19 أيار 2019

عن حالة الجدل والصراع "المفترَض" بين الإعلام والسياسة: علاقة ملتبسة وهيمنة عارية!

العلاقة بين الإعلام والسياسة، في مجتمعنا علاقة ملتبسة، شأنها بذلك شأن معظم الموضوعات، علاقة إشكالية، وليست جدلية، علاقة تبعية، تبريرية، بل ترويجية...

وكي لا يبدو الأمر أنه تصويب على الذات وجلدها، فمن الطبيعي أن نقول إن إشكالية العلاقة هي قائمة في مختلف مجتمعات العالم وليست في بلدنا والدول العربية فقط.

لكن وتوخياً للدقة أيضا، وقبل الدخول في شكل العلاقة بين المفهومين، لابد من أن نحتاط من المصطلحات والمسميات، فما يصح في مكان قد لا يصح عندنا، مثلا عندنا إعلام وسياسيون ونقابات، ولكن في الحديث عن التأثير والحضور في الشارع نلوذ بالصمت.

أمام هذا الوضع يبقى الكلام عن دور الإعلام هامشياً، مخرجات وسائله تحددها السلطة السياسية، وبذلك تكون السلطة بأجهزتها المختلفة هي المهيمنة والمسيطرة على الإعلام، أما اتجاه الخطاب الإعلامي فهو من القمة إلى القاعدة.

 مخرجات إعلامنا وضعفه أمام السياسة أفرزت أزمة ثقة في الشارع أدت بدرجة ما إلى انفصام، وكنتيجة لهذا أصبح الإعلام وخاصة الرسمي يغرّد خارج السرب، وبدلاً من المساهمة في تكوين الرأي العام نجده يسهم في تهميشه وتغريبه وإقصائه.

وللدقة، من الخطأ الاعتقاد بأن العلاقة بين السياسة والإعلام في الدول الديمقراطية والمتقدمة، سليمة وصحية وتسودها الشفافية والوضوح، ففي أعتق الديمقراطيات في العالم نلاحظ تطفلاً ومحاولة الاستغلال والابتزاز، لكن مع ذلك توجد أطر وهياكل وثقافة لإعلام استقصائي ويبقى الإعلام سلطة يحسب حسابها.

ابن واقعه

عند معالجة إشكالية العلاقة بين السياسة والإعلام يجب أن نضع في ذهننا أن من الخطأ المنهجي والاستراتيجي أن نعالج هذه الإشكالية بعيداً عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فالنظام الإعلامي ما هو إلا انعكاس للنظام العام الذي يعيش فيه هذا الإعلام، والنظام الإعلامي ما هو إلا جزء من كل، وبالتالي لا نستطيع أن نتكلم عن إعلام وصحافة في غياب الفصل بين السلطات، وفي غياب الحريات الفردية، وفي غياب حقوق الإنسان، وفي غياب مجتمع مدني، والقائمة قد تطول... فكيف نتصور إعلاماً من دون هذا كله؟!

العلاقة بين طرفي المعادلة (الإعلام والسياسة) علاقة جدلية، بمكان ما، وبكل المقاييس، وتختلف دائرة التأثير بينهما باختلاف الأنظمة السياسية السائدة، فالإعلام والسياسة كلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه، وإن كان التأثير الذي تمارسه السياسة على الإعلام في البلدان النامية بشكل خاص، أكبر من تأثير الإعلام على السياسة.

 من هنا تتمظهر عملية استقطاب وسائل الإعلام من لدن السلطة السياسية، إما بغرض توظيفها للدعاية، أو من أجل اعتمادها كوسيلة لتجميل الصورة.

لا سياسة من دون إعلام

السياسة في أحد أبعادها، خطاب موجه للجمهور، ولا يمكن بطبيعة الحال مخاطبة الجمهور عبر الاتصال الفردي، لذا يكون من الضروري استخدام الوسائل الإعلامية، التقليدية والحديثة، للتواصل مع الجمهور، وإيصال الخطاب إليه.

وعليه يمكن القول، إن لا سياسة بلا إعلام؛ فالعمل السياسي هو المادة الأولى للصحافة بمختلف توجهاتها، وذلك بسبب التأثير المباشر، والدور الذي تلعبه السياسة في حياة الناس. كما أن دور الإعلام لا يمكن تصوره من دون وجود عملية سياسية.

لكن وفي النظرة التقليدية للسياسي إلى وسائل الإعلام فإنها يجب أن تكون تابعة له، ناقلة ما يريد أن يوصله هو إلى الجمهور، ومن هذه الزاوية بقيت وسائل الإعلام - بالأخص الحكومية في بلدنا - ومن يديرونها، تابعة للسياسة، وذلك لأمرين:

1 - أن من يديرون هذه المؤسسات لم يكونوا إعلاميين، ولم يدخلوها بهذه الصفة غالبا، وإنما هم سياسيون أو معينون بقرار سياسي ووصلوا إلى إدارة هذه المؤسسات لتنفيذ توجهات سياسية.

2 - الإعلاميون في هذه المؤسسات بقيت لديهم دائما تحفظاتهم الخاصة أقله في دوائرهم الضيقة على التسييس المفرط للمنتوج الإعلامي.

 

سياسيون وإعلاميون وحقوقيون أكدوا على ضرورة التمييز بين عمل السياسي وعمل الإعلامي كضرورة يحتمها تطور المجتمع، وشددوا على أن العلاقة بين "السياسة والإعلام" ملتبسة ومرتبطة بأنظمة الحكم ويحددها السياق الذي يعملان فيه، ففي بلداننا، يراد للإعلام أن يكون مجرد خادم للسياسة.

 

 قربي: إعلام يحركه وجع الناس وليس التوجيهات السياسية  

المخرَج من ثنائية الاستقلال والتبعية أو من حالة كون الإعلام خادما للسياسة هو في النظرة التكاملية، وبوصف الإعلام جزءاً من مشروع وطني سياسي جامع تناط به مهمة التنوير في إطار ثوابت المجتمع، وسيكون هنا متفاعلا وفاعلا مع الفعل السياسي لا تابعا له ولا نقيضا، ومن هذه الزاوية يؤكد عضو مجلس الشعب الدكتور صفوان قربي: "جميعا نريد إعلاما لا يحركه اتصال أو (شيك)، وبالتالي يكون الحراك باتجاههما، بمعنى نريد إعلاما يحركه وجع الناس وقضاياهم المحقة، وكلنا نريد أن ترتسم علاقة أخلاقية صحية توافقية صادقة، ما بين الطرفين، طبعا يكون استغلال السياسي للإعلام فيها أقل، وبالوقت نفسه يكون التشويه والتضليل الإعلامي أقل، هذه الحالة تؤدي إلى إراحة المزاج العام، حيث يركن إلى الهدوء والاستقرار، وهذا ما نريده حتى يستطيع المواطن أن يفكر بهدوء وروية وصواب، بعيدا عن الضجيج الذي يحجب كل فكر نير وهادئ، وخاصة في هده المرحلة الحرجة والحساسة من تاريخنا".

 ويضيف: "ليس جديدا استغلال الأنظمة السياسية عموما بكل أنواعها للإعلام، وذلك لمحاولة إحداث تغييرات أو تأثيرات في سلوكيات الناس عبر مراحل زمنية".

مشيراً إلى أنه في الوقت الحالي وأمام ثورة وسائل الاتصال الاجتماعي أصبح الموضوع أكثر خطورة وحساسية، ولم يبق الإعلام "ناقلا حياديا" للمعلومة، بل أصبح وسيلة للتحريف والتجنيد والتحشيد، وغسل العقول وتوجيه النشء الصغير بهذا الاتجاه أو ذاك، وخنق ثورة وخلق فوضى واحتجاجات مدمرة".

وأردف قربي: "الثورة المعرفية أصبحت أقرب إلى الفوضى، وإدارة الفوضى مهمة جدا نظرا لضخامة وخطورة هذه الفوضى، حيث كان الصحفي سابقا يتتبع السياسي ويبحث عن المعلومة الأنضج والأصح والأحدث، حاليا ربما تكون المعادلة اختلفت، وربما يكون الإعلام بكل أنواعه هو من يوجه السياسيين، وتالياً المعادلة أصبحت أقرب للتكافؤ بين الاثنين وربما تميل كفتها لمصلحة الإعلام".

وشدد عضو مجلس الشعب على أن وسائل الإعلام المختلفة معظم إدارتها سياسية بامتياز، حيث غابت الكفاءات العلمية والصحفية الحرة، إلا مع بعض الاستثناءات أو الفلاشات وهذه أقرب إلى القلة في هذه المرحلة.

ولفت إلى العلاقة الجدلية والحساسة بين الإعلام والسياسة، أو ما يمكن وصفه بحالة من التخادم، وتبادل المنافع (تضافر وتكافل وتجاذب، علاقة مشوشة مشبوهة بين طرفين).

وقال: "الطرفان يعتمدان نفس الأساليب أحيانا، تضخيم، مبالغة، مغالاة، انتقائية وأحيانا تسخين لأحداث صغيرة، وفي الوقت نفسه تبريد وإقصاء وتغييب لقضايا حساسة وضخمة ومهمة".

وأكد قربي"أن لكل وسيلة إعلامية سياسة ملهمة - فرد أو جهة - ترعى وتمول وتحمي، الطرفان يتميزان بالمبالغة، السياسي يقطع الوعود ويعد بتحقيق إنجازات ويعول على نسيان هذا من قبل الناس بعد فترة، والإعلامي أيضا يلجأ إلى المديح والإطناب وأحيانا إلى الإسفاف والذم والقدح، حيث تحولت وسائل الإعلام إلى منصات لإطلاق الصواريخ الإعلامية الفتنوية أو إلى متاريس للتصدي للحملات من الطرف الآخر".

ورأى أن الصدق والشفافية والأخلاق المهنية العالية هي معايير الخلاص، لكن يبقى خلاصا نظريا، فقسم بسيط من الإعلاميين والسياسيين الأنقياء يعرفون جيدا كيفية الإضاءة على موضوع أو قضية وإعطائها الحق الذي تستحق، ومتى يجب أن نحجب أو نعتم على موضوع لا يخدم قضايانا الوطنية.

 

مرهج : الإعلام أداة سياسية

ليس بعيدا عن هذا الاتجاه يرى ماهر مرهج، أمين عام حزب الشباب الوطني السوري أن "الإعلام لا ينفصل عن السياسة، خصوصا في عصر الإمبراطوريات الإعلامية وأدواتها المرئية من محطات فضائية ومواقع إلكترونية ومدونات على برامج التواصل الإلكتروني الاجتماعي والتي باتت تصل إلى ملايين الناس وتتحكم بآرائهم ومواقفهم تجاه الأحداث والحروب وغيرها، وتساهم في تمرير الخطط والاستراتيجيات والسياسات على الصعيدين المحلي والعالمي".

ويضيف: الإعلام اليوم أصبح رافعة وأداة رئيسية في السياسة يساهم في قلب الحقائق وحتى في إسقاط حكومات ودول كما شهدنا في أحداث "الربيع العربي" في السنوات الماضية وغيرها من دول العالم، وما نراه من تشويه لحقائق الأرض وما يجري في سورية، وتصوير الإرهابيين على أنهم سلميين، وتصوير الدولة والجيش السوري على أنهما يستهدفان الشعب".

وقال مرهج: "بالتأكيد لا يمكن لأي سياسي أو قوة سياسية أن تنشر فكرها وإيديولوجيتها من دون ذراع إعلامي وأدوات إعلامية، ففي عصر السرعة أصبحت البيانات السياسية والنشاطات والأفكار تنتشر خلال ثوان لآلاف المشتركين في مواقع التواصل والمواقع الإلكترونية، ومن هنا نجد الدول والحكومات، وحتى أجهزة الاستخبارات ترصد الأموال الطائلة لإنشاء محطات فضائية ومواقع إلكترونية، وتدعم المئات من الناشطين لتمرير سياساتها ومشاريعها السياسية، وإسقاط الأعداء من دول وأشخاص وحكومات، وتلميع وتظهير أشخاص وسياسيين وإيصالهم إلى البرلمانات وقيادات الدول".

وختم أمين عام الشباب الوطني السوري بقوله: "الحياة ليست مثالية وليست نزيهة، كذلك الإعلام والسياسة فالأمور نسبية، وكما توجد سياسة جيدة هناك إعلام جيد وهو الذي يلتزم بالحد الأدنى من القيم والمصداقية".

عبد الغفور: جدلية نسبية

قبل أيام قليلة وبالتحديد في الثالث من الشهر الجاري، أحيت دول العالم يوم حرية الصحافة، ومن أجواء هذا اليوم يمكن أن ننظر في واقع الإعلام خاصة في بيئات يعمل فيها، ولا وجود لهذا التقليد أو الحرية أساسا. في هذا السياق يميز الدكتور غازي عبد الغفور بين الإعلامي والموظف في الإعلام، ويرى أن القول (يمكن قتل السياسي والذبابة بصحيفة) قد لا يكون دقيقا أو لا يمكن تعميمه.

ويؤكد عبد الغفور أن العلاقة بين السياسي والإعلامي معقدة، جدلية، تجاذبية، تنافرية، أقرب للصراع منه للمهادنة.

وينطلق في مقاربة هذه العلاقة الإشكالية (مع تعدد وسائل الإعلام وشبكات التواصل) من زاوية صعوبة السيطرة على هذا الفضاء الواسع ويقول: "باتت عملية الاحتكار وهيمنة السياسي على الإعلام عارية، لم تعد تجدي كما كان الحال في السابق، قد يسيطر هذا النظام السياسي على وسائل الإعلام في بلده مثلا... لكن ما حجم تأثير هذه الوسائل أمام هذا العدد المهول من وسائل الإعلام؟

ويشدد عبد الغفور على أن الإعلامي المهني وفي أي مكان، في داخله نزعة ضد تسييس الإعلام، أو أن يكون تابعا للسياسي أو أن يكون مهيمَناً عليه من قبل أصحاب القرار السياسي، أما الإعلامي الآخر فإنه ينفذ ما يطلب منه أو ما يُملى عليه.

ويلفت: "في بعض الدول نجد أن الإعلام ليس أكثر من أداة بيد السياسي، مع أنه وكما يعلم الجميع، لا سياسة بلا إعلام... وأيضا لا إعلام بلا سياسة".

يضيف عبد الغفور: عندما نتطرق للإعلام والسياسية فهذا يقودنا لجدل أو حتى لصراع بين السياسي والإعلامي، ويتساءل: هل هذه الجدلية قائمة في كل مكان؟ بالتأكيد لا.

ولفت الأكاديمي السوري إلى أن السياسة وفي أي مكان هي مادة الإعلامي، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام أو ذاك، أما الدخول في موضوع التكاملية بين الإعلامي والسياسي، فهذا سيقودنا إلى متاهة أخرى، إلا إذا كان الإعلام يتمتع باستقلالية مقبولة، والسياسة تستخدم الإعلام لترويج برنامجها، إن كان ترويجيا أو إعلانيا، وقد تستخدم السياسة الإعلام للتضليل مثلا، فصياغة الإشاعة السياسية عبر الإعلام هي سياسة وإعلام في آن معا.

ويختم بالتأكيد على أن حقيقة جوهر جدلية العلاقة بين الإعلام والسياسة تقوم على التداخل بينهما، لكن يبقى الإعلام هو الأقدم وجودا وحضورا من السياسة".

صيموعة: إعلام يتنازل عن دوره

أما المحامي والسياسي متروك صيموعة فيؤكد أن العلاقة بين الإعلام والسياسة في مجتمعاتنا ملتبسة، فالإعلام يقوم بالتنازل عن دوره ليبرر ويلمّع.

ويرى أن أكثر من مستوى يحكم العلاقة بين الإعلام والسياسة، مشددا على أنه لا يمكن الحديث عن هذه العلاقة بمعزل عن شروط أخرى تحكمها وتتحكم بها، بمعنى أن السياسة أحياناً تصنع إعلاما يعبر عنها ويخدم أغراضها ويبرر توجهاتها، وفي أحيان أخرى يصوب الإعلام سياسات ويدفع نحو توجهات معينة، والقياس هنا مشروط بعوامل موضوعية تتحدد على أساس طبيعة نظام الحكم وشكله ومدى نضوج الرأي العام وتأثيره في السياسات العامة".

يضيف: "قليل هو الإعلام الذي يشكل نسقا متكاملا ومؤثرا ويستطيع ممارسة التعبئة بما يؤثر في التوجهات السياسية بشكل مباشر، وهذا يمكن أن يحصل في البلدان المتطورة ذات الطبيعة الديمقراطية التي يستطيع فيها الإعلام لعب دور فعال في صنع وتوجيه السياسات، لكن دولنا هي ضمن الدول التي يكون فيها الرأي العام مضمرا، يكون فيها الإعلام مجرد صدى للتوجهات السياسية ويلعب دورا تلميعياً تبريرياً ولا يتاح له ممارسة التنوير ويخضع لرقابة صارمة".

ويختم المحامي صيموعة بالقول: "بلداننا عموماً يتراجع فيها الإعلام نحو التزيين والتبرير، أي نحو ذرائعية مكشوفة لخدمة أغراض السياسة بالتضاؤل إلى الحد الذي يجعله أداة سياسية تابعة لا تتيح له أية فرصة للنقد والتنوير".

 

خاتمة

عندما يلقي الإعلام بنفسه في أتون السياسة، ويضحي بمهنيته، ودوره طامعا برضا " بكوات" السياسة سيجد نفسه صغيرا وقزما بل ومكبلا.

أما الومضات أو اللمحات التي يتم تمريرها فهي لا تعدو كونها محطات لا ترقى لتشكل حالة إعلامية يمكن الركون إليها والقياس على أساسها.

في ظل ما تم عرضه لعلاقة الإعلام والسياسة من وجهة نظر لا نجزم بكمالها المعرفي، نقول إنه مادامت وسائل الإعلام مجرد وسيلة توظفها السياسة، إما إيجابا أو سلبا، وأمام غياب الوعي الفاعل للإنسان المستهلك للمادة الإعلامية، فإن دور الإعلام سيبقى سلبيا يفيض بما لا يريده الجمهور، وطبيعي في هذه الحالة أن تنشأ أزمة كبيرة بين الإعلام وجمهوره وخاصة الإعلام الحكومي.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…