع!

فإثر هذا الإدعاء تم اعتقال صاحب الموقع، ومنع بالتالي من أي إمكانية لتأمين حقوقه في الدفاع عن نفسه عن طريق جمع المعلومات والبراهين على براءته... كما زرع الرعب في صدره وصدر كل إعلامي آخر. والنتيجة هي انتصار ساحق للسلطة التنفيذية وهزيمة ساحقة للإعلام، ورسالة واضحة لكل من يتجرأ على قول ما لا تريده السلطة التنفيذية حول أي مصير ينتظره... ولكن ليس بوسائل المعرفة ولا بالقضاء العادل والنزيه، إنما تحديداً بقوة القدرة على حجز الحرية!

إذاً، فإن أول ما يحتاجه الإعلام السوري في قانون يحمل اسمه هو والنص صراحة، بلا أي استثناء، ودون أي مواربة، هو حظر أي اعتقال لأي صحفي أو عامل في الإعلام بسبب عمله أو الأخبار التي يكتبها أو يحررها أو ينشرها أو يذيعها أو يصورها... قبل أن يصدر قرار قضائي مبرم يقضي بمعاقبته بالحبس. أي منع أي توقيف للإعلاميين على أساس "قيد التحقيق" لأي وقت طال أم قصر.

وما لم يتم إلغاء هذا "الحق"، ما لم يحصن العامل في الإعلام (الصحفي والناشر والمذيع والمعد و..) من الاعتقال "قيد التحقيق" بسبب عمله، ولو ليوم واحد، فإن كل كلام عن حرية الإعلام هو كلام نافل.

وفي الواقع، رغم أهمية حظر حبس العاملين في الإعلام بسبب عملهم، فإن حظر اعتقالهم "على ذمة التحقيق" تفوقه أهمية. فالأول يتبع عملهم، أم الثاني فهو يسبق عملهم ويمنعهم من العمل أصلاً.

الأمر الثاني المهم، يتعلق بتعدي قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية على مجال الإعلام. فقانون الجرائم الإلكترونية يتمدد ليطال العديد من جوانب العمل التي تقع في صميم عمل الإعلام، مثل الزعم بـ"نشر أخبار كاذبة" و"إثارة البلبلة" وما إلى ذلك مما يوضع تحت ذريعة "المس بهيبة الدولة" أو بأمنها.

قانون الجرائم الإلكترونية الموجود في كل الدول الحديثة هو قانون يتعلق بجرائم من نوع الاحتيال الإلكتروني والبرامج الخبيثة وما إلى ذلك، ولا يتعلق إطلاقاً بالمواد المنشورة على الإنترنت ذات المحتوى الإعلامي.

وبالتأكيد فإن أي كلام عن "أخبار مزورة أو كاذبة"، أو "نشر شائعات" أو "تناول الحياة الشخصية"... هو من مجال الإعلام، وليس من مجال الجرائم الإلكترونية! وأي نصوص متعلقة بها (وما يشبهها) يجب أن تكون حصراً من اختصاص قانون الإعلام.

بكلمات أخرى: يجب أن يحظر تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية على أي من القضايا التي تستند إلى المحتوى الإعلامي بكل أشكاله وأنواعه ومستوياته.

قد يثير هذا لبساً... إذ يمكن اعتبار الترويج للإتجار بالأطفال باسم السياحة على أنه "محتوى إعلامي"! لكن ذلك غير صحيح، تماماً كما أن الترويج للإتجار بالأطفال باسم الزواج المبكر ليس من "المحتوى الإعلامي". فالأمر المطروح هنا ليس "رفع العقوبة" عن مثل هذا المحتوى، بل حصرها بقانون الإعلام والآليات المعنية لتطبيقه، وليس قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية والآليات المعنية بتطبيقه.

والفرق بين أن يحصر بقانون الإعلام، أو أن يوضع في قانون للجرائم، كبير. فالأول له آليات (وجهات وأشخاص) مناسبة للطبيعة الخاصة للإعلام، لا تتوفر لدى الثاني.

وبالتأكيد يستطيع القانونيون السوريون أن يعالجوا هذا الأمر بدقة حين تتاح لهم الفرصة لفعل ذلك.

الأمر الثالث الذي ثبتت الحاجة الماسة لإنجازه عبر العقدين الماضيين، هو التخلص نهائياً من تلك العبارات المطاطة التي نشهدها في كل القوانين السورية حين يتعلق الأمر بمنح السلطة التنفيذية سلطات غير محدودة في أمر ما، عبارات مثل "الوحدة الوطنية" و"أمن الدولة" و"المس بالأديان"...

بالطبع، لا يجادل عاقل على ضرورة وجود حدود واضحة لحماية الوحدة الوطنية، أو لحماية أمن الدولة، أو لمنع الكراهية الدينية التي يعمل أرباب الأديان أنفسهم على بثها في المعابد وعلى وسائل الإعلام الرسمية قبل غيرها! لكن ذلك لا يكون بعبارات مطاطة، بل بعبارات دقيقة.

فحتى كبار القانونيين السوريين لا يستطيعون أن يحددوا ما تعنيه عبارة "المس بهيبة الدولة"! وواقعياً اُعتبر كشف خطة حكومية تهدف إلى تقليص دعم بعض المواد الأساسية في حياة السوريين "مسا" بهيبة الدولة وأمنها! واُعتبر التقاط صور للأطفال الذين يعتمدون على الزبالة في معيشهم كذلك! بل اُعتبر كشف فساد بعض البلديات كذلك!

وبدلاً من هذه العبارات المطاطة التي ترهب العمل الإعلامي، يمكن استخدام عبارات محددة وواضحة.

فمثلاً، فقرة مثل: يحظر نشر المحتوى الذي يتضمن تفضيلاً لأتباع دين على آخر! هذه جملة واضحة وبسيطة وقابلة للفهم والالتزام، ولا يستطيع أحد استغلالها ضد حرية الإعلام.

ومثلاً، فقرة مثل: يحظر المحتوى الذي يمدح بوزير دون وثيقة تثبت استحقاقه للمديح لأنه يفقد الناس الثقة بالحكومة وبالتالي يمس بهيبة الدولة! هذه أيضاً جملة واضحة ومقبولة.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكلام عن "الحرية المسؤولة" و"تعزيز الإيجابيات" في الإعلام، هو ذر للرماد في العيون. فواجب الإعلام الأول والأخير هو "الإخبار"، أي تقديم المعلومات التي لا يعرفها العموم. والأغلبية الساحقة من هذه الأخبار في عالم اليوم، هي أخبار لا تسر الناس، ولا يسر فضحها السلطات!

ولذلك فإن واجب الإعلام (واجب، وليس حقاً)، هو نشر كل ما يمس حياة السوريين والسوريات، سواء تعلق بالفساد أو استغلال السلطة أو تداخل السلطات أو التفرقة الدينية أو بث الكراهية أو...

أمر مهم آخر لا بد من تناوله هو وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه الوسائل هي المنصة الإعلامية الرئيسية اليوم في العالم، سواء تحدثنا عن الأكثر رواجاً في سورية مثل "فيسبوك"، أو في غيرها مثل تويتر وانستغرام وغيرها، وسمعنا كلاماً كثيراً عن استخدام هذه الوسائل لـ"اختراق مجتمعاتنا"! أغلبها صادر عن مسؤولين رسميين! رغم أن التجربة السورية برهنت العكس.

فقد بقي "فيسبوك" محجوباً حتى 2011، وفي تلك الفترة (الحجب) استطاع المخربون والأعداء استغلاله على خير وجه، وعجز السوريون عن تحضير أنفسهم للمعركة الطاحنة القادمة.

وفقط حين فتح المجال أمام السوريين للدفاع عن بلدهم، بإلغاء الحجب عن "فيسبوك"، خسر المخربون والعملاء المعركة الافتراضية، رغم إمكانياتهم الهائلة وإمكانيات السوريين الضعيفة.

ومن الضروري، فيما يخص النشاط على هذه الوسائل، معالجتها بطريقة تختلف جذرياً عن تلك المعتمدة تجاه "الإعلام" التقليدي: صحف ومجلات وإذاعات وقنوات فضائية، بل وحتى مواقع إلكترونية محددة.

ويجب التشديد على أن كل ما يقوله الأشخاص بأنفسهم على هذه الوسائل، ولا يتضمن دعوة صريحة إلى فعل جماعي معين يحظره القانون: مثل الدعوة إلى القتل، أو الدعوة إلى الصلح مع الصهاينة... هو حق مصان لهم بغض النظر عن محتواه. ولا يجوز التعامل معه على أنه "أخبار"، بل على أنه رأي يتمتع بالحق المطلق بالإشهار، حتى إن تضمن ذلك شتماً لمسؤول، أو رفضاً أو احتجاجاً على قضية ما.

ويجب القول هنا بأن تحصين الناس ضد "الاختراق" من الأعداء، أعداء الداخل والخارج، يقوم على مزيج الحرية المصانة والمعرفة الصحيحة. فهذا المزيج هو وحده من يمكّن الناس من مواجهة "المؤامرات" قبل حدوثها، سواء كانت عبر الإعلام التقليدي أو وسائل التواصل الاجتماعي أو غير ذلك.

ما زال هناك الكثير ليقال، ويجب أن يقال علناً على وسائل الإعلام السوري نفسه ليعرف الناس قبل غيرهم أي واقع "إعلامي" يعيشون فيه اليوم، حيث بالكاد يوجد سوري ليس خاضعاً بدرجة كبيرة لتأثير الإعلام، عرف ذلك أم لم يعرف.

لنكثف إذاً على النحو التالي:

ليست المشكلة في وجود قوانين تنظم عمل الإعلام بأشكاله، وقوانين تحمي من الجريمة ومن ضمنها الجريمة الإلكترونية. المشكلة في أن هذه القوانين يجب أن تقوم على حق الناس في المعرفة، حقهم في التعبير عن آرائهم، حقهم في الدعوة السلمية إلى التغيير، حقهم في كشف ما يؤذي حياتهم، حقهم في المشاركة في اتخاذ القرار.

والإعلام هو أحد الأوجه الرئيسية لممارسة هذه الحقوق بطريقة واعية وصحيحة، وبالتالي يجب أن تحمي القوانين العاملين في هذا المجال، وتشجعهم على تقديم المعرفة، ومن ضمنها تلك التي تسعى السلطات إلى إخفائها.

بل، ربما، بتركيز أكبر على تلك التي تسعى السلطات إلى إخفائها، لأن لدى السلطات (هنا وفي كل مكان في العالم) الكثير من أدوات القوة لتقرير ما تريد، وليس لدى الناس سوى الإعلام أولاً، وبعض أشكال التنظيم المجتمعي ثانياً، لتعبر عن نفسها.

أخيراً:

برهنت الحرب على أن السوريين ليسوا "متخلفين" ولا "عاجزين" عن مواجهة "الاختراق" و"المؤامرة". لكنها برهنت أيضاً على ضعف شديد في إمكانيتهم على فعل ذلك. ضعف تجلى أولاً وقبل كل شيء في "جهلهم".

ليس الجهل الذي يستخدم كمسبة، بل الجهل الذي يعني عدم المعرفة. فمن المدهش أن يجهل السوريون حتى اليوم كيف تعمل شبكتهم الكهربائية لتقدم لهم نصف يوم من الكهرباء، بعد 8 سنوات من الحرب التي دمرت كل شيء، وحصار "نفطي" خانق، و...!

فإذا كانوا فعلوا ذلك رغم "الجهل"، فكيف سيكون الحال حين يتمكنون من المعرفة؟ المعرفة بتفاصيل الحصار الذي يخنقهم، وبتفاصيل الفساد الذي يخرب حياتهم؟


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…