13 كانون2 2019

الكل يتحدث باسم الجمهور، وما يريده الجمهور بات الحجة الواهية لصناع الأعمال الدرامية، الذين يركلون خيباتهم في مرمى المشاهد على أنهم يلبون رغباته، والمؤلم أن الجمهور هو المغيّب الوحيد عن القرار في صناعة أي عمل أو الحديث عنه حتى بعد انتهائه، وبين شركات الإنتاج وصناع الدراما والنقاد، في حين يبقى المشاهد شاهدا صامتا فحسب. صحيفة «الأيام» أرادت من خلال استطلاع شرائح مختلفة من الجمهور أن تعرف رأيه بعيدا عن آراء النقاد وصناع الأعمال الدرامية:

المحامية فاتنة الكرمة وقفت في صف الأعمال السورية، مع أنها لم تتابع كل الأعمال باستثناء عملين «الواق واق» و»هارون الرشيد» فتقول لـ «الأيام»: تابعت «هارون الرشيد» لأن النص يتعلق بالتاريخ ولأنه إنتاج ضخم نسبيا، ويتحدث العمل عن مرحلة تاريخية مهمة وصراع سياسي. أثار فضولي حب السلطة للدرجة التي تقبل أم بقتل ابنها ليتسلم ابنها الثاني زمام السلطة، أما «الواق واق» فقد تابعته لأنه نص ممدوح حمادة وإخراج الليث حجو، واعتدنا على ما يطرحونه من نقد بشكل كوميدي ذكي، العمل يوضح كيف أن مشروع المدينة الفاضلة لا يمكن أن يتحقق رغم العدد القليل لسكان المدينة الذين سكنوا الجزيرة، إضافة للشخصيات التي اختاروها (خريجة معهد التمريض، واللص، المتدين المتطرف، رجل السياسة، والأفكار التي تطرحها أعمالهم تتعلق بالذات الإنسانية».

تضيف: «كان للدراما السورية سطوع حين كانت تطرح قضايا يتخللها قصص خفيفة الظل ومحتوى عميق، قبل أن يبدأ الاستخفاف بالمشاهد والمسلسل التلفزيوني، وتطرح البيئة الشامية بهذا الشكل بحيث أنها أساءت لتاريخ دمشق خاصة من الناحية الاجتماعية».

مدرّسة العلوم الطبيعية رغداء سلمون تابعت بعض الأعمال السورية «فوضى، رائحة الروح» لكنها وجدت أن فيها من المبالغة الكثير، وكأنها تريد أن تشد المشاهد رغما عنه، لدرجة أنها كانت بعيدة فيها عن الواقع السوري، حتى أن بعض الأعمال مثل «روزانا، فوضى» لم يكن التقطيع مريحا وكأن الأعمال من غير مونتاج. فالانتقال بين المشاهد حسب رأيها يجعلك تترك المتابعة، كما تابعت مسلسل «وحدن» لكنه جاء معقدا يحتاج لتفكيك وتحليل، إضافة إلى غيابه عن الواقعية واقترابه من قصص ألف ليلة وليلة والقصص الخيالية.

أما عن أعمال البيئة الشامية فتقول «ابتعدتُ عنها تماما ولا أعرف ماذا قدمت هذا الموسم، العمل الوحيد الذي تابعته بشغف مسلسل (الغريب) فقد أعجبني من حيث الحبكة وكان قريبا جدا من الواقع الذي نعيشه، إضافة إلى (شبابيك) وقصصه المتصلة المنفصلة التي تحدث أغلبها بلسان حالنا وقدم حالاتنا، لكن الحقيقة لم نستطع الانسجام مع الدراما السورية هذا العام، ولم نجد ما يشدنا لمتابعتها».

رجاء مصطفى رئيسة قسم التزويد في مكتبة الأسد الوطنية تؤكد: «تابعت هذا الموسم مسلسلات «ضبوا الشناتي، الندم، مذكرات عشيقة سابقة» ربما هي عوة للمواسم السابقة لكن هذا ما شدني للمتابعة لعدة أسباب، منها النص الجيد المحبوك، وجودة الإخراج، وأداء الممثلين، حتى أغاني الشارات والموسيقى التصويرية كانت جميلة، استطاعت هذه الأعمال النجاح والوصول لكل الشرائح دون أن تؤجج الأحقاد، قاطعت تماما مسلسلات البيئة الشامية وما تطرحه سواء على صعيد الحكاية أو الأداء، وابتعدت عن الأعمال الاجتماعية القائمة على الخيانة، وممثلات السيليكون وهي موجهة طبعا لشريحة المراهقين والجهلة».

تضيف: «الأعمال الدرامية المشتركة مثل (الهيبة، الطريق) لاقت نجاحا ومتابعة بسبب جمال الصورة، واستطاعت سحب الناس من الواقع الذي يعيشونه إلى واقع الحلم، لكن المؤسف أن نشاهد ممثلات وملكات جمال لبنانيات، لا يتقنّ فن التمثيل وقدراتهن محدودة، لكنهن تحوّلن إلى نجمات على حساب أداء الممثل والمخرج السوري، والكارثة أن مضمون هذه الأعمال فارغ وساذج، خاصة «الهيبة» الذي زاد بسببه عدد من يحمل السلاح. وتتمنى رجاء أن يبتعد المخرج السوري عن النصوص المستوردة، خاصة أن كتاب الدراما في سورية مميزين، فلماذا نستورد نص مثل (وردة شامية)، رغم الإخراج الجيد وأداء الممثلين المحترف لم يشد الجمهور، بصراحة نادرا ما تشاهد عملا يستحق المتابعة منذ بداية الأزمة، لقد انحدر مستوى النصوص والإخراج وفقدنا نقطة القوة بعد الاصطفاف والتصنيفات بين مؤيد ومعارض، ومن المحزن خروج النجوم السوريين ولجوئهم للأعمال المشتركة بعد المجد الذي صنعوه في بلادهم».

الدكتور محمد خير المولى يعتبر أن الأعمال السورية فقدت بريقها منذ عدة سنوات، لكنه يحيل ذلك إلى انشغال المواطن السوري في همومه اليومية أثناء الحرب ويرى أن «خطأ الدراما أنها نقلت الحرب إلى حصة الترفيه التي تنشدها العائلة السورية، لهذا السبب لجأنا إلى المحطات المصرية والأعمال القديمة فقط».

عبير الحسين خريجة كلية الإعلام تطالب بأعمال بعيدة عن الحرب والأزمة والقصص المكررة التي نشاهدها على أرض الواقع وفي السهرة، وتؤكد أن الأعمال الدرامية القديمة أهم من حيث الطرح وتقديم الموقف التراجيدي أو الكوميدي الحقيقي، الذي يجعل المشاهد يتأثر أو يضحك أو يتعاطف مع ما يشاهده، على عكس «دراما الأزمة» -كما أطلقت عليها- التي بتنا نتوقع ماذا سيحصل منذ بداية متابعة أي عمل فلا تشويق ولا حبكة.

واشتركت الحسين مع الجميع في ضرورة توقف أعمال البيئة الشامية التي باتت حاضرة في البرنامج الدرامي لكل موسم، وكأنها فعلا تعكس حقيقة المجتمع الدمشقي أو السوري، أو أنها باتت الهوية الفنية الحقيقية للفن السوري، وهي تضع هذه المسؤولية على عاتق صناع الدراما الذين قايضوا الهوية الوطنية الحقيقة بأعمال تجلب لهم الثروة.

لؤي سلمان

06 كانون2 2019

غالبا لا يتابع الجمهور السوري كل الأعمال الدرامية التي تعرضها عشرات المحطات الفضائية في موسم واحد، لكن ومع تكرار عرض المسلسلات في عروض ثانية وثالثة على محطات مختلفة، لا بد وأن نتعثر بعمل نظن للوهلة الأولى أنه جديد أو أنه «مدسوس» بين الأعمال السورية، لكن ما أن نتابع الحلقة الأولى ونشاهد تتر العمل حتى نكتشف أنه عمل حقيقي وأبطاله نجوم سوريون أرادوا أن يضيعوا ما حققوه من نجاح طيلة مسيرتهم الفنية في عمل ساذج وسطحي وغالبا مقابل المال.

ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها سقطة للكوميديا السورية ونجومها، لكن تكرار اختيار المشاركة في أعمال هابطة أمر يثير الاستغراب، خاصة أن بعض نجوم الكوميديا شارك في أعمال هابطة فنيا على صعيد النص والإخراج، ربما حان الوقت لتصنيف أسوء ثلاثة أعمال طالما بتنا غير قادرين على صناعة أعمال جيدة، تكون مؤهلة للتصنيف ضمن أفضل الأعمال.

مع مسلسل «الطواريد» تأليف مازن طه، إخراج مازن السعدي وإنتاج كلاكيت للإنتاج بالشراكة مع تلفزيون أبو ظبي، نشاهد كيف يتم تحطيم كل ما يتعلق بالتراث العربي سواء أمثال وحكم أو شعر جاهلي أو موزون، وكأن الحياة خلت من مواقف كوميدية باستثناء التراث العربي، حتى يتم اللعب بسخرية عليه، الفكرة ليست جديدة تماما فهي تقليد لإسفاف بعض الأعمال المصرية التي تعتمد في حواراتها على اللعب في الكلمات والمفردات المتداولة، لكن الفرق أننا نشاهد هذا اللعب في الأفلام السينمائية المصرية فقط، وبنسبة قليلة جدا في الدراما التلفزيونية، بينما اعتمد نص الطواريد بالكامل على هذا النوع الجديد، عبر حكاية ساذجة وأضاف عليها اللهجة البدوية التي لم تكن موفقة، مع الأسف، فأغلب الحوارات اختلطت بين اللهجة الشامية واللهجة البدوية، وكأن الممثل حر من أي متابعة إخراجية.

ربما يكون هذا المزج مقصودا وهو ليس مجرد خطأ، (فالفنتازيا) الجديدة التي تضع السيارة جانب الخيمة وأنثى الماعز، تجيز كل شيء وبهذا المزج يتم تحطيم كل قواعد العرض والمنطق ولا يوجد فرق بين الكوميديا والإسفاف، حتى التهريج كفن لم يستطيعوا بلوغه، نحن مع صناع الكوميديا السورية، ونؤمن بأن صناعة الخطأ بقصد تحريض الضحكة جائز، لكن بشرط أن نقدم الخطأ بشكل صحيح ومدروس حتى نصل إلى موقف كوميدي.

 لن تساهم الكلمات البذيئة والألفاظ النابية والحركات البهلوانية، أو حركات الأطفال الأشقياء كالركل والرفس والضرب، بتحقيق الضحكة المنشودة إلا على مستوى فئة عمرية معينة، لا تتجاوز المرحلة الابتدائية، فكيف إذا كان العمل يخلط بين الكوميديا والفانتازيا، والبيئة البدوية والأداء الكاريكاتوري، والقصة «الولّادية» شكل جديد لا أعتقد أنهم وفقوا في اختياره، خاصة أنه جمع بين الفروسية والهزل والحكمة والمثل وتحطيم كل أصالة.

السؤال؛ من يفرض هذه الوصفة التي أرادها تلفزيون أبو ظبي؟ فاتنات سوريات من وزن «مديحة كنيفاتي، نسرين طافش، جيني إسبر، مرح جبر»، مع عدد من نجوم الكوميديا الشباب الذين أجبروا على إضاعة مواهبهم في ثرثرة وتكرار ممجوج، والقيام بحركات بهلوانية تارة وكاريكاتورية تارة أخرى، لإضحاك شعوب لا تعرف أن تميز حتى الآن بين الكوميديا والتراجيديا.

ليس «الطواريد» التجربة الأولى الفاشلة للكوميديا السورية، فقد سبقه «حمام شامي» للكاتب كمال مرة و إخراج مؤمن الملا، وقد حصل على درجة سيئ بامتياز، وكان من إنتاج الإمارات وصوّر في الإمارات العربية المتحدة، بعد أن تم بناء حمام يضاهي الحمامات السورية الأثرية العريقة. وهناك مسلسل «صايعين ضايعيين»، سيناريو رازي وردة وإخراج مصطفى نعمو، بالطبع نذكر هذه الأعمال لاعتبارات عديدة أهمها مشاركة نجوم سوريين، كان لهم أثر واضح في تقدم الدراما السورية وبقائها في الصدارة لسنوات، إضافة إلى التكاليف الإنتاجية الضخمة، لكن هناك أعمال كوميدية كانت أسوأ بكثير لكنها بالطبع خارج نطاق البحث والتصنيف كونها أنتجت بأموال زهيدة وداخل شقة صغيرة أو أقبية أحد الأبنية، ولم يشارك فيها كتاب أو مخرجون أو نجوم لهم تاريخهم الفني.

بالطبع النقد والتصويب لن يغير في الأمر شيئا، فالمال هو سيد الموقف والنجم السوري صم أذنيه عن سماع أي نقد، ومنهم من شارك في عدة أعمال أبسط ما يمكن القول عنها إنها ساذجة وسطحية، ونجده يكرر التجربة ولا يعنيه ما يجمع في تاريخه الفني، والأدق ما يهدم من تاريخه. وربما يكون دليل على إفلاس البعض ماديا وفنيا، لكن هل هناك حلول لإنقاذ الدراما والكوميديا السورية بعد كل هذا الانحدار والفشل؟! غالب الظن أنها خطة ممنهجة لتدمير الدراما والكوميديا وبأموال عربية وبمشاركة نجوم سوريين، وبمباركة محطات حديثة تبحث عن أعمال ترضي جميع الأذواق باستثناء الجمهور السوري الذي جعل «عنزة مهاوش» آخر ابتكاراته وإبداعاته الفنية.

لؤي ماجد سلمان

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…