02 آذار 2019

يحسب لصناع فيلم "بوط كعب عالي" الجرأة العالية في العودة إلى الإنتاج الخاص، والمراهنة على شباك التذاكر بعد توقف السينما التجارية السورية التي تعود... عبر فيلم مصري

10 شباط 2019

المنعطف» اسم المسلسل السوري الاجتماعي الذي تناول ما طرأ على المنظومة الأخلاقية في سورية، والذي اعتبر فيها صناع العمل أن هذا التفسخ والفساد نتيجة «العولمة» كان السبب الرئيسي في تفريغ المجتمعات من قيمها النبيلة، وثقافتها المحلية وإدخال ثقافة جديدة «ثقافة الاستهلاك».

العمل الذي أنتجته مديرية الإنتاج التلفزيوني في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون عام 2011، من تأليف ماهر الدروبي، إخراج عبد الغني بلاط، تطرق إلى مواضيع عديدة منها عودة الرأسمال الوطني وما يصادف العائدون إلى حضن الوطن من عقبات سببها بعض القوانين واستغلال أصحاب النفوذ لهم، وناقش قضية هجرة الشباب وكأنها ضربة استباقية للدراما السورية لما آل إليه حال الشباب السوري الذي اختار الهجرة في المراحل اللاحقة، وكأن كاتب النص استشرف ماذا سيحدث في المجتمع السوري.

من أسف، فشل «المنعطف» في مناقشة ومعالجة القضايا التي طرحها على الرغم من أهميتها، فمن خيار الكاتب بهجرة أحد الشباب إلى الولايات المتحدة الأمريكية من دون باقي القارات إلى الحوار الذي صادفه في البيت وطرد والدته له من غرفتها لأنه قرر الهجرة، أو مع أصدقائه «الدكتور» الذي استخدم يده كوسيلة للإقناع حيث وجه له لكمة لأنه لم يستطع إقناعه بالتراجع عن الهجرة، والتغني بحضارة أمريكا!!

هنا يعرّض العمل نفسه إلى إشارات استفهام كثيرة أهمها لماذا تم اختيار هذا الاسم «المنعطف» في تلك المرحلة 2011؟؟ ولماذا أمريكا؟؟ وهل الشخص المثقف مثل «الدكتور» يعالج القضايا أو يحاول الإقناع بالضرب والشتيمة؟! هل هي الصورة التي أراد المخرج تصديرها للمشاهد؟! ولا بد من الانتباه إلى أن العمل من إنتاج المديرية! وشارك فيه نجوم سوريون انتقلوا بعد تلك المرحلة إلى صف المعارضة منهم عبد الحكيم قطيفان، ومي سكاف، إضافة لمجموعة من نجوم الدراما السورية أمثال الراحل عمر حجو، باسم ياخور، مرح جبر، سليم صبري.

لكن ماذا لو لم تقع الحرب هل سيكون اسم العمل «المنعطف»؟ وتستمر مديرية الإنتاج التلفزيوني بتقديم نصوص تبتعد عن الحدث الدرامي وتصنف كبرامج تعليمية تطرح القضايا المهمة بكثير من المباشرة، أو تبتعد عن سياسة تشغيل العاطلين عن العمل من كتاب ومخرجين... هل كنا سنشاهد «لورانس العرب» بنسخة ثانية ومن إنتاج سوري، عمل كلّف الملايين وبقي حبيس الأدراج لأنه هابط بكل المقاييس.

يقينا لو لم تقع الحرب  لما شاهدنا عملين مقتبسين عن رواية ماريو بوزو الشهيرة « العراب» الأول أخرجه المثنى صبح والثاني إخراج حاتم علي، ويمكن أن تكون الفنتازيا التاريخية مستمرة ونشاهد أحفاد شقيف من ابنه غير الشرعي يأخذون بثأرهم من أحفاد ابن الوهاج، وتكون عيلة خمس نجوم وصلت إلى الجزء الخامس عشر، أما بالنسبة لأعمال البيئة الشامية يقينا كنا قد وصلنا إلى (دزينة) من سلسلة «باب الحارة» ويمكن أن نشاهد «عصام» الفنان ميلاد يوسف يلعب البلاي ستيشن ويتحدث عبر الواتس أب والماسنجر، وبائع البليلة أو الفشة يبيع أجهزة خلوية مستعملة، وبائع اللسانات والرؤوس «النيفا» يبيع حمالات الصدر الصينية لنساء حارة الضبع، وربما تحول فرن أبو بشير إلى مخبز آلي يبيع الكرواسان والكانابيه.

لو لم تقع الحرب بالتأكيد لم نكن لنشاهد كمية الأعمال الدرامية التي ساهمت بهبوط مستوى الدراما السورية، والتي اعتبر صناعها بأنها تحارب التطرف والإرهاب يكل هذه السذاجة، فإذا ما تمت المقارنة بين أي عمل أنجز خلال هذه السنوات يحارب التطرف وما قدمه المخرج نجدت أنزور مسلسل «ما ملكت أيمانكم» إنتاج 2010 لوجدنا أنه العمل الوحيد الذي استطاع التعبير وطرح القضية من دون مباشرة، ويتفوق على كل ما شاهدناه خلال هذه المرحلة. أو على الأقل لن تظهر موضة الخماسيات في المواسم الرمضانية وتختصر أماكن التصوير بالمناطق المدمرة، فحسب ما نقلت الدراما، لم يعد في سورية أماكن لم يمسسها دمار إلا الحارات الشامية التي أنتجت «طوق البنات، ووردة شامية» وغيرها.

حتى المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني لم تكن لتطرح أشكال درامية ومشاريع جديدة بحجة الحرب، ولم نعرف بعد إن كانت خططها الجديدة قادرة على إعادة ألق الدراما أو أنها ستكون هابطة بحجة أنها مشروع وطني من أجل التوعية وتشغيل العاطلين عن الدراما.

ربما كانت استمرت شركات الإنتاج والمنتجين القدامى الذين ساهموا برفع سوية الدراما، ولم يبحثوا عن استثمارات جديدة تعيد لهم رؤوس أموالهم، ليحل محلهم منتجون جدد وافدون من عوالم بعيدة عن الدراما ويريدون الإنتاج على مبدأ «الدوكما والكشة والبسطة»، وهذا ما ينطبق على بعض كتاب النصوص الذين يقدمون عروض (خود عملين والثالث ببلاش).

غالبا لم يكن هناك كساد درامي وأعمال تتكدس في شركات الإنتاج، ولم يكن القطاع العام قادرا على طرح نفسه كمنافس للقطاع الخاص على عكس حال السينما السورية.

ربما كانت ازدهرت شركات الدبلجة أكثر، وغاص المشاهد السوري في قصص العشق والحب، الحرام والحلال والجريمة، وابتعدت الدراما السورية عن الأعمال المباشرة والتوجيهية التي حولت العائلة السورية إلى طلبة يتلقون دروس الوطنية وهم في منازلهم، ولم نكن لنشاهد «يوميات المختار عبد السلام بيسة، وأيام الدراسة، وأحمر وأخضر»، بل كانت شركات الإنتاج مستمرة في البيع وتوزيع أعمالها على مختلف المحطات، طالما أنها تنتج أعمال على قياس الخليج «أعمال بياعة» وتقدم للجمهور السوري الأعمال التركية.

من أسف، سقطنا في فخ الاستمرار وردات الفعل غير المدروسة، وبتنا نبحث عن الكم لا النوع، وتطويع المشاهد والدراما، حتى أننا انسقنا إلى الأعمال العربية المشتركة وتقليد الظاهرة بكامل السطحية فقدمنا «صايعين ضايعين» وأصيبت أعمالنا بسكتة درامية نأمل أن تكون مؤقتة.

لؤي ماجد سلمان

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…