11 تشرين2 2018

  في أواسط تسعينيات القرن المنصرم، كانت الدراما المصرية لا تزال عالقة في صيغة عمل السبعينيات والثمانينيات معتبرة أنها «الصيغة التي نجحت دائماً، وستنجح دائماً « صورة باهتة، إخراج متواضع، أداء متكلف... ترافق ذلك مع بداية نهضة الدراما السورية، التي شكّلت صدمة للمشاهد العربي بمقاربتها الجديدة لمفهوم المسلسل التلفزيوني، فقدمته أقرب إلى العمل السينمائي الطويل، منه إلى المسلسل الإذاعي المصور.

في ذلك الحين، شنّت بعض وسائل الإعلام المصرية هجوماً شرساً على الدراما السورية، من القول إنها فورة مؤقتة، إلى الادعاء بأن «وزارة الدفاع السورية تنتج الأعمال التلفزيونية»... إلى أن «الدراما المصرية لها الريادة والسيادة في الإنتاج العربي»... وصولاً إلى تصريح أحد أبرز نجوم مصر: «أتحدى أن يقف أي ممثل سوري، في وجه أي ممثل مصري، في أي دور»... كان واضحاً أن صناع الدراما المصرية حينها يعيشون حالة إنكار واعتماد على الرصيد السابق باعتباره رصيداً أزلياً لا ينضب... باختصار سادت عقلية «الدراما المصرية بخير» وإن لم تترجم إلى مهرجانات وورش عمل.

ثم كان أن ذهبت السكرة وأتت الفكرة، فعاد صانع الدراما المصري إلى «لوح التخطيط» ليعاين مواضع ضعف الدراما المصرية، وليعمل على تلافيها وتصحيحها، وعبر السنوات الماضية تمت إعادة هيكلة الدراما المصرية من الصفر تقريباً، لتصل إلى المستوى العالي الذي رأيناه في الموسمين السابقين... مستوىً يهنَّأ عليه أشقاؤنا المصريون، ويحسدون عليه.

المقصود من كل هذا الحديث: القول إن «درامانا بخير» هو مؤشر واضح أننا ما زلنا في ذات مرحلة الإنكار... ما زلنا نعتقد أنه يكفي أن يكون العمل سورياً ليكون جيداً... نعاني اليوم ذات الأمراض التي عانتها الدراما المصرية في التسعينيات، والعلاج معروف، عوضاً عن أن نطبطب على الأكتاف ونطيّب الخواطر، علينا أن نعترف أولاً أن الدراما السورية ليس بخير على الإطلاق... وأن ذلك خطؤنا ومسؤوليتنا... وعلينا بالتالي أن نعود إلى لوح التخطيط، لإعادة بناء دراما تستحق اسم هذا البلد العظيم...

تليد الخطيب
 
11 تشرين2 2018

لم تكن سورية بصحة جيدة في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، كانت كما اليوم تعيش أزمة، كانت علاقتها بلبنان تهتز، وهي علاقة كانت وما زالت قلقة على الدوام بين البلدين رغم استمرار وصول «العرق» من زحلة إلى رؤوس السوريين العطشى لسكرة وشردة وغياب. في ذلك الزمن، كان هناك شيء وحيد قادر على إنهاء القطيعة بين البلدين في كل مرة يختصم فيها الشقيقان الشقّيان، كانت فتاة خجولة اسمها «فيروز».

أعادت فيروز العلاقات بين اللبنانيين والسوريين في الخمسينات، و»قطعت القطيعة» على حد تعبير الشاعر سعيد عقل بين البلدين الجارين في الستينات. مدير الإذاعة السورية أحمد عسّه (1915- 2005) وفي مجلة الصياد روى حديثا عن أطرف اقتراح قدّمه الشاعر والملحن اللبناني نجيب حنكش (1931- 2003)؛ طلب حنكش أن يُدخل صوت فيروز ضمن الاتفاق الاقتصادي بين لبنان وسورية، لأنه ليس من العدل أن يُذكر في ملاحق الاتفاق أن لبنان يصدّر إلى سورية كميات من الليمون الحامض والأرضي شوكي والعرق الزحلاوي، ولا يذكر صوت فيروز ضمن المواد التي يصدّرها إلى سورية.

تغيّر إيقاع البلد، غاب الأخوين رحباني «عاصي ومنصور»، غاب حزب الفتاة الخجولة، حزب البلوزة والتنورة، حزب «قعدت الحلوة، وجلنار، وذكرى بردى، وسائليني»، وحضر حزب «الحبي دبي وجنّوا نطوا»، المفردات أيضاً تغيّرت، كذلك الصرخة والنداء، كانت الأصوات تعلو مطالبة بظهور فيروز على مسارح دمشق، أصوات اليوم تعلو مطالبة بإضراب من أجل الكرامة. الكرامة التي لم تعد تتدلى عناقيدها عندما كانت الليرة السورية تملأ خزائن السوريين بالدفء ومطابخهم بالجبن، عندما كانت المناهج السورية تعني «باسم ورباب»، وتعني فيما تعنيه حكاية جيل، تتجاوز في أبعادها الصورة لترسم فكرة وتؤسس لقيمة، تُطلِق في إحدى دروسها العصفور من القفص نحو فضاء الحرية.

قد يكون الحديث عن نصيب الفرد اليوم من الثقافة في سورية مدعاةً للضحك والسخرية، إذا ما علمنا أن الفرد ما زال يبحث عن نصيبه من الخبز، وما زال يهرول بكيس البالة الأسود من على رصيف كراج الست، وأرصفة البرامكة، هرباً من حماية المستهلك التي بالغت في حمايتها للمستهلك فجفّفت مِلحَ دموعه، لكن استدعاء برجوازية الثقافة وتفضيلها على ربطة الخبز كان لها ما يبررها، في بلدِ بات يرى في «الإخوان المسلمون» جماعة معتدلة لم تركب يوماً صهوة التطرف، إذا ما قورنت بالتطرف الذي جلبته الألفية على يد الجماعات التكفيرية.

لم تتعافَ الناس بعد من رائحة الدم الذي تسبّب به العنف الديني، وهواجسها من الذهاب إلى المجهول، بعد سبع سنوات من الأزمة له ما يبرره، خاصة بعد التغييرات التي طرأت على المناهج السورية، مروراً بوثيقة التفاهم التي وقّعتها جامعة البعث في حمص مع مديرية أوقاف المدينة، وصولاً إلى مرسوم وزارة الأوقاف الأخير رقم (16)!! وسط هذا الجوّ المشحون بالخوف من أسلمة سورية، ليس المطلوب اليوم أكثر من إحداث توازن من قبل وزارتي الثقافة والتربية، إذا لم تكن هاتان الوزارتان بقادرتين على إحداث انقلاب، انقلاب لا يغيّر الطواقي فحسب، بل يؤسس للوعي، وعي من نوع آخر قد لا يملأ مائدة السوريين بالجبن اعتباراً من صباح الغد، لكنه يعطي علماً بأن المستقبل يمكن صناعته بالكلمة والنوطة... وليس بالسوط والساطور! من هنا، نعيد إحياء اقتراح نجيب حنكش ونطالب وزارة التربية السورية بإدخال مسرحيات الأخوين رحباني كجزء أساسي في المنهاج السوري يتم تدريسه اعتباراً من المرحلة الابتدائية.

سجّلت مسرحيات الأخوين رحباني قيماً انتقادية في مجال العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، مسرحيات جامعة شاملة، فيها الإنسان والوطن والطفولة كما السياسة والتربية والقانون والثقافة والفن والحب والوعي والله والإيمان، فيها مفاهيم ورؤى ذات دلالات وبصيرة وتأثير تربوي عظيم، فيها الغني كما الفقير، فيها الملك وبرهوم، فيها حزب الدكان حيث تُعرض حياة الناس وهمومهم، علاقاتهم مع بعضهم ومع السلطة، فيها البيّاع وعربة الخضرة، فيها الحرامي الذي يأخذ المال من جيوب الناس بالقوة وفيها الشحاذّ الذي يأخذ المال من جيوب الناس بالإقناع، فيها الحلم والواقع، فيها الفلاّح والصياد، فيها المحطة والطريق، فيها الشرطي ورئيس البلدية، فيها المسافر والتذكرة، فيها فساد الحكم وعجز السلطة، فيها فساد علاقة الحاكم بالمحكوم، فيها هجرة الناس نتيجة الفقر، فيها الهرب من الظلم والضرائب، فيها المحبة المأخوذة من نبي جبران خليل جبران، حيث المحبة التي لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها، المحبة التي ترسم الطريق إلى استحقاق محبة الله، فيها تحريض لوعي الناس وانخراطهم في العمل السياسي، فيها القاضي الذي تطلب منه الرحمة فيجيب «أنا باب بيقعدوا خلفي وبيسكروني بوش الناس، بيضغطوا عليي وأنا بضغط عاللي تحت وأنتوا اللي تحت افرحوا وانبسطوا لأنو العناية الإلهية اختارتكون أن تكونوا أساس البناية».

في مسرحيات الأخوين رحباني تعثُر على فلسفة البسطاء بواقعيتها وكامل حقيقتها، تعثر على ناس مرفوعة شواربها للأعلى ضد الثورة وناس شواربها مرمية للأسفل تبارك الثورة، فيها مهرجان للأقنعة وعيد للوجه الثاني، حيث يصبح القناع حاجة مع غياب الشفافية والصراحة، في مجتمع يخجل أفراده من إبداء رأيهم والإفصاح عن رغباتهم، إلا في بيئة تسيطر عليها مفاهيم كابتة للحرية وتقاليد صارمة تقبع تحت ظلام مفهومي «العار والحرام». لتكون النتيجة خوف وعزلة وقوقعة بدلاً من انفتاح وجرأة وتفاعل، ومن أجل تفادي هذا العار، تكذب الناس وتتكتّم وتتستّر وتلجأ إلى القناع، القناع الذي يؤمّن لها حريتها المفقودة ويسمح لها بتفريغ شحناتها ويسمح لمخيلتها أن تسبح بعيداً عن رقابة العار وسياط الجلادين. في عيد الوجه الثاني تعثر على ست بيت مشهورة بإخلاصها لكنها تحب أن تعيش لليلة واحدة بوجهها الثاني وهو «الرقاصة»، وبوجهها الثاني تحكي العصفورة وتبوح بأنها مقهورة، أهلها خطّبوها غصباً عنها وظلموها. في مسرحيات الأخوين رحباني تأكيد على حتمية التطور: «الدني بتمشي... الشعب بيمشي... وما حدا وجّو لخلف... الولاد، الناس، الأيام، كلن وجن لقدام». في مسرحيات الأخوين رحباني كل الوطن، وفي صوت فيروز كل الدْين والإيمان عندما تغني: «إذا ما أحببت فلا تقل الله في قلبي لكن قل... أنا في قلب الله».

قالها سعيد عقل في حديثه عن الحفلات التي أحيتها فيروز في دمشق: «فيروز الحبيبة الحلوة الحلوة... شكراً باسم لبنان»، والسوريون يقولون:»فيروز الحبيبة الحلوة الحلوة... شكراً لك باسم سورية»، «بعدو القمر عنا بيضوي عالناس وبعدن الناس بيتقاتلوا»

سناء إبراهيم 
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…