16 أيلول 2018

أجرت «الأيام» مقابلة خاصة مع وزير المالية مأمون حمدان، تطرقت من خلالها لمواضيع تهم شرائح واسعة من الشعب السوري مثل مكافحة الفساد، ومسألة زيادة الرواتب والوضع المعيشي، كذلك تمت مناقشة قانون البيوع العقارية والمخاوف بشأنه، بالإضافة إلى تصريحات الوزير التي أثارت جدلاً في وسائل الإعلام.

 نحن نشعر بأن مكافحة الفساد مجرد شعارات تطرحها الحكومة منذ أربعين عاما وحتى الآن؟ فبحسب مؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية لعام 2018، جاء ترتيب سورية في المرتبة الثالثة عالمياً لأكثر دول العالم فساداً من أصل 180 دولة؟ ما هو ردك على هذا التقييم؟ أين هي مكافحة الفساد؟ علماً بأن هذه المؤشرات أخذت بها وزارة التنمية الإدارية.

في الواقع لا أعتقد أن هذه المؤشرات معترف بها، فهذه الجهات الدولية التي تقيّم كثيراً تعتمد على مؤشرات ومعايير هي تضعها، فالفساد موجود في مختلف أنحاء العالم ولكن تختلف المستويات والنسب، فطالما أن هناك إنسان وهذا الإنسان بطبعه حر، فبالتالي قد يكون جيدا أو سيئا، والمهم أن يكون هناك أجهزة رقابية رادعة لعمليات الفساد، وقبل الردع يجب أن نجفف منابع الفساد المختلفة.

  سيادة الوزير نحن نقصد هل زاد الفساد في سورية أم انخفض، فإذا كنا لا نعترف بمنظمات دولية....؟

أنا لا أقول بأنني لا أعترف بمنظمات دولية، ولكن هذه المنظمة الدولية وضعت معايير من أجل تصنيف دول العالم وفق معاييرها، وأنا لا أنفي أنه ليس لدينا فساد، فلو لم يكن لدينا فساد لما وظفنا هذه الساعات في مجلس الوزراء، وكان موضوعاً وحيداً لدى كل الوزرات، وأخذ رأي كل وزير كيف نعمل لمكافحة الفساد، والحقيقة أن العديد من مظاهر الفساد موجودة شئنا أم أبينا ولا حاجة لأحد أن يقنع الناس بأن الفساد موجود، المهم في وزارة المالية أولاً أن نمنع الفساد من خلال توضيح المراسيم.

  هل تعتقد بأن القوانين تمنع الفاسدين من الفساد؟ ما هي المعايير التي يمكن أن توضح بأن الفساد انخفض في سورية؟

 إذا كان الحديث عن وزارة المالية هذا كلام سليم، بالطبع الفساد انخفض، وهناك قوانين ستظهر وسينخفض أكثر فأكثر، لأنه فيما يتعلق بالضرائب هناك 27 مرسوما وقانون ونص تشريعي موجود عبر الزمن منذ 1949 وحتى اليوم، والآن هناك لجنة تشريعية لجعل كل ذلك قانوناً واحداً يفهمه كل الناس، فالفساد يأتي عندما يصعب على المكلف الذي يجب أن يدفع الضريبة فهم هذه القوانين، فهو يلتجأ إلى ذلك الموظف أو الخبير أو المعقب ومن هنا تفتح المنافذ للفساد، لكن عندما يكون هذا التشريع واضحاً للجميع لا يمكن لأي موظف أن يستغل جهل الآخرين في ذلك، هذا حل من الحلول لسد منبع من منابع الفساد، بالإضافة إلى ذلك يجب أن تعطى الأجهزة الرقابية  الصلاحية كاملة.

  سيادة الوزير، أليس الفساد مكشوفاُ في دوائر المالية؟ كيف سنقنع المواطن بأنه ليس هناك فساد؟ وهو يلمس ذلك من خلال الرشاوى؟

 من الذي يدفع الرشوة؟ المواطن، المواطن مقتنع عندما يضطر لكي يدفع رشوة من أجل عملية معينة، فهو ليس بحاجة للإعلام أو لنا لأشرح له بأن هناك فسادا، ولكن يجب على هذا المواطن أن يتبع الأصول القانونية، لماذا هو يضطر إلى دفع رشوة؟ ومكتب الوزير مفتوح منذ اليوم الذي توليت فيه الوزارة، وليس هناك أي شخص لم أقابله، طالما أنه أتى من أجل قضية معينة تخص وزارة المالية، وقد تمت المتابعة سواء في الجمارك أو المصارف أو دوائر المالية.

  يعني إذا كان هناك حالة فساد، يستطيع المواطن أن يدق باب الوزير مباشرة؟

نعم، وعلى العكس أنا أبحث عن ذلك.

  هل هناك حالات فردية تمت معالجتها؟ لماذا لا يكون هناك قائمة سوداء بأسماء الفاسدين؟

في الواقع تم إنهاء تكليف العديد من الأشخاص ومنهم معاونو وزير وليس فقط موظفين. وهذا ظهر على وسائل الإعلام المختلفة، كما تم حل العديد من الإشكالات الموجودة وبالفعل ضمن القوانين والأنظمة، حيث وجدنا أن هناك بعض الأمور القانونية التي بحاجة إلى تطوير، فطورناها لأنها كانت غير واضحة، وتعدلت العديد من التشريعات منعاً لأي خلل، والآن كل مديريات المالية في سورية هي تحت المراقبة اليومية سواء على الهاتف أو التقارير، وأنا أتلقى الشكاوى رغم أني وزير ولدي أعباء كبيرة، وبالفعل أطلع على هذه الشكاوى وأعالجها ليس بالضرورة بنفسي ولكن هناك ملخصا للشكوى والمعالجة وأقيمها بعد ذلك. ويساعدني بها المعاونون. وأنا أتمنى من كل المواطنين أن لا يدفعوا الرشاوى لأن مشكلتهم مهما كانت ستحل طالما أنها بالقانون، وإن لم تكن قانونية حتى لو دفعوا الرشوة سيكتشف ذلك لاحقاً.

  المواطن مضطر لدفع الرشاوى فهو ليس وزيراً؟

مكتب الوزير مفتوح، وأسأل الآن من هو الشخص الذي لم نقابله حتى اليوم ورفض الوزير ذلك منذ اليوم الأول لي هنا وأنا مسؤول عن كلامي.

  الجميع يتفق أن زيادة رواتب الموظفين عامل أساسي في مكافحة الفساد، هل توافق على هذا الرأي أم أن لديكم رؤية أخرى؟

هذا الكلام صحيح من حيث المبدأ، فالفقر بالدرجة الأولى قد يفتح أبواب الفساد، مهما كانت الأمور، فأنت الآن تتحدث بعد أكثر من سبع سنوات ونصف من الحرب على سورية، مع ذلك الدولة قادرة على رفع الرواتب، ولكن هناك دعم اجتماعي يقدم ليس فقط للموظفين وإنما يدعم كل المواطنين، وهذا الدعم يكفي لزيادة الرواتب 200% وليس 100% على الأقل، والحكومة قادرة على ذلك إذا توقف الدعم الاجتماعي، ونقصد بالدعم الخبز والكهرباء والمشتقات النفطية فقط، فهذه يخصص لها 4 مليار كل يوم، أي1400 مليار سنوياً، في حين أن الرواتب والأجور تبلغ بالمتوسط مع التعويضات  نحو 1000 مليار، ولكن إذا أردت زيادة الرواتب فالتعويضات لن ترتفع كلها بنفس النسبة، يعني أنت تتحدث عن الزيادة 100% فستكون الزيادة بحدود 700 مليار، وأنت لديك دعم اجتماعي بحدود 1400 مليار، أي أصبحت الزيادة 200% لو أردنا ذلك. ولكن هل توافقون على وقف الدعم الاجتماعي؟ إذ أن زيادة الرواتب ستكون فقط للموظفين الحاليين الموجودين على رأس عملهم، ماذا نقول للموظفين أو القادرين على العمل ولا يجدون فرص عمل؟

  في تصريح لك منذ أيام تقول فيه أن الرواتب الشهرية في الدولة تعادل ثلث الموازنة العامة وفي حال زيادتها 100% فهذا يعني أنها ستأخذ ثلثي الموازنة من دون أن يبقى شيء للخدمات الأخرى، هل هذه حجة الحكومة الجاهزة لعدم زيادة الرواتب بشكل منطقي، وفي المقابل تعاني مدن وأرياف سورية من نقص حاد في الخدمات؟

في بداية الحديث تحدثت عن أن الحكومة تعد الموازنة بعد اجتماع المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي، والتي تناقش بعد ذلك في الحكومة وتصدر كموازنة  وكخطة عمل ثم تناقش في مجلس الشعب ويتم التصويت عليها، ونحن نحدد مسبقاً أين سنوظف هذه الأموال، وهو عمل منهجي بحت، فقد كانت الموازنة العامة للدولة لعام 2018 بحدود 3187 مليار ل.س، في حين أن الرواتب والأجور تبلغ أكثر من 1000 مليار لأنها تدفع أجور للعاملين في القطاع الاقتصادي والإداري وبالإضافة إلى الرواتب المختلفة التي فرضت على الدولة تسديدها، كذلك لدينا معامل مدمرة وكنا ندفع الرواتب والأجور للعاملين وهم في بيوتهم.

  زيادة الرواتب تهم الناس فهذا الموظف لديه عائلة

شيء طبيعي، ونحن نحترم هذا الموظف وترفع له القبعة أنه خلال الحرب بقي على رأس عمله، لا محالة يجب أن يتم زيادة الرواتب، ولكن هل يعني زيادة عدد الورقات التي يحملها الموظف في يديه؟ هل هذا المقصود في زيادة الرواتب؟ أم أننا نريد زيادة حقيقية للرواتب؟ الزيادة الحقيقية تأتي من أمرين: الأول، زيادة الإنتاج وخفض الأسعار، فحتى لو أبقيت الرواتب على حالها وخفضت الأسعار فهذا يعني أن الرواتب زادت بشكل حقيقي، أما الحل الثاني أن تزيد عدد الوحدات النقدية التي يقبضها الموظف، والحلان الآن موجودان على طاولة مجلس الوزراء، وزيادة الرواتب يتم الاستعداد لها.

  هل هناك جدول زمني لزيادة الرواتب؟

لا، وفي الواقع أنتم تظلمون وزارة المالية ووزير المالية لأنه لا يزيد الرواتب، فزيادة الرواتب هذه عبارة عن سياسة اقتصادية وبالنهاية سيصدر مرسوم في هذا الوضع وكل الجهات على إطلاع وعلى معرفة وليست بحاجة أن تقول الناس بأن الراتب لا يكفي وهو أمر مفروغ منه، ولكن أنت الآن مطلوب منك أن تنفق من أجل حماية الوطن، وبالمقابل زيادة الرواتب لا محالة ستأتي وأنتم تعرفون بأن المرسوم الذي صدر شمل العسكريين من الجيش، والبعض يقول بأن الموظف العادي يضحي ونحن نقول هذا صحيح بالطبع، لأنه يتحمل الكثير وأنا شخصياً أوجه له التحية بأنه صبر خلال كل هذه الحرب.

  هل تكفي التحيات لتحسين حياة الموظف. سيادة الوزير؟

بالطبع التحيات لا تكفي الموظف، ولكن أنا لست بحاجة أن أشرح لكل الناس بأننا في حالة حرب، علينا أن نتكاتف جميعاً وأن نعود لمكافحة الفساد لأنها ستؤدي لا محالة إلى تمكين الحكومة من زيادة الرواتب، فعندما نحصل الآن على الضرائب الصحيحة من المكلفين وحتى من القطاع الخاص، فالبعض تضرر في هذا القطاع فكما يطالب الموظف بزيادة الرواتب، نجد أن المكلفين في الضرائب من أصحاب الأعمال يطالبون الدولة بإعفائهم من الضرائب، تخيل هذين الأمرين؟ الموظف يطالب بزيادة الرواتب، وذاك يطالب بالإعفاءات؟، من الطبيعي أن هناك معامل تضررت وتهدمت والآن نحن نساعدها بالأنظمة والقرارات وبالبلاغات لإعادة بناء المعامل.

   هناك تصريح لحاكم مصرف سورية المركزي دريد درغام يقول بأن راتب الموظف يجب أن يكون 300 ألف ل.س لكي يشتري منزل عندما يكون الحد الأدنى لشراء منزل هو 20 مليون ل.س، ما رأيكم في هذا الكلام؟ هل من المعقول أن يبلغ التضخم 10 مرات، وتتضاعف الأسعار 10 أضعاف في حين لا يتجاوز راتب الموظف 30 ألف ل.س؟

السيد الحاكم ينطلق في ذلك، من أنه عندما يريد المواطن أن يحصل على قرض من أجل تمويل عملية الشراء والاقتطاع بالمقارنة مع راتبه الحالي، ومن الطبيعي عندما يكون سعر المنزل بهذا الرقم، فأنت لست بحاجة، مع احترامي للسيد الحاكم، إلى إنسان يوضح لك كل هذه الشروحات، بأن هذا الراتب لا يكفي لشراء منزل ولكن ماذا تفعل الحكومة الآن؟ الحكومة من خلال لجانها المختلفة ووزارة الإسكان تبحث حلاً عبر بناء مساكن بدعم حكومي من أجل تخفيضها وتقسطيها على السادة المواطنين، ومن جهة ثانية في حال زيادة الرواتب سيكون المواطن أكثر قدرة على شراء منزل.

  في العودة إلى تصريح الحاكم يقول فيه أن لدى الحكومة ،ولم يقل فقط المصرف القدرة على تخفيض قيمة الدولار إلى 200 ل.س، لكن ما يمنع ذلك هو التخوف من مضاعفة الأثرياء وتجار الأزمة لثرواتهم؟ هل هذا يعني أن لدى الحكومة القدرة على تخفيض قيمة الدولار لكنها لم تفعل طيلة الأزمة؟

أنت تعلم بأن سعر الصرف في الحقيقة إما أن تقوم أنت كجهة وصائية حكومية بالسيطرة  عليه أو تركه للتوازن الاقتصادي.

  ماذا نفعل كحكومة نسيطر عليه أم نتركه للتوازن؟

الحكومة لديها لجان متابعة وتتابع بدقة هذا الأمر، لأن سعر الصرف تماماً مثل «الضغط» ولو أني لست طبيباً، فالضغط عندما يرتفع ارتفاعاً كبيراً فهو مضر بالصحة وعندما ينخفض بشكل مفاجئ يضر أيضاً، كذلك يضر تغير سعر الصرف بالاقتصاد الوطني، لذلك يجب أن يكون هناك توازن إذا أردنا تخفيض سعر الصرف بشكل اقتصادي فيجب أن يكون على مراحل، بحيث لا يتأثر الاقتصاد الوطني.

  هل نستطيع تخفيض قيمة سعر الصرف؟

 نعم بالطبع كل دولة تستطيع ذلك، ولكن هذا يحتاج إلى أجهزة رقابية.

  ألا نملك الأجهزة الرقابية الكافية بعد لذلك؟

من الممكن، ولكن هل هذا هو المطلوب الآن؟ هل هذا هو الحل الصحيح؟

  هل ستنخفض قيمة الدولار في سورية؟

لا يمكن لإنسان أن يجيبك على هذا السؤال، لأننا لم نحدده بشكل قرار حكومي كوننا تركناه للتوازن، والتوازن أكثر استمرارية.

  ألا يعد ترك سعر صرف الدولار للتوازن الاقتصادي تهربا للحكومة من مسؤولياتها؟

لا أبداً، في كل بلاد العالم، فقط دول معدودة على أصابع اليد هي التي تتحكم في الحقيقة بسعر الصرف بقرار إداري وإنما تتركه بقية الدول للتوازن الاقتصادي، فعليك أن تطور الاقتصاد فيتحسن سعر الصرف، وعندما تنتج وتصدر نجد أن سعر الصرف يتحسن تلقائياً.

  سابقاً، كان سعر الصرف يرتفع إلى أكثر من 500 ليرة، وقد يصل إلى 600 ل.س ثم ينزل إلى 500 ل.س بعد أيام، نتيجة أي حدث أو ضجة معينة؟ هل فشلنا في التحكم بسعر الصرف؟

لا ليس كل يوم، من الممكن أن يؤثر سعر الصرف إعلامياً على الناس من حالة الهلع، ولكنها لم تحدث حتى اليوم، بالعكس تماماً، فأنا أصرح بأن هناك أكثر من 1500 مليار ل.س  مودعة في المصارف السورية وهي كلها للمواطنين، هذا يعني بأن المواطن السوري يثق بمصارفه، وبالسياسة النقدية المتبعة. لولا ذلك لسحبت الأموال.

  بالمقابل نحن نعلم بأن هناك سوريين أودعوا مبالغ أكبر في المصارف خارج سورية من المودعة في المصارف السورية داخلياً مثل لبنان ومصر ودول أخرى؟

هذا كان سابقاً مع بداية الحرب، وأنا أقول لك بأن بعض الناس، وهنا أقصد التجار، سحبوا أموالاً كقروض من أجل أن يبنوا منشآتهم وحولوها للدولار وأثروا على حساب الاقتصاد وسعر صرف الدولار سلباً، من يحول أمواله إلى خارج البلد غير رجل الأعمال السلبي؟ حيث هرب أمواله بعد أن حولها إلى دولار وأودعها في الخارج.

  كيف يكون رجال الأعمال سلبيين وأنتم تؤكدون على دور القطاع الخاص والتجار في بناء الاقتصاد عبر إقامة المشاريع في البلد؟

هناك رجال أعمال ترفع القبعة لهم خاصة الذين بقوا في سورية حتى اليوم، فهناك رجال أعمال وطنيون وشرفاء تدعمهم الحكومة، لكن نتحدث عن أشخاص فاسدين أخذوا القروض وأتوا بالضمانات ثم هرّبوا الأموال إلى الخارج، وهذا معناه أن رجال الأعمال ليسوا جميعاً فاسدين.

   ماذا حل بقانون البيوع العقارية، ولماذا لم يصدر حتى الآن؟

أعدت وزارة المالية لجنة كبيرة من جهات عديدة في الحكومة واجتمعت هذه اللجنة لأكثر من مائة ساعة عمل حتى اليوم، وفي الواقع فقد تم تطوير قانون  البيوع العقارية، وهذا القانون سيعيد تقييم كل العقارات في سورية بالسعر الرائج، فالذي يحدث الآن عندما يذهب إنسان إلى المصرف ويحتاج إلى سحب قرض، بضمانة عقارية، والمصرف سيكلف لجنة لتقييم الضمانة وبالطبع عندما يكون هناك أشخاص مقيمون ستختلف بين مقيم وأخر، لكن بوجود القانون سيتم استخدام أحدث الأجهزة الإلكترونية الطبوغرافية لتصوير كل سورية وبعد ذلك استخدام نظام (GSI) وهو نظام عالمي، وكله سيكون مؤتمت بالكامل ولن تدخل اللجان إلى أي منزل ولا لأي محل تجاري، والآن تم وضع معايير دولية استرشادية في سورية من أجل تقييم العقارات.

  هناك تخوف من أن يرفع قانون البيوع أسعار العقارات؟

ليس هناك أي علاقة بين هذا القانون وأسعار العقارات، حتى الآن أنتم تحدثتم أو غيركم كوسائل إعلامية بأن أسعار العقارات ارتفعت، في حين لم يصدر القانون بعد، فكيف تقولون بأن الوزير صرح بأن العقارات لن ترتفع بمجرد صدور القانون وحتى الآن لم يصدر القانون، إذاً يجب أن تراقبوا ما يكتب على صفحاتكم لكي تكسبوا ثقة هذا المواطن، فحتى الآن صدر من وزارة المالية ونوقش في مجلس الوزراء ورفع، لكن هناك خط تشريعي لصدور أي قانون.

  هل هناك توقيت معين لصدور القانون؟

لا، وزارة المالية أنجزت المطلوب منها، لكن القانون في مآله إلى الصدور، وهناك جهات حكومية تنتظر بفارغ الصبر صدور القانون، لكن هناك من يريد أن يعرقل صدور هذا القانون.

  من هي الجهات التي تعرقل صدور القانون؟

لا أعلم هذه الجهات، أنتم، فقط أنتم، فوسائل الإعلام تقول بأن ذلك إما سيرفع أسعار العقارات أو سيخفضها.

  هل تتهم وسائل الإعلام سيادة الوزير بالعرقلة؟

غداً إذا ارتفعت أسعار العقارات ستقولون بسبب القانون، وإذا انخفضت أو ارتفعت إيجارات المنازل ستلومون القانون أيضاً، وهذا الكلام لا يجوز لكي نكون أمام ثقة المواطن.

  بالانتقال إلى قانون الضرائب، يرى بعض أعضاء مجلس الشعب أن سورية أكثر دول العالم تخلفاً من ناحية النظام الضريبي إلى جانب ليبيريا؟ كيف تعلقون؟ هل هناك أي تطورات في التشريعات الضريبية؟

القانون الضريبي السوري يعتمد على الضرائب النوعية، أما أن تكون أكثر تخلفاً فهو يرتبط بالشخص الذي يقيمه والمعايير التي ينطلق منها، وأهم شيء في القانون الضريبي هو العدالة الضريبية وليس الجباية أو معدلات الضريبة، فعندما يكون قانون الضرائب عادلاً وواضحاً وشفافاً هذا يعني أنك قضيت على نسبة كبيرة من التهرب الضريبي.

  لكن القانون غير عادل وغير شفاف؟ فأصحاب الدخل المحدود والمهن الحرة يدفعون ضرائب أكثر من أصحاب رؤوس الأموال؟

هذا رأي أساتذة في كلية الاقتصاد بأن ضريبة الدخل المقطوع وجدت منذ عام 1949 ولم يتم التخلي عنها، وهي تشرعن الفساد!

ليس ضريبة الدخل المقطوع فقط، نحن في سورية نعتمد أسلوب الضرائب النوعية وطبعاً منذ بداية عمل هذه الحكومة بدأنا بتعديل هذا القانون، فالقانون الضريبي وجد منذ سنة 1949 وتم تعديله بشكل طفيف حتى اليوم، وتعديله ليس بالأمر السهل على الإطلاق، أنت ببساطة يمكن أن تصيغ قانون في أسبوع واحد، لكن يجب أن تدرس الواقع بشكل جيد، ونحن قمنا بدراسته وحددنا ما هي الأساليب التي يجب اتباعها، فعندما تضع قانونا يجب أن تفكر كيف تطبقه، وهذا القانون نهتم به لأنه سيعتمد الأساليب الإلكترونية لأول مرة في سورية، والتحقق سيكون إلكترونياً، والمقترح الآن من قبل اللجنة الاعتماد على ضريبة المبيعات، ولكن أنا لا أقول بأن ذلك سيتم صدوره كما هو.

  تُتهم وزارة المالية بأنها وزارة جباية، همها فقط هو تحصيل الإيرادات، وقد برز ذلك عندما تم رفع قيمة الانفاق الاستهلاكي والخلاف مع جمعيات الصاغة؟

الجباية إجبارية وقانون جباية الأموال مسؤولة عنه وزارة المالية، ووزارة المالية ليست وزارة جباية ولا علاقة لها بالموضوع، إذ أن هناك هيئة الضرائب والرسوم المستقلة إدارياً ومالياً عن الوزارة، ومن مسؤولياتها التحقق والجباية وليس فقط الجباية، والآن نعمل على تعديل قانون الضرائب لكي يكون أكثر عدالة.

 وفيما يتعلق برفع قيمة الإنفاق الاستهلاكي على جمعيات الصاغة، فبالعكس هذه ميزة أعطتها وزارة المالية للسادة الحرفيين، ونحن نطالب أن نعود إلى القانون بحذافيره ولا أن نعتمد على اللجان بتحديد هذا الرقم، أما الحرفيون فقالوا بأن الرقم عال جد، وتوصلنا بعد عقد اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء والوصول إلى اتفاق معين يزاد كل ستة أشهر بموافقة الصاغة، بالاعتماد على حجم ما يتم صياغته ولدينا معلومات بأن هذا الحجم زاد.

  هناك تصريحات مثيرة لحضرتك وأحدثت ضجة في الإعلام: في جلسة لمجلس الشعب قلت «لا يوجد في سورية أحد جائع، وبأنك شخصياً تجوع كثيراً، لكن لا تجد وقتاً للأكل».

هل تعتقد الآن بأنه لا يوجد جوع في سورية وأكثر من 82% من الشعب يعيش تحت خط الفقر بحسب إحصائيات لمنظمات دولية؟

أنا لا أثق بالمنظمات الدولية كثيراً عندما تتحدث عن سورية، كفانا منظمات دولية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في سورية، نحن نقول إن الدولة تحارب لأكثر من سبع سنوات، وطبيعي أن ذلك سيؤثر على المواطنين وعلى طريقة العيش، كيف كان المواطن يعيش قبل الحرب؟ لكن الأسرة السورية معروفة بأنها اقتصادية ومدبرة، وكلمة جوع تختلف من شخص لآخر، كما أن  ربطة الخبز تبلغ 50 ل.س والآن سينشرها الإعلام وسيطبلون ويزمرون بأن وزير المالية يريد من الشعب أن يأكل الخبز فقط، لكن في الحقيقة ما زالت الحكومة تدعم المواطنين والفقراء من خلال الدعم التمويني للخبز الذي لم ترفعه حتى الآن، وهذا الأمر أنتم لا تظهرونه كثيراً في الإعلام مع الأسف الشديد، ماذا تعني كلمة جوع؟ يجب أن نفسر كلمة جوع؟ الآن سيقال بأن وزير المالية لا يفهم ما هو المقصود بالجوع لأنه لا يجوع، وستنشر على الملأ، صحيح بأن هناك حياة اجتماعية صعبة لدى البعض، ونحن كحكومة ليس من مهمتنا التوصيف، أو أن نذهب إلى دول العالم لكي تعلمنا بأن هناك جوعا أو ليس هناك جوع، المهم أن نوجد الحلول عبر إيجاد فرص عمل، فلا يمكن في سورية أن يكون الإنسان قادراً على العمل ويجوع، إلا إذا كان لا يريد أن يعمل.

لا يمكن الاعتماد على أي بيانات دولية، نحن اطلعنا على وسائل الإعلام كالجزيرة والعربية وغيرها، ولو صدقنا كل شيء لاختلف الوضع بشكل سلبي في البلد.

  فيما لو لم تكن وزيراً للمالية، فما هي الوزارة أو الموقع الذي تعتقد بأنك ستكون وتنجح فيه؟

أستاذ جامعي. وأنا ما زلت أستاذاً جامعياً حتى اللحظة وأدرس في الجامعة.

  في ظل الأحاديث عن تغيير حكومي قريب، هل تعتقد بأنك ستكون ضمن التشكيلة الوزارية الجديدة؟

عندما يكون وجودي لدى القيادة مهماً وضرورياً فسأبقى طبعاً، فكل الوزارات والمناصب هي مرحلة من الزمن، ولو دامت لأحدهم لما وصلت للآخرين.

محمد الواوي 
 

20 أيار 2018

   

 ملهم الصالح

سوريته في وجدانه وفكره، طموحه أن تحقق الموسيقى السورية موقعاً متقدماً في ركب الموسيقى العالمية، لا يزال مرتبطاً في أذهان السوريين بـ (جبهة المجد، الجواهري، السيمفونيات، الربان والعاصفة)، تتتالى نجاحاته محققة حضوراً طاغ في محافل ومهرجانات عربية/دولية،  ضيف دائم على مهرجان الموسيقى العربية في القاهرة، ما أن يُعلن عن حفلته حتى تنفذ البطاقات، تتناقل أخباره وسائل الإعلام العربية، ويسعى كبار الإعلاميين العرب لاستضافته في برامجهم، مقابل غياب تام عن المشهد السوري، وتزعم صحيفة (القدس العربي): بأن غيابه عن الشاشة السورية منذ عقدين تقريباً، يعود لتمسك التلفزيون السوري بقرار قديم لأحد المدراء يشطبه فيه. وبحسب ذاكرته وذمة العم (غوغل) آخر حوار صحفي جمعه بالإعلام السوري (الخاص) منذ 11 عاماً.. علامات استفهام وتعجب كثيرة يثيرها التعتيم الذي يغيّب كنزاً وطنياً هاماً، لذا زارت «الأيام» الموسيقار صفوان بهلوان، بحثت في أسباب غيابه، حاورته في تجربته، واستفسرت عن جديده وتطلعاته، ونظراً لمحدودية المساحة المخصصة، ننشر من اللقاء الأبرز.

البحر ملهمي وأرواد ريشتي...

التي أشجب بها لوحاتي، نافذتي التي أستلهم منها خواطري، والفنان الحقيقي: ابن لواقعه وبيئته، ولابد لهذه البيئة والواقع أن يصطبغا في نتاجه الفني، كما في سيمفونية (الربان والعاصفة)، بنيت معمارها الدرامي والأوركسترالي على جملة بسيطة يرددها البحارة في (أرواد) منذ مئات السنين: (هيلا هيليسا)، العمل مغرقٌ في محليته ليصبح اليوم عملاً تتداوله دور الأوبرا في العالم.

لوحاتي مبعثرة...

أرسم الواقعي والتكعيبي وأميل للتعبيري، سبق أن عرضت بعض نتاجي التشكيلي في (موسكو) منذ زمن بعيد، حاز استحسان النقاد والجمهور، لكني انكفأت لمدة طويلة عن الرسم، ودأبت على العمل في ميدان الموسيقى. ما أدى لانحسار تجربتي التشكيلية، باستثناء لوحة هنا وأخرى هناك تعيدني لميداني التشكيلي الذي أحب.

مشكلة الفن التشكيلي بالنسبة لي أنه يتطلب معدات، أدوات، ومرسماً في جاهزية تامة، متاحاً لحظة تشاء. بطبيعة الحال لم يكن في نيتي الانصهار كثيراً في التشكيل خشية أن يكون على حساب الموسيقى، لكن هذا لا يمنع أن أنتج لوحة من حين لآخر. وبحسب رأي المقربين وأصدقائي التشكيليين حققت مستوى عال، وأذكر شهادة الراحل المبدع التشكيلي (نذير نبعه) والتي تعني لي الكثير: «لم أرَ أحداً يرسم بهذه الدقة، (منيح اللي الله أخدك ع الموسيقى)».

«بهلوان» اليوم؟

أنا في حالة دائمة من التفاعل الفني: غناءً، تلحيناً، وتأليفاً، (سواء كان للنشر أم الاختزان على رفوف مكتبتي حتى يحين أوان ظهوره)، وحضوراً على خشبات مسارح متنوعة في العالم العربي، ومؤخراً عُزِفت بعض مقطوعاتي في أستراليا، ويبهجني أن تصبح أعمالي تراثاً إنسانياً.

ألهمتني حميمية العلاقة بيني والعود بنص شعري أعمل على تلحينه حالياً، مطلعه: (أذيب الليل في لحني وأسكبه على عودي/ فيصحو الفجر من وسن على نغمي وترديدي/ فإن تعب الهوى فينا سيحيا في أناشيدي).

لم يشغلني التلحين وغناء تراث الموسيقار (محمد عبد الوهاب) عن مشروعي في التأليف الموسيقي، فقد أضفت لرصيدي الكثير من المؤلفات: سيمفونية أوغاريت، نشيد العبادات الأوغاريتية، أذان إبراهيم، وأعمل حالياً على كتابة باليه.

الكثير من الأفكار أبقيها طي الكتمان كي لا تسرق وتشوَّه. في رأسي مكنون هائل يضج في نفسي يؤهلني لأجعل من سورية قبلة موسيقية متحضرة تشع على الوطن العربي.

لدي استعداد أن أقدّم كل سنة عملا سيمفونيا وبمستوى عالمي، ليقدّم في أهم دور الأوبرا، لكن! تعوزني الإمكانيات.

موسيقى وأغاني اليوم...

في حالة تخبط واضطراب وانحدار، ويعود ذلك للتردي والاضطراب السياسي والاقتصادي الذي تعاني منه الأمة العربية، ويحضرني قول لحكيم الصين (كونفوشيوس): «إذا أردت أن تتعرف لما توصلت إليه الشعوب من حضارة ومدنية فاستمع لموسيقاها»، الشعوب تنتج فنونها وموسيقاها وفقا لما تؤول إليه الحال من سلب وإيجاب.

لا شك أننا بحاجة لإعادة إحياء التراث الموسيقي العربي والنهوض به، ليكون حافزاً وملهماً لمبدعين جدد، ومنطلقاً لثورة موسيقية متجددة نابعة من الأصول، ويبقى كل ما دون ذلك فوضى تدور في خواء، وهو حال موسيقانا اليوم.

الفن والراهن السوري...

لا يستطيع أن يصنع شيئاً سوى تجميل مؤقت لوجه جميل شوهته حرب لعينة، الموسيقى ليست علاجاً آنياً بل استراتيجياً، لا تنمو الموسيقى في الجحيم، ينبغي أن يكون الفن حاضراً متواجداً بكل ما أوتي من جمال قبل حدوث ما حدث، ليصنع إنساناً حضارياً راقياً يشكل حصناً يحول دون وصول سورية لما آل إليه الراهن الذي يحتاج لإسعاف فوري من جهات كبرى، ودول عظمى قادرة على علاج ما نحن به اليوم، وليس إلى عطر أو وردة، نزين بها جريحاً أحوج ما يكون للمعالجة والدواء العاجل.

«جبهة المجد»...

لا شك أنها شكّلت فتحاً في الأغنية الوطنية السورية، وتقديم أعمال وطنية بذات السوية هو مشروع ضخم يتطلب تبنّي جهات مختصّة حكومية مؤسساتية وطنية وربما عربية ودولية، لما تحتاجه من مجهود معنوي وإمكانيات مادية كبيرة، أما الجانب المعنوي الإبداعي فأنا كفيل به، ويبقى التحدي الأكبر في التنفيذ (تأمين الإمكانيات والشروط الفنية/التقنية والمادية)، لا سيما وأنها أعمال ذات أهداف ثقافية وطنية استراتيجية غير ريعية.. التبني الحكومي والمؤسساتي حاضن وحامل أساسي للملاحم الوطنية الغنائية، ودونه لا يمكن لتجربة الغناء الملحمي الوطني السوري أن تخطو قيد أنملة، ولا أخفيك كتبت العديد من الأعمال الموسيقية الوطنية وإلى هذه اللحظة لم يأت من يخرجها من غياهب الورق إلى حيز النور.

بعض أصحاب القرار...

يتعاملون مع المؤسسات التي يديرونها كما لو أنها ملك شخصي، غُيّبت عن مكان بعينه فاستُغل غيابي، تخيّل! لم أدع لأي نشاط فني في بلدي منذ عقدين تقريباً، علماً أنّ أغلب وقتي أمضيه في (أرواد) أو قريباً منها. إلا أن ذاك الغياب لم يكن إلا حضوراً واسع الانتشار في فضاءات أخرى، ولكن من ظن أنه غيّبني فقد غيّب نفسه.

شخصياً لست حزيناً، لأني أملك بدائل وفضاءات عدة، تتسابق وتسعى لاستضافتي والاحتفاء بي بالشروط المريحة والمغرية. وعندما أصبح المناخ غير صالح للتفاعل؛ ولئلا يشعر من غيّبني أنّه أصاب هدفه؛ بحثت عن مكان آخر، لأزرع فيه غراسي، فنمت وتطاولت وآتتني جناها.. لكن المحزن حقاً أن من يتولون شؤوننا في بعض المواقع يتحملون مسؤولية ضياع وانهيار المشروع الثقافي السوري، في سراديب المصالح الضيقة.

لماذا لا تبث أعمالي...

عبر الإعلام السوري؟ لا أعرف، أرد السؤال بسؤال، على الرغم من أن لديهم أرشيفي الكامل، وأعمالي الغنائية والموسيقية وطنية، ومُوّلت بسخاء، لكنها لا تعرض.

«ملحمة تموز»: عمل كتبته بمناسبة انتصار المقاومة على الإسرائيلي في 2006، نفّذته على نفقتي الخاصة (والحري بالجهات المعنية تنفيذه)، ثم أهديته للإذاعة والتلفزيون السوري، لكنه لم يعرض. وهو ما أثّر سلباً على نفسيتي، لا سيما وأنني لا أنتظر منهم أي مقابل.

مخجل أن تحكم المسألة قضايا شخصية، فلو أن المؤسسات الإعلامية والثقافية ملكاً شخصياً لكان لهم الحق أن يتصرفوا فيها حسب نوازعهم الشخصية، علاقاتهم، وغاياتهم.

تسجيلاتي، أعمالي، حفلاتي تعرض على القنوات الفضائية العربية، (روتانا) مثلاً تبثها يومياً، على الرغم من أن لا صلة لي بهم. أغلب لقاءاتي الإعلامية: عربية، كما أنه يسر يحزن، يسر أن الآخرين يقدرون إبداعك وعطاءك، ويحزن أن بلدك لا تعرف من أنت.

وأهم من ظن أنه يئد ينبوع إبداع، لأنه إن حبسه في مهده، تفجّر في مكان آخر، ومن ظن أنه حرمني من ساقية فأنا اليوم أعوم في محيط. وتستقبلني أهم المسارح، وقاعات الشرف.

الفرقة السيمفونية السورية...

يحزنني أنه منذ تأسيسها ولغايته، أي بعد مسيرة تجاوزت الربع قرن لم تعزف لي عملاً واحداً، في حين عزفت أعمالي كبريات الفرق السيمفونية العالمية، وفي أكثر من عاصمة أوروبية، وتبقى تلك علامة استفهام وتعجب أضعها برسم التفسير من المعنيين.

همي مشروع موسيقي قومي، أسعى لإنجازه، أكتبه اليوم أنفذه لاحقاً لست أدري، جلّ ما أتمناه أن ينفّذ وأنا على قيد الحياة، لأشرف على إخراجه بالشكل الأمثل والأبهى.. لم ولن أعرض أو أطلب من جهة تقديم أعمالي، الأمر مرهون بأيدي من يملكون القرار، أنا موجود ومن أراد فليطرق بابي، في حال رغبوا بتقديم أعمالي أبوابي مشرعة لأي دعوة لائقة وجدية.

أوبرا دمشق...

لا أعرفها ولا تعرفني، لم أكن حاضراً فيها أصلاً ﻷغيب عنها، بل لم تتم دعوتي حتى لافتتاحها التجريبي أو الرسمي (كمتفرج)، في حين أني من افتتح دار أوبرا الاسكندرية، ومعهد الموسيقى العربية في مصر بعد تجديده، ومتحف عبد الوهاب، بحضور رئيس مصر وكبار مسؤوليها.

لست زاهداً بالذواقة والجمهور السوري، وأوبرا دمشق تعنيني، أنا نجم أوبرا، موقعي وتنفسي فيها، يمنعني عنها أولئك الذين لا يهيئون هذا التواصل، بل يقفون حائلاً، المؤلم أن دار الأوبرا تفتح أبوابها للهواة وتدير ظهرها للمحترفين. ويبقى السؤال المعياري برسم الإجابة من المعنيين وإدارات الدار المتعاقبة: متى تتحول دار الأوبرا السورية من مستضيفة مستوردة، إلى مصدّرة للموسيقا والموسيقيين؟!

لا أشكو ولا أعاني من جراء إبعادي وإقصائي، ولكنه العتب، فـ (ظلم ذوي القربى أشد مضاضة)، يحزّ في نفسي أنني على ضفة نهر جار وأتيمّم.

مؤخراً! وجّه لي الصديق (أ.جوان قره جولي) مدير «دار الأسد» دعوة لإقامة حفل، فشكرته ووعدته خيراً عندما تتسنى الظروف المناسبة ويواتي المزاج العام.

لا أريد شيئاً شخصياً...

لم أطرح نفسي كفنان بورصوي يخضع لصعود وهبوط العرض والطلب ومتغيرات السوق، بل أنا صاحب مشروع وقضية مرتبطة بالوجدان والتراب، بغض النظر عن مردودها المادي، أنا كفيل بإعالة أسرتي. لكنني أخشى أن أموت وتموت معي كل أفكاري، ألحاني، ومؤلفاتي (غير المنفّذة)، مخطوطاتي القابعة على رفوف مكتبتي، والتي أحرص أن تخرج للفضاء العام لتبقى للناس، للتاريخ، وليقال هذه سورية التي ولدت فيها أول مدونة تاريخية (أوغاريت)، أليس حرياً بهذه البلد التي دوّنت أول نوتة موسيقية في العالم أن تحمل مشعل الموسيقى الوضّاء في الوطن العربي بل والعالم.

بطــــــــاقــــــة...

مطرب، عازف، ملحن، ومؤلف أوركسترالي، مواليد جزيرة أرواد (1953)، تتلمذ في طفولته على يد الموسيقي (محمود الحاج) في طرطوس، حاز المرتبة الأولى في برنامج للهواة (إذاعة دمشق- 1969)، التحق بمعهد الموسيقى العربية(القاهرة)، درس أصول الموسيقى العالمية على يد البروفيسور الإيطالي (كانشيلاريو)، تابع دراسة الأوبرا والهارموني في ألمانيا (المؤلف: هنريك فندش). عزفت أعماله في أهم العواصم الأوروبية (باريس، برلين، فيينا)، وأستراليا، والدول العربية: (مصر، لبنان، تونس، المغرب، اليمن). منحه الرئيس الراحل «حافظ الأسد» (الميدالية الذهبية) و(وسام سيف دمشق)، كرّمته محافل دولية، وجهات رسمية عربية عدّة، منح مفتاح الاسكندرية الذهبي، ونال لقب أفضل صوت عربي.


مقالة ذات صلة : الموسيقا السورية .. «إرث وواقع »
الصفحة 3 من 4
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…