14 نيسان 2019

إذا أردت أن تُرهب عقلاً أطلِق وراءه شائعة، هذه المقولة مُرشحة لأنَّ تصبح حقيقة مع ما بات يُعرف باسم جناية "وهن نفسية الأمة"، المنصوص عليها في قانون العقوبات النافذ، والتي تفرض عقوبة الاعتقال من 3 إلى 15 سنة على من قام في سورية، و في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها، بنقل أنباء يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة، أما إذا كان الفاعل يحسب هذه الأنباء صحيحة فعقوبته الحبس ثلاثة أشهر على الأقل، علما بأن الحد الأدنى للعقوبة يصبح مضاعفا (بحسب المادة 28 ـ ف 2 من قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة الإلكترونية)، في حال ارتكبت الجريمة عبر الفضاء الافتراضي وذلك لتوافر عنصر العلنية، محتوى هذه المادة جرى تأكيده في قانون الإعلام النافذ ( المادة 12 ف 4 ) .

لا أحد يشكك في ضرورة القصاص من كل من ينشر أخبار كاذبة (الركن المادي) تلحق الضرر بحالة الاستقرار المجتمعي (النتيجة الجرمية) متى توافرت لديه النية في ذلك (الركن المعنوي). لكن المسألة الخطيرة التي يتوجب التحسب منها تتعلق في أن تطبيق هذه المادة قد يؤدي إلى انتهاك جملة من الضمانات التي أقرها الدستور لبعض الحقوق والحريات الأساسية للمواطن، وتحديدا في مرحلة الادعاء والملاحقة، هذا الأمر يعود إلى أن يتعلق بجناية، وبالتالي مجرد تقديم شكوى بحق المتهم بوهن نفسية الأمة قد يؤدي إلى القبض عليه، وتوقيفه تمهيدا لاستكمال التحقيقات معه، ويستوي في ذلك ـبتقديرناـ الأشخاص العاديين والإعلاميين، فمفعول المادة 101 من قانون الإعلام جرى تعطيله بالمادة 32 من قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة الإلكترونية و التي تُطبق بدلالة المادة 208 من قانون العقوبات والمادة 28 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وعليه يمكن أن يتم التوقيف بمجرد أن يدعي الشاكي (مواطنا كان أو جهة حكومية) أن دراسة معينة نشرت أنباء كاذبة عن الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي في سورية، ومن دون أن يكون مطالبا بإبراز الأنباء الصحيحة التي تؤيد شكواه، فمثلا يمكن أن تطلب الحكومة ملاحقة أي باحث بتهمة وهن نفسية الأمة إذا نشر دراسة تبين أن معدل الإنفاق الوسطي للأسرة السورية هو 245 ألف ليرة سورية، وذلك خلافا لتقديرات المكتب المركزي للإحصاء التابع لرئاسة الوزراء، والذي قدرها ب 115 ألف ليرة شهرياً (تقرير المكتب المركزي للإحصاء الصادر بتاريخ 11/4/2019 )، وعليه يمكن أن تتم الملاحقة والتوقيف لمجرد أن تقول الحكومة في شكواها أن رقم 245 ألف ليرة هو رقم مبالغ فيه، وكذلك لن تكون الحكومة ملزمة بإبراز الأرقام التي تثبت شكواها أمام النيابة العامة إن هي حرّكت شكوى بتهمة النيل من هيبة الدولة أو مكانتها المالية (مادة 287 عقوبات)، ضد الخبيرة الاقتصادية السورية التي نشرت في جريدة الأخبار اللبنانية ـ بتاريخ 4 / 4 / 2019 ـ مادة بعنوان "النار التي وقودها البلاد والفقراء!" وتناولت فيها التوقعات المتشائمة لـ «وحدة البحوث الاقتصادية الخاصة» التابعة لمجلة "الإيكونوميست" حول الاقتصاد السوري خلال العام الجاري، يًضاف إلى ذلك كله إمكانية ملاحقة أي مواطن ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي رأيا بشأن اقتصادي أو اجتماعي ترى الحكومة مثلا أنه كاذب أو مبالغ فيه، وهنا يُطرح السؤال الفقهي التالي: هل من الممكن ملاحقة الجهات الحكومية بجرم وهن نفسية الأمة؟؟ إذا ما تبين بالوقائع والأرقام أن ما نشرته من معلومات بغاية رفع معنويات الأمة قد تبين لاحقا أنها غير دقيقة البتة؟؟؟ ربما لن يكون من الممكن القيام بذلك قضائيا بسبب عدم توافر النية الجرمية، لكن عواقب فعل كهذا أكثر فداحة من أية عقوبة منصوص عليها في القوانين السورية، ألا وهي "فقدان المصداقية" التي هي عماد العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب.

قانونياً، يمكن للمتهم بالنيل من هيبة الدولة أو وهن نفسية الأمة أن يتم إخلاء سبيله بعد التحقيق معه، لكن يمكن أن يُحال موقوفا أمام المحكمة المختصة والتي من المفترض أن تحكم ببراءته إذا لم يقدم الشاكي ما يثبت دعواه، أو إذا لم تثبت لدى المتهم النية الجرمية، من هذه النقطة تحديدا تبرز أهمية ألا يتم توقيف المتهم إلا بعد أن يبرز الشاكي الحد الكافي من الإثباتات التي تقنع النيابة العامة بأن المشكو منه نشر أنباء كاذبة هدفها وهن نفسية الأمة، هذه الضمانات تحول دون أن تتحول جريمتا وهن نفسية الأمة والمساس بهيبة الدولة أو مكانتها المالية، إلى حالة طوارئ غير معلنة. كما أنها تحول دون ارتكاب انتهاك صارخ لجملة من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور النافذ وفي مقدمتها حق المواطن في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أو الكتابة أو بوسائل التعبير كافة (م 42) وحرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام (م 43) من منطلق أن "الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم" (م 33). فضلا عن الحماية التي كفلها الدستور للبحث العلمي (م 31) إذ معلوم أن الأبحاث العلمية تقوم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج والتوقع المستقبلي، من هنا يبدو عبثيا ملاحقة وتوقيف الباحث الاقتصادي الذي يتوقع وصول سعر الصرف إلى رقم تعتبره الحكومة مساسا بالمكانة المالية للدولة، من منطلق أن نشر الدراسة زاد من الطلب على الدولار، وبالتالي من ارتفاع سعر صرفه مقابل الليرة السورية، لعل دراسة من هذا النوع يمكن لها أن تساعد الحكومة إيجاد بدائل اقتصادية تحد من التأثيرات السلبية للارتفاع المتوقع بدل الحد من حرية صاحب الدراسة نفسه.

إن العدالة لا تتأذى إذا أفلت الجاني من العقاب، لكنها تُصاب بمقتل إذا تمت إدانة بريء أو تشويه سمعته وتحديدا في مجتمعنا حيث مازال المثل الشعبي "لا دخان بدون نار" هو أقوى من المبدأ الدستوري القائل "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، لكن في مجتمعنا المريض كثيرة هي النيران التي بلا دخان... نار الظلم، نار التهرب من المسؤولية، نار الإنكار، نار الحقد، ونار التشفي.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…