22 كانون2 2017

لسنوات طويلة، بقيت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بعيدة عن الإعلام المحلي، لا ترغب بالحديث عما أنجزته، لا تريد أن تشرح موقفها من بعض القضايا المثارة حول طريقة عملها. باختصار يمكن القول إن الهيئة كانت تعيش في "عزلة" مجتمعية ومؤسساتية، وهذا كان كفيلاً بشيوع حالة من الغموض حيال عمل الهيئة وجهود مفتشيها وكوادرها. وعندما تم تعيين القاضي نذير خير الله رئيسا للهيئة لم يكن أكثر من خبر اعتيادي في سياق التغييرات الإدارية، التي تجريها الحكومة بين الفينة والأخرى، لكن عندما خرج رئيس الهيئة من مكتب ه ليزور بعض الوزارات ويجتمع بكوادرها، وينسق مع إداراتها لتسهيل عمل الهيئة وتطبيق مبدأ الرقابة الوقائية، كان ثمة جديد يتغير في طريقة تعامل الهيئة في العمل، إذ نادرا ما كان يخرج رئيس الهيئة إلى الإعلام الوطني ليتحدث مع مؤسسات الدولة وجهاتها العامة.واليوم يضيف القاضي نذير خير الله إلى تلك الخطوة نهجا جديدا عن عمل الهيئة ويقدم إجابات على أسئلة صحفي. "الأيام" تنفرد هنا بنشر أول حوار يدلي به رئيس للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وليس هذا فحسب وإنما بحوار يتضمن كما هائلاً من المعلومات، ليس للتشهير أو للنيل من أحد، وإنما لتوضيح كيف تعمل الهيئة وحجم الجهود المبذولة من عامليها.

مبالغ ضخمة يحرص رئيس الهيئة على تأكيد أن بوصلة عمل الهيئة بكاملها هو القانون والنظام الداخلي، ولاشيء ثالثهما، لا دكتاتورية، ولا تدخل من قريب أو بعيد بالجانب الفني، لا بل إن القاضي خير الله ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله أنه يكره الواسطات والتلفونات على الرغم من أنها لم ولن تحرجه لكونه مؤتمنا على عمله، ومن  وجهة نظره الأمين والخائن لا يلتقيان، مبيناً أن بابه مفتوح على مصراعيه لكل كبيرة أو صغيرة تمس الحق العام وأموال الخزينة العامة للدولة. خير الله كشف، وبالأرقام، حصيلة عمل الهيئة خلال العام الماضي، إذ قامت الهيئة بمعالجة واعتماد 2991 قضية في مختلف القطاعات موزعة بين 262 قضية انتهت بالإحالة إلى القضاء نتيجة اختلاسات وإهمال وهدر للمال العام وقضايا تزوير وتلاعب وغيرها، و 554 قضية انتهت بالمساءل ة، أو بالإحالة  إلى المحاكم المسلكية، تمهيدا  للإحالة إلى القضاء المختص بنتيجة مخالفات مالية وإدارية واقتصادية. أما باقي القضايا فقد انتهت إلى مقترحات تتعلق بأمور تنظيمية ومطالبات مالية أو بالحفظ والطي لعدم الثبوت. وتظهر البيانات الإحصائية أن القطاعات الخدمية احتلت المراكز الأولى من حيث عدد القضايا المنجزة، وحل قطاع التجارة الداخلية بالمركز الأول تلته قطاعات التربية والشؤون الصحية والخدمات العامة.

وهذا، حسب رئيس الهيئة، يعد مؤشرا واقعيا على استهداف الهيئة للرقابة المباشرة على القطاعات الخدمية من  أجل تسهيل توفير الخدمات للمواطنين. بالنسبة للمبالغ المستردة أو الواجب استردادها والغرامات المالية والاستردادات المالية المسترجعة، فقد بلغت منذ بداية العام 2016 ولغاية 21 / 9/ 2016 مبلغا وقدره نحو 24 مليار ليرة، تركزت جلها في قطاعي المالية والجمركية والاقتصاد، تليهما قطاعات المصارف والنقل والإسكان. في حين سجلت المعاملات الواردة إلى الهيئة خلال العام الماضي 5596 معاملة تم إنجازها جميعا وعن آلية العمل المتبعة داخل أروقة الهيئة ، أكد خير الله أن القانون أعطى ضمانات للمواطنين خلال العمل، فالمفتش، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقوم بالتحقيق بموضوع معين بعمل رقابي، وعندما ينجز المفتش تقريره يقوم برفعه إلى رئيس مجموعته )مجموعات تشمل كل قطاعات الدولة(، الذي يطلع بدوره على التقرير ويضع ملاحظاته، إضافة إلى وضع رأي مستقل تتم مناقشته مع المفتش، وفي حال تمسك المفتش برأيه، وهذا حق من حقوقه يكفله ويضمنه له القانون شأنه في ذلك شأن القاضي المصان، يقوم رئيس المجموعة بتسطير مطالعته ويرفعها إلى الدائرة القانونية،التي تتألف من ست مجموعات يرأسها رئيس قسم، الذي يقوم بدوره بالاطلاع على التقرير وتسجيل ملاحظاته كتابيا إن وجدت تمهيدا لمناقشتها مع رئيس المجموعة قبل وضع تقريره الخطي، على أنه وفي حال غياب التوافق بينه وبين رئيس المجموعة تتم إحالة التقرير إلى مدير القانونية، الذي يطلع على عمل رئيس قسمه وإدخال التعديلات بعد حوار مع رئيس القسم حول نقطة معينة توصيفها القانوني غير صحيح، أو التنبيه لنقطة معينة. بعدها يتم إيداع التقرير عند معاون رئيس الهيئة ، وهناك ستة معاونبن مشرفين على قطاعات وفرع أو فرعين بالمحافظات، لمناقشة كل منهم حسب القطاع مع مدير القانونية، وتسجيل رأيه لينقل الملف بعد ذلك إلى رئيس الهيئة الذي يطلع على مجمل القضية، وفي حال وجود توافق على مشروع التقرير يتم توقيعه للمعالجة،ويصبح جاهزا أما في حال تباينت الآراء حول التقرير يتم أخذ رأي المفتش لكونه أكثر احتكاكا الموضوع، الذي يعمل به أو إعادة الملف لاستكماله والتوسع بالتحقيق للوصول إلى نقاط معينة لم يتم توصيفها بشكل قانوني.

وزراء ومحافظون لماذا لا يتم التحقيق مع وزراء ومحافظين رغم كثير من المعلومات المتداولة حول تجاوزات ومخالفات تمس بعضا من شاغلي هذه المناصب؟. يجيب رئيس الهيئة : التحقيق مع الوزراء والمحافظين بحاجة إلى إذن دستوري لفعل ذلك، وعندما يتبين للهيئة من خلال هذا الملف أو ذاك ارتكاب بعض أصحاب المناصب من وزراء أو محافظين لتجاوزات معينة، نعمل كهيئة على إعداد تقرير مستقل بالواقعة، ونرفعه إلى رئيس مجلس الوزراء، وبمجرد رفع هذا التقرير تكون الهيئة قد أخلت ذمتها، وهنا أعود وأؤكد أنه إذا لم نحصل إذن دستوري بملاحقة هذا المسؤول أو ذاك فإننا لا نستطيع فعل شي، في حين أن الأمر أسهل بالنسبة لأعضاء مجلس الشعب الذين قامت الهيئة باستجواب خمسة أعضاء منهم بعد رفع الحصانة النيابية عنهم بشكل مؤقت ريثما تنتهي التحقيقات، كاشفا عن عدم تسجيل أي حالة رفض من السلطة التشريعية على الاستجواب، وعن قيامه شخصيا بالتحقيق مع وزير في الحكومة السابقة وهو على رأس عمله، وآخر سبق أن كان وزيرا، أما الآن فيوجد ملف على طاولة رئيس مجلس الوزراء حول بعض التجاوزات التي قام بها بعض الوزراء والمحافظين الحاليين، والهيئة بانتظار الإذن. خير الله أوضح أن من يتجاوز القانون ليس برجل قانون، وعليه فالهيئة تطبق القانون وهي بذلك لا تشهر بأحد طالما لم تثبت إدانته، مشيرا إلى أن إجراءات التحقيق يرافقها إجراءات مثل منع السفر والحجز الاحتياطي ريثما ينتهي التحقيق، وفي هذه الحالة يتم كف يد من يتم التحقيق معه ريثما ننتهي ومن ثم يلغى قرار كف اليد لأن هناك مقترحات ستصدر، إما الإعفاء أو الإحالة إلى القضاء وهذا إجراء تحفظي للحفاظ على المال العام وسمعة الإدارة، مشيرا إلى أن ما حدث في سورية فساد أخلاقي .

مع السلطة التنفيذية وبالنسبة لعلاقة الهيئة مع رئيس مجلس الوزراء قال: دائما العلة في النواحي السلبية أو الإيجابية بالمسؤول الإداري أو القائد الإداري، وأنا كرئيس هيئة مسؤول أمام السيد رئيس الجمهورية، وبالنتيجة نحن جهاز رقابي نعمل ضمن الفريق الحكومي، فإذا سمحت لغيري بمصادرة قراري فالعلة موجودة فيَّ أنا وليس بالقانون، وللعلم فالهيئة جهة رقابية مستقلة مرتبطة برئيس الوزراء والقانون لم يقل نتبع، فالتبعية دستورية ترتبط بالقانون الذي يحدد العلاقة بين الهيئة ورئيس الوزراء، وإذا كان هناك من اختلاف فهو في وجهات نظر ليس إلا لكن طالما الجميع يعمل بالقانون فلا مشكلة تثار، وأنا كرئيس هيئة أصدر تقريري ولرئيس الوزراء الحق إذا لم يقتنع بالتقرير طلب إعادة التحقيق، وهنا سنلتزم، وهذا طلب قانوني لكن لا يلزمني كنتيجة بعد إعادة التحقيق وإصدار تقريري ذاته طالما ضمن القانون وصحيح إذا كانت هناك ملاحظات نجاوب عليها، وعملنا لا تبعية فيه ولا تدخلات ولا أحد يؤثر على مفتش، وفي حال تعرض هذا المفتش للتهديد، فهناك إجراءات قانونية نلجأ إلى اتخاذها. وحول ما طرح منذ عامين حول هيئة مكافحة الفساد ، اعتبر خير الله أن ما كان يثار حول هيئة مكافحة الفساد هو أمر تشريعي، أما الآن فلم أعد اسمع عنها شيئا ، ونحن اليوم نقوم بعملنا بمكافحة الفساد الإداري والجزائي، ونركز على أمور وقضايا مهمة رقابية، ولدينا خطط رقابية دائمة وهناك رقابة آنية.. دائما عملنا التفتيشي كبير.. أما توجيهي الوحيد في الهيئة فهو السرعة في الإنجاز.. ولا توجيه آخر

وماذا عن الدمج؟ وفي هذا السياق يحضر الحديث أيضا عن دمج الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مع الجهاز المركزي للرقابة المالية، وهنا يعلق رئيس الهيئة على ذلك بالقول: ما يجمع الجهاز و الهيئة شيء واحد، هو أننا نحن أصل التحقيق، وهناك بعض الأمور التي يحقق فيها الجهاز المالي، وهذا شي مشترك نسبته لا تتجاوز 3 إلى 5 %، وإذا أردنا الدمج فإننا لن نضيف شيئا جديدا أو مهما، فالهيئة لها قانونها ونظامها الداخلي وهي الأم، والجهاز المالي عمله فني بحت له اختصاصه ومحققيه، وحتى يتمكنوا من معرفة أو الوقوف على طبيعة عملنا ومجموعاتنا فإن الهيئة ستتأثر سلبيا ، وإذا كان الهدف من الدمج هو توفير النفقات، فذلك مستحيل لكونالرواتب كما هي.. ولم يبق إلا الموضوع من رئيس الهيئة..

الصفحة 4 من 4
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…