04 تشرين2 2018

على طريقة الحكواتية، كان يلف الشوارع والحارات على دراجةٍ هوائية منادياً ومعلناً عن اسم فيلم الأسبوع، وشارحاً بعض صفات «البطل» فهو المارد والجبار، وغيره من صفات القوة يصبغها على شخصية الفيلم الرئيسية، يرفع «أفيش» الفيلم كسارية... ذلك ما كان «صبي السينما» يُعلن عنه ذات حين في مدينة طرطوس قبل أن يلفظ عقد السبعينات من القرن الماضي آخر أيامه، ويومها كانت المدينة تحتفي بست صالات سينما!

شارع الفن السابع

والمفارقة، أنه في ذلك الحين من السنين كانت مدينة صافيتا السباقة بالفرجة السينمائية، فقد اشتهرت لبضع السنوات بصالة «النجمة» قبل أن تختفي منها السينما، وإلى الأبد، وقبل أن تصبح ساحة، أو شارع المشبكة في طرطوس هو شارع الفن السابع، يومها أيضاً كان عدد سكان طرطوس لا يتجاوز «150,000 « نسمة، وعندما تجاوز عدد سكان هذه المدينة مليون لم يبق في هذه المحافظة كلها، وليس في المدينة وحسب، سوى صالة الكندي البائسة التابعة لوزارة الثقافة!

تلك السينما، التي كان علينا الهروب من المدرسة – خلال منتصف ثمانينات القرن العشرين- لحضور فيلم «آكلة لحوم البشر»، وفيلم «آدم وحواء» العاريين خلسةً، ونعود مع آخر «أتوكار» عائد إلى الضيعة، كانت المدينة تحتفي بصالتيها المتقابلتين في ساحة المشبكة (الأمير والعباسية) بأقوى الأفلام التي تحضرها العائلات عند المساء، بعد أن نكون نحن الطلاب قد تشبعنا بأفلام «الأكشن» خلال النهار، أو تقدم أفلام للنساء فقط لاسيما في الفترة الصباحية... أو تحضر النساء في البلكون، و»عامة الشعب» في الصالة الرئيسية...! وكانت سينما الأمير أقرب لدار الأوبرا المميزة بـ «فركوناتها» للعائلات، وثمة صالات أخرى كانت تعرض أفلامها في ليالي الصيف على سطح دار السينما. استمر الأمر على هذا النحو من هذه الفسحة لسكان المدينة حتى منتصف التسعينات حيث قُضي نهائياً على كل مظهر من مظاهر السينما، باستثناء نشاطات وفعاليات نادي السينما بطرطوس، الذي بقي «يكافح ويناضل» لبقاء ولو مظهر بسيط للسينما، فينجح حيناً، ويُحبط أحياناً، وغالباً لعدم توفر دار للسينما... وأخيراً ليُمسي وكأنه لم يكن موجوداً.

الانحدار مع «LBC»

مع أواخر السبعينات كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد رمت بفعلها السيئ على عروض الأفلام في المدينة، عندما افتتح في بيروت محطات تلفزيونية خاصة، والذي كان يصل إرسالها بكل وضوح إلى مختلف مناطق المحافظات الساحلية والوسطى، وبوضوح يفوق إرسال قناة الدولة، وكانت الـ «LBC» أولى القنوات التي قدّمت الأفلام على شاشة التلفزيون وبجرأة وصلت حد «البورنو»، ومع منتصف الثمانينات، ومن لبنان أيضاً عبرت الحدود أفلام الفيديو «دوكما» وبالمفرق، ومن كل الأنواع والألوان ومن الرديء والتافه، وحتى قمم الأفلام العالمية... مع بداية الألفية الثالثة أُنشئت قنوات فضائية خاصة تعرض روائع الأفلام العالمية، وحتى أفلام تافهة كأفلام محمد هنيدي ومحمد سعد، قنوات بالعشرات في فضاء مفتوح، ومن ثم انتفاء كامل للفرجة المتعارف عليها في الصالة السينمائية...

في كتابه «ذكريات السينما» يذكر الدكتور رياض عصمت: «في مقتبل العمر، كانت السينما طقساً اجتماعياً حيث ينظر الناس شزراً إلى من لا يحتفي به، ويُعد ناقص الثقافة، كانت العائلات بشيبها وشبابها، بنسائها ورجالها، والجميع في قمة الأناقة تتنافس لحضور فيلم جديد سبقته السمعة الطيبة لمخرجه...»، غير أن السينما اليوم ونحن بعد عقد ونيف من بداية الألفية الثالثة لم تعد طقساً اجتماعياً، ولم يعد ينظر الناس «شزراً» الى من لا يحتفي بالسينما، بل على العكس تماماً. فباستثناء أيام «الاحتفاء» بالسينما، وتحديداً أيام مهرجان دمشق السينمائي -يرحم زمانها- والتظاهرات السينمائية التي كانت تُقيمها بعض الهيئات الثقافية، أو عرض فيلم جديد لمخرج سوري، فالسينما اليوم أو بالأحرى قاعاتها وصالاتها لا تعدو سوى فضاءات تفوح منها الرائحة «العطنة»، وملجأ تافه لمشردين لا وجهة لهم.‏ أو صروح تصفر الريحُ فيها...!

فوق مكبٍّ للنفايات

من أسف، حضور السينما في الصالة أصبح نادراً اليوم، ومعلوماتنا أو معرفتنا بالسينما مصدرها الفضائيات، وليس «شباك التذاكر»... صار الزمن بعيداً لمسافة تبعدُ ربع قرنٍ من السنين، ذلك المشهد الذي كان فيه حضور فيلم سينمائي في إحدى صالات السينما الكثيرة والمنتشرة في أية مدينة سورية، ذلك الحضور الذي كان يُشكّل طقساً اجتماعياً للكثير من العائلات الراقية، وكان الترويج للفيلم السينمائي يأخذ الكثير من المشاهد الأخرى.

 منذ زمن طويل توقف الزمن بسينما الأهرام في مدينة اللاذقية –على سبيل المثال- عند بوستر تُشير علامات الزمن بما بقي منه؛ لأكثر من 25 سنة مضت، سينما الأهرام؛ التي تقول عنها الروائية السورية سوسن حسن: إنها ذاكرتنا الجميلة، منذ حين بعيد صارت مكبّاً للنفايات، منذ كانت القطيعة تترسخ بين جيل مضى وآخر يمضي... وتُضيف: هنا اللاذقية التي اغتصبت واستبيح ماضيها وأصالتها، اللاذقية التي رصفوا بحرها وقضوا على واجهتها البحرية التي تحمل هويتها التاريخية، ولم تعد تشبه المدن الساحلية للبحر المتوسط... غير أن سينما الأهرام ليست الوحيدة التي بقيت أطلالاً على زمنٍ سينمائي مضى، اللاذقية التي فيها «شارع السينما»، والذي لم يبق من أفلامه غير الاسم. بل جميع المدن السورية؛ تلاشى منها زمنٌ بصري لم يبق منه سوى صالات الكندي في بعض المدن، تنتظر تظاهرات المؤسسة العامة للسينما أو فيلما سينمائيا جديدا لمخرج سوري في انتظارها الطويل لموسيقا صفير الريح

علي الراعي 
 
28 تشرين1 2018

الكل مستغرب من منح المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم لقب بروفسور، هذا اللقب الذي يمنح عادة للشخص المتمكن في مجال علمي ما، أو يكون صاحب مرتبة عالية في الأبحاث أو تقديم خدمات خارقة، تفيد المجتمع والمصلحة العامة، وما زاد الطين بلة تكريمه، ومنحه لقب سفير النوايا الحسنة كتقدير من المركز الدولي لحقوق الإنسان لجهوده الاستثنائية في نجاح مسيرة العمل العام في الوطن.. اللقب ذاته حصل عليه الكثير من المشاهير والفنانين من منظمة الأمم المتحدة، لكن ما هي المعايير التي تعتمد عليها المنظمة حتى تمنح لقب سفير؟! وما الفائدة التي تجنيها من أولئك السفراء، وبغض النظر عن أمية شعبولا وبساطته وضعف المؤهلات التي يحملها، ماذا يستطيع أن يقدّم أكثر من بعض الكلمات الشعبية والأغاني الهابطة؟! وهل هو قادر على حل مشكلة أو المساعدة في حملات التبرع الضخمة طالما أن جمهوره غالبيتهم من الطبقة الشعبية الفقيرة؟

لا نعرف إذا كان عبد الرحيم قادرا على أن يقوم بحملات وطنية للوقاية من نقص «حمض الفوليك» في آسيا وإفريقيا، أو أنه قادر أو يعمل مع الأطفال كالفنانة اللبنانية نانسي عجرم، أو يكافح الجوع وهدر المواد الغذائية في العالم لتوفيره لأطفال قارته، أو يقدم حفلات يعود ريعها لحملات ومشاريع فكرية تحارب التطرف، والعنف كما فعلت ماجدة الرومي، أو يسهم في رفع الوعي للجماهير التي تحبه!.. إذا الشهرة، هي السبب الرئيسي في منحه اللقب ولا يمكننا اعتبار القائمين على منظمة الأمم المتحدة عفويين أو أنهم ينتقون الشخصيات بشكل عشوائي، أذكر أن مصر أنتجت عام 1991 فيلم «أبو كرتونة» من بطولة محمود عبد العزيز و إخراج محمد حسيب، يروي العمل قصة رئيس مجلس إدارة أحد شركات القطاع العام، يستغل منصبه ويقوم بعمليات اختلاس، ويعيّن أعضاء مجلس الإدارة التي يترأسها من مجموعة عمال سذّج أميين على رأسهم الراحل محمود عبد العزيز بشخصية «أبو كرتونة»، حتى يتمكن من إسكات العمال على اعتبار أن مجلس الإدارة منهم، ومن ناحية ثانية يحمّلهم المسؤولية في القرارات التي يتخذها ويوافقون عليها أثناء تمرير مشاريعه المشبوهة.

بالطبع المشاهير يشكلون لدى الجمهور مُثُلا عليا، تقلدهم الشعوب وتتمثل بهم، ومن هنا يأتي حرص المنظمات الدولية على اختيارهم فمن خلالهم تلفت نظر الناس إلى مشاريعها، وعبر أولئك السفراء توصل رسائلها بشكل سلمي ومهذب، وهو نوع من الإستراتيجية التسويقية التي تنتهجها تلك المنظمات، ويمكن تشبيهها بالقوة الناعمة التي تمتلكها الدول للسيطرة على شعوبها والتي تحدثنا عنها في وقت سابق. ربما يضحك البعض على منح شعبان عبد الرحيم لقب «البروفسور» أو سفير النوايا الحسنة، لكن من تجربتنا السورية ندرك أن من بين أفراد المجتمع العربي أفرادا ما زالوا في مرحلة القطيع مستعدين للنزول إلى الشارع والقرع على الطناجر، أو قطع رأس الدبابة بالسيف، ومن السهل قيادتهم فلكل مقام مقال، ولكل منصب هدف سياسي ولكل قطيع راع.

لؤي ماجد سلمان
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…