14 نيسان 2019

الجرّاح: لماذا تتجاهل قنواتنا السورية "الكباريه السياسي" ؟!..

ثقافة الجد لم تعترف يوماً بالضحك، لأنها لا تحسن سوى فرض الوصايا وإعطاء الأوامر، لهذا أصاب الفيلسوف الروسي (باختين) حين كتب: "الحكم، العنف، السلطة، لا يتكلمون قط لغة الضحك".

في عصرنا الحاضر لا ريب أن أبرز فنون ثقافة الضحك: "الكباريه السياسي": (شانسونيه)، الذي يحمل لواء الضحك ضد لواء الجدّية والنفاق السياسي، موجهاً سهام نقده لساسة اليوم، معَبراً عن معاناةِ الشعب في حياته الاجتماعية، عبر مقاطعَ ساخرةً لاذعة، تحوي نقداً سياسياً واجتماعياً جريئاً، منصته: المقاهي والساحات العامة، يتميز بالكلمة الجريئة الناقدة.

الحروب جعلت من اللعبة المسرحية أداة لفضح الواقع وتعريته، باعتبارها استعارة تجسيدية من خلال تقنيات المسرح داخل المسرح، واللجوء إلى المبالغات الكاريكاتورية الساخرة، والمزج بين الكوميديا والتراجيديا، واختراق الحائط الرابع، وكسر حاجز الإيهام، وغيرها من الوسائل المناسبة.

 

النموذجُ السوري القريب

من الذاكرةِ لـ "الكباريه السياسي": "مسرح الشوك" الذي حاولَ من خلالهِ الراحل (عمر حجو ودريد لحام)، مع كوكبة من الفنانين تقديم نوع ثالث يَمزُجُ بين المسرحَينِ النخبوي والشعبي، اعتبرَ النُقاد "مسرح الشوك" من أهم الإبداعات الدرامية السورية في مجالِ الكوميديا السياسية، حيث يُخاطِبُ ذهنَ المتفرج ويعمل على تنويره، ويحركُ وجدانه وإحساسه، ويدافع عن الإنسانية بتحديدِ الواجبات والحقوق، مع اعتمادِهِ على الممثل الكوميدي الساخر مستثمراً الفنون الشعبية من غناءٍ وشعرٍ ورقص وزجل لتوصيلِ فكرته مستخدماً الحوارَ اللغوي في تقديمِ فُرْجَتِهِ.

 

أسهَمَ "مسرح الشوك "

إلى حدٍ كبير في عمليةِ إصلاحِ العيوب، وخَلَقَ الجرأةَ لدى البعض في التعبيرِعن مشكلاتهِ وطرحها أمامَ المسؤولين، ومن هنا كانتِ الدعوات لتكرارِ تجربته، فهو لا يقعُ ضمن أطُرٍ نقدية، بل هو مسرحٌ مفتوحٌ يقومُ على التجربةِ المستمرةِ المتطورةِ بحسب مقتضياتِ الموقف، وتبعاً لأزمنةٍ مختلفةٍ في أماكنَ مختلفة.

ويعتبر النجم الكوميدي (محمد خير الجرّاح) من المرشحين القلائل للتصدي لعروض من طراز "شانسونيه"، لرصيده الفني الكبير، ولمحاولاته المتعدّدة في هذا المضمار، آخرها: "السيرك الأوسط"، وعليه التقته "الأيام" في ردهة (فندق الشام)، حاورته، وننشر من الحوار ما تسمح به المساحة المخصصة.

 

مسرح الكباريه السياسي

بالمعنى المنوّع، وجرأة أعلى من تلك المقدّمة على المسرح التقليدي، يناقش الإنساني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والهم العام. لا شك بأن الأشقاء في لبنان ومصر قطعوا شوطاً طويلاً في هذا النوع، مع اختلاف الشكل أحياناً بحسب طبيعة المجتمع  الذي ينتجه.

أتساءل: لماذا لا تنتج قنواتنا التلفزيونية السورية هذا النوع؟!.. كحال أغلب وأشهر المحطات اللبنانية والمصرية، فريق يقدّم عرضاً أسبوعياً ناقداً، يتناول الحار والساخن من الأحداث والحياة الاجتماعية.

مع التنويه إلى أن بعض العروض تم استيرادها وقدّمت في سورية، ما يشير إلى أنها مطلوبة ولها جمهورها، بالتالي لا بد لهذا النوع أن يكون متوفراً وحاضراً. جرّبناه في سورية، البعض قدّمه على خشبات المسارح، بالنسبة لي سبق وقدّمت تجربتين، "سمح في سورية" عام 2001، لمسنا استحسان الأغلبية، البعض شكّل له صدمة، كونه لم يعتد ذلك في مطعم.

 

"الشانسونيه": خلطة

من أنواع الفرجة، مطلوبة ولها جمهورها في كل العالم، بعض العروض قد تغرق في تناول الجنس والاستعراض والإيحاءات، والحقيقة كثر يطالبوني ويسألوني: لماذا لا تتوفر لدينا هكذا عروض؟ سابقاً كثرة مشاغلي لم تسمح لي بالتفرغ للقيام بهذا المشروع، ولكن باعتباري مرشحهم لتقديم هذا النوع، قررت العمل بشكل جدّي منذ أكثر من عام.

 

بدأت بتشكيل فريق

أغلبهم ممن له صلة بالكتابة أكثر من التمثيل، بسبب ندرة الكتّاب، فالكتابة لهذا النوع مربكة، كون معظم من يكتب محكوم لتربية أو أيديولوجيا، في حين يحتاج هذا النوع لكسر الأطر والانفتاح، فالكاتب يبدأ بفكرة مناسبة لكن فجأة (لا شعورياً) يعود ليسقط في المؤطّر والمؤدلج، بينما المطلوب أن يكون أكثر شجاعة وجرأة وقرباً من المتلقي، على ألا يغفل عن ملامسة هموم الناس والشأن العام، دون أن يكون موجّهاً فقط للجمهور المحلي، بل يلبي رغبة واحتياج المغترب السوري. قريباً تتبلور ملامح مشروعنا، من العنوان حتى أدق التفاصيل.

 

قدّمت (شانسونيه رمضاني)

العام الماضي في عمان -التي ينتشر فيها مثل هذه العروض- بعد وجبة الإفطار، مدته 50 دقيقة، مع فريق مصري إضافة للبناني وأردني، تجارب مشجّعة لها جمهورها، كما أن الناس تحب رؤية نجوم التلفزيون قريبة منها، وهو ما نسعى لاستغلاله في الذهاب لتلك المساحة التي يصعب أن تقدم عبر التلفاز والمسرح.

 

على مستوى المونولوج

(الأغنية الناقدة) أحاول أن أشكّل هوية خاصة تشبهني وتناسبني وتلائم تفكيري، أحب تناول ما هو اجتماعي وإنساني بقالب طريف، دون أن يحمل أية إساءة. أعمل على توظيف أغنياتي الناقدة ضمن لوحات تمثيلية، هناك سلّة من الأغاني (7 أو 8) لم أطلقها بعد، تنتظر أن ترى الضوء، ما يعيق إنتاجها عدم توفر الكلفة المالية لدي، (اللي بتشتغلو السمرا بتحطو بودرا وحمرا). ربما يكون مشروع (الشانسونيه) بوابة لإطلاق هذه الأغاني، كونها ليست أغاني كرنفالات، أو حفلات، بل تحتاج لفضاء خاص.

عَرَضنا منذ عامين ضمن مهرجان "كاريكاتير" ديو أنا وأخي (عمار)، برفقة المايسترو (عدنان فتح الله)، أخطط لعرض مشابه قريباً، يضم بعض فقرات العرض السابق إضافة لما أنتجته من أغانٍ جديدةٍ، وبعضاً من قديم والدي الذي يلامس حال اليوم.

 

عودة المسرح الخاص

بعد انقطاع سنوات الحرب، عبر عرضنا الأخير "السيرك الأوسط"، والذي يستأنف عروضه مع عيد الفطر المقبل، نجري بعض التغيّرات في فريق العمل، وشكل العرض، لكن المضمون الأساسي بقي ذاته، إضافة لتقليصه ليصبح أقصر زمنياً، مع إدخال بعض التعديلات تبعاً لأحداث ومستجدات المنطقة، مع تعديل الاسم إلى: "السيرك الأوسط الجديد".


 

بطاقة..

"محمد خير الجراح": ممثل ومونولوجست، مواليد حلب (1964)، عضو نقابة الفنانين (1987)، إجازة في (إدارة الأعمال)، نجل الممثل و المخرج المسرحي الراحل عبد الوهاب جراح، عمل مع أهم مخرجي الدراما السورية ونجومها، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، تنوّعت أعماله بين التراجيدي والكوميدي، وبين التاريخي والبيئة والمعاصر، شارك الأداء نجوم عرب كبار: كـ (دريد لحام، وعادل إمام)، تجاوز رصيده في الدراما التلفزيونية 200 مسلسلاً، إضافة لأعمال عديدة في المسرح والسينما والإذاعة، حاز جوائز عدة وكرّمته جهات رسمية ومدنية.

Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…