16 كانون1 2018

عادة كنا ننتظر أن تطرح الأعمال الدرامية قضايا تفيد المجتمع والجمهور المتابع إن كان على صعيد الحكاية أو المضمون الفكري للعمل، حتى في بعض الأعمال الكوميدية كانت الفائدة هي الترفيه والتسلية، لم يرفض أحد الرأي الذي طرحه صناع المسلسلات التلفزيونية بأن الترفيه أحد وظائف العمل الدرامي، الذي سيعرض على التلفزيون بغض النظر عن الجانب التثقيفي.

لكن من غير المنطق أن يكون ما يُقدم للمشاهد العربي وجبات من «قلة الأدب» الشعبي، بحجة الترفيه والاستمتاع، والأسوأ أن يعتقد بعض الكتاب والمخرجين أنهم يسلطون الضوء على قضايا تهمّ المجتمع.

لو استعرضنا ما قدمته الدراما السورية لوجدنا أنها لم تتناول قضية التحرش الجنسي بطرق اتسمت بالموضوعية، لتحليل هذه الظاهرة القديمة الحديثة، وكان تسليط الضوء عليها من باب خدمة تسويق العمل لا معالجة القضية أو الحد منها، فالتحرش بأنواعه اللفظي أو الجسدي أو الإيمائي، لم يطرح كقضية أو موضوع يبحث في جذر التحرش أو يوضح عواقبه أو انعكاساته على المشاهد، بل على العكس تماما قدم بشكل كوميدي خفيف يحرض على الفعل.

يمكن الجزم أن الدراما ظلمت المرأة مرتين، الأولى حين وضعتها كسلعة ضعيفة أو غنيمة يمكن أن تسمع كلمات الغزل التي تتضمن التحرش بأعضاء جسدها أو جمالها أو صفاتها، بمعنى أدق «تشريحها» من دون أن تدافع عن إنسانيتها، والثانية حين وضعتها بدور المتحرش لا الضحية، وكانت تتحرش بالرجل المغلوب على أمره تجاه سطوة جمالها أو مالها، فشاهدناها كيف تتحرش بشكل مباشر من خلال العروض المغرية التي تقدمها لشاب يصغرها في السن كما في مسلسل «عناية مشددة» للمخرج أحمد إبراهيم أحمد، أو في مسلسل «الندم» الذي قدم جفرا يونس بشخصية «رشا»، مرة متحرشة بالكاتب عروة وتخلع له ملابسها، ومرة ضحية تغتصب .

من أسف، لم يدرس صناع الدراما والكتّاب المجتمع السوري بشكل موسع بتناقضاته وشخصياته المختلفة، لكي يستطيعوا طرح هذه القضية الحساسة بشكل جوهري و يتمكنوا من مناقشتها، ونحن لا نطالب الدراما بتقديم حلول لأننا نعرف أن وظيفتها طرح المشكلة لا الحل، لكن على الأقل أن لا تكون أنواع التحرش التي تعرضها، على هامش العمل وتمر مرور الكرام خدمة للتسويق فقط، أو تدافع عن المجرم بدل الدفاع عن الضحية كما حدث في مسلسل «حائرات « للمخرج سمير حسين في حادثة اغتصاب «راغب – مصطفى الخاني» لحبيبته «نورا- جيانا عنيد» فلم يدين العمل شخصية راغب، وجعل المشاهد يتعاطف معها بدل أن ينبذها أو يكرهها، وتُركت الضحية وحيدة تواجه مصيرها بغض النظر عن النتيجة.

حتى في الأعمال التي حاولت طرح ظاهرة التحرش كقضية كما في مسلسل «عصي الدمع»، إخراج حاتم علي، شاهدنا كيف وقف المجتمع جانب الجاني وحاول استعطاف الضحية «المحامية رياض العمري»، التي لعبت دورها الفنانة سلاف فواخرجي، وهو العمل الوحيد الذي حاول إشراك القانون كحامي وضامن لأفراد المجتمع السوري.

وبقي دور القانون غائب في معظم الأعمال الدرامية لحماية الضحية، والضحية لم تستخدم سلطة القانون لحماية نفسها أو ردع هذه الظاهرة، حتى من الناحية الاجتماعية لم نشاهد أي توعية، وردود فعل الضحية وذويها تراوحت بين الصمت أو الانتقام من الضحية لا من الجاني.

الظاهرة لا يمكن اعتبارها جديدة في الدراما، فمن تابع أفلام السينما السورية وأعمال الأبيض والأسود، اطلع كيف كان «التلطيش» بقصد التحرش موجود ولو كان قليلا نسبيا، حتى مسلسل «حمام الهنا» الذي كتبه الراحل نهاد قلعي وأخرجه خلدون المالح، وقف إلى جانب الجاني وأظهر تطرفا غير منطقي في الرأي من ناحية اللباس، وكأن الزي هو من يحرض على «التلطيش» أو يعطي ذريعة للجاني كما جاء على لسان «غوار الطوشة» حين حاولت فتاة ردعه: «لا تطول لسانك»، فأجابها: «لا تقصري تيابك»!!

إذاً قدمت الدراما أشكال التحرش والاغتصاب، بما فيها الإغراء والتمايز الطبقي الذي أجاز دراميا على الأقل استغلال الطبقة الغنية للطبقة الفقيرة، أو التحرش بالخادمات الباحثات عن لقمة العيش، والرشوة الجنسية وبيع الجسد وكله ضد المرأة، وشاهدنا كيف يظهر المخرج الفتاة التي تسير وحدها في الشارع على أنها صيد ثمين، ويجب أن يكون هناك من يتربص بها من دون أن يكون للأخلاق والتربية أو القانون والأعراف أي دور.

أما الكوميديا فقد استطاعت السيطرة على المجتمع وتعليمه كافة فنون «التلطيش» والتحرش اللفظي، ولعل أبرز ما قُدم كان في لوحة «وحياة اللي خالقك ماني مفارقك»، من سلسلة بقعة ضوء بطولة أيمن رضا وكاريس بشار حين تفنن رضا بالتحرش مع كل زي كانت ترتديه بشار، حتى وصل إلى «صابونة» ركبتها وقدمها وصوتها، وفي مسلسل «أبو جانتي» من خلال شخصية أبو ليلى.

 ولن يغيب عن بالنا أيضا ما استخدمته أعمال البيئة الشامية من مفردات وعبارات استعارتها من الأسواق الشعبية، والشوارع، ووظفتها في العمل، علما أن أغلب ما وظف من عبارات كان يتضمن المعاني الخادشة «لحق عالسخن، لا تشلحو بيشلح لحالو هالدرائن، بيضا وطرية هلق استوت البيضا، كول قطايف ما حدا شايف، محلي الأرامل يا جزر، دوا للدوخة يا خوخة، ياما عركوك بالليالي يا معروك، هالفجل محمر شفايفو مفكر ما حدا شايفو، بلدي يا ولدي بيتاكل بلا غسيل يلي بدها جوز».

في النهاية لم تتصدَ أعمالنا الدرامية للظاهرة بقدر ما شجعتها ونشرتها، وكان همها الوحيد جذب الجمهور وتوفير متطلبات السوق، ولن ندري إذا كانت الدراما ستستعين بمفردات بائعي بسطات الملابس، بعد تطور الحياة وانقراض عربات «رؤوس النيفا»، التي حل محلها بسطات الملابس لينادي الكومبارس الأزعر في بيوتنا مع المائدة الرمضانية «ضبّي صدرك بمية ليرة».

لؤي ماجد سلمان

02 كانون1 2018

بمناسبة يوم الثقافة السوري يطل مخرج «بئر القديسين» علينا ليقدم للجمهور عرضا مسرحيا جديدا بعنوان «اعترافات زوجية»، بعيدا عن الحرب وأصوات الرصاص والقذائف، إذ لم يبتعد المخرج مأمون الخطيب عن خشبة المسرح طوال فترة الأزمة مقدماً العديد من العروض المسرحية، منها «ليلة القتلة، نبض، هدنة، زيتون، النصر ساعة صبر».

 من كواليس مسرح أبي خليل القباني وتزامنا مع البروفات النهائية للعرض كان لصحيفة «الأيام» السورية لقاء مع المخرج الخطيب، الذي صرح بأنه لم يكن ينوي أن يقدم هذا العام عرضا جديدا لولا رغبته في المشاركة بيوم الثقافة السوري، ولهذا السبب بالتحديد ابتعد العمل عن الأحداث السياسية المتسارعة، والعروض التي تحاكي الحرب بشكل مباشر، وانتقل إلى مفهوم العمل المسرحي الأوسع ليحول الصراع الدرامي إلى أهم مؤسسة في المجتمع وينقلها على الخشبة، يقول: «اشتقنا للمواضيع الإنسانية الاجتماعية البحتة، التي تتضمن أفكارا بعيدة عن صراع الشعوب، والحروب، وهي فسحة للجمهور كي يخرج من الصراع المفروض عليه لصراع يعيشه من دون أن يدري، لكن بقالب رهيف يجعله يعود للنواة الصغيرة التي يتكون منها المجتمع، علما أنني ضد فكرة الابتعاد نهائيا عن أثر الحروب في الحياة الإنسانية بحجة انتظار النتائج».

أما عن قصة العرض، المسرحية تتكلم عن مواقف ولحظات محددة يمر فيها الزوجان ضمن حياتهما، وهو بمثابة تشريح لمؤسسة الزواج والعلاقة التي تربط الزوجين، وكيف يمكن أن يتعرضان لمواقف إنسانية، وأحداث تركز على حيثيات هذه المؤسسة، واستمرار علاقة الأزواج التي تتراوح بين مدّ وجزر، والآلية التي يعتمدها الطرفان لاستمرار هذه المؤسسة.

اعتاد صاحب «كلهم أبنائي» على اختيار المواضيع التي تسبر عوالم الإنسان الداخلية، وتكشف خفاياه، فقدّم قضايا مهمة تتعلق بصراع الأجيال بطريقة فلسفية، وصيغ تناسب تطور العصر والمجتمع. فتغير الأحداث والمواقف لم يكن بمنأى عن رؤية الخطيب للفرد والمجتمع، إن كان على المستوى الفكري أو النفسي وبمختلف الظروف. فتناول الحرب وانعكاساتها وأثرها على المجتمع كما تناول القضايا المصيرية للإنسان وتمسّك الإنسان بأرضه ووطنه.

يصر الخطيب على أن الحرب: «واقع، ومنها ولدت مئات الأفكار التي من الممكن العمل عليها ومعالجتها على الخشبة، وهذه القصة موضوع العرض هي حدث بين زوجين، يمكن أن يحدث في وقت الحرب أو السلم من دون أن ندري أن هناك حربا، فالإنسان لديه ما يكفي من العراقيل والصعوبات والصراعات، التي يجب أن يواجهها، لتستمر الحياة أولا والمؤسسة الزوجية رغم الإشكالات الكثيرة، وهذا ما أردنا أن نقوله في العرض».

وفي لقاء مع النجم مالك محمد أحد أبطال العرض، والذي يلعب شخصية الزوج الكاتب جمال الساحلي صرح لـ «الأيام» عن دوره في العمل: «هي شخصية مركبة ومعقدة، كاتب روايات بوليسية يبدأ الحدث من عودته من المستشفى، بعد تعرضه لحادث اعتداء فقد على إثره ذاكرته، ومن هنا تبدأ رحلة البحث وخفايا العرض»، يضيف: «العمل يدور في فلك العلاقات بين الأزواج والمشاكل الخاصة والنفسية التي لا يراها المجتمع، والنجاحات والخيبات، هناك علاقات نفسية معقدة تكون بين الأزواج تؤدي للعنف أحيانا وغالبا ما يكون البعض يبحث عن حلم لوحده بعيدا عن شريكه، ليثبت تفوقه عليه في تحقيق طموحاته على الأقل، اللعبة الذكية في العمل تكمن في دخول الزوج عالم زوجته بشكل جديد».

وبخصوص عودته للمسرح يؤكد محمد أنه ممتن لاختياره لأداء هذه الشخصية على خشبة المسرح لا سيما أنه يميل إلى تجسيد الشخصيات المركبة، معربا عن سعادته للعمل مع المخرج مأمون الخطيب، والفنانة رنا جمول التي تضيف لفريق العمل خبرتها من خلال مساعدتهم وفهمها لتركيبة الشخصيات فهي شريكة وعون في آن واحد».

أما عن تحضيراته للموسم الدرامي القادم يبوح لـ «لأيام» بأن هناك عملين تاريخيين سيصور أحدهما على الأراضي السورية، وآخر في الخارج، إضافة إلى أنه يحضر لإخراج فيلم روائي قصير، من إنتاج المؤسسة العامة للسينما وهو منحة ضمن «دعم سينما الشباب» بعد نيله المرتبة الأولى في دبلوم السينما.

يذكر أن العرض من تأليف الكاتب الدرامي والروائي الفرنسي إيريك ايمانويل شميث، إخراج مأمون الخطيب، بطولة رنا جمول ومالك محمد، سينوغرافيا نزار البلال وريم شمالي، موسيقى إياد حناوي، إضاءة ريم محمد.

 يبدأ العرض اعتبارا من الأول من كانون الأول على خشبة مسرح القباني، الساعة السابعة مساء ويستمر حتى منصف الشهر الحالي.

لؤي ماجد سلمان
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…