30 آذار 2019

الحرب السورية... الغائب الوحيد عن مسرح الحرب!

حتى في الحرب التي عاشها المجتمع السوري لم يستطع كتّاب المسرح ومخرجوه الابتعاد عن الاقتباس من أعمال عالمية، بدليل أن العروض التي قدمت ارتكز غالبيتها على نصوص أجنبية وكأن المخيلة السورية نضبت على الخشبة، أو أن الحرب على سورية مرت مرور الكرام ولم تؤثر على المجتمع والمثقف السوري وحساسيته.

 المخزي في الأمر أن أغلب المخرجين والكتاب لم يذكروا أن النصوص معدة مسبقا ووضعوا النصوص بأسمائهم أو إعدادهم، طبعا الاقتباس ليس جريمة يعاقب عليها المسرح القومي ولا وزارة الثقافة، لكن للأمانة المهنية والفنية كان من الواجب ذكر النصوص والأعمال التي اقتبست منها أعمالنا المسرحية، ومن الناحية الإبداعية لا بد من البحث عن الخلل الذي جعلنا ننهل وننهب ونقتبس ونستوحي ونتكئ، على نصوص وروايات أجنبية من دون أن يكون لدينا أي ابتكارات أو خلق جديد.

علما أن الخراب والتدمير وصل إلى خشبة بعض المسارح السورية بما فيها مسارح المدرجات الحجرية ولا يفوتنا مسرحا بصرى وتدمر اللذان تحولا إلى مسرحي قتل وإعدام بقوة الجهل والتخلف.

بهذه الحرفية استحضر كتّابنا مأساة هاملت والصراع الذي صوره وليم شكسبير في الدنمارك، ومنهم من عرّب قصة القائد الاسكتلندي "ماكبث" الذي اغتال ملكه دنكن ليجلس على عرشه. أسماء عروض كثيرة اقتبست خلال السنوات الفائتة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر "اختطاف" العرض الذي قدمه أيمن زيدان وأعده لخشبة مسرح الحمراء الكاتب محمود الجعفوري عن مسرحية "الأبواق والتوت البري" للأديب والمسرحي الإيطالي" داريو فو" العرض الذي وجه اتهاما للسلطة التي تتحالف مع المافيا، كما قدم عرض "دائرة الطباشير" المستوحى من النص ذاته "دائرة الطباشير القوقازية" للكاتب الألماني "برتولت بريشت" ليصور لنا الصراع المحلي.

الدكتور عجاج سليم قدم لنا مسرحية "هوب هوب" العبارة المألوفة لدى الشعب السوري والتي كانت تطلق على باصات النقل الكبيرة، ولطالما استخدم الشعب السوري هذه العبارة، مطالبين سائق الحافلة بالتوقف ليغادروها وهو عن نص "الجزيرة القرمزية" للروائي الروسي "ميخائيل بولغاكوف" وإعداد جوان جان وكانت مطالبة صريحة لوقف الحرب.

بدوره المخرج تامر العربيد قدم عرض "جسور" مطوعا نص الكاتبة المكسيكية "ماروشا بيلالتا - قضية أنوف" التي نقلها إلى العربية الدكتور زيدان عبد الحليم زيدان، وتسلط فيها المؤلفة الضوء على البنية الهشة بين أفراد المجتمع وهي مهزلة مأساوية عن صراع البشر والدول.

الفنان بسام كوسا قدم عرضين لمسرح الحرب "الكوميديا السوداء" عن نص المسرحي الإنكليزي "بيتر شافر" والعرض الثاني "تكرار" المقتبس من نص "المتحذلقات السخيفات" لأستاذ الكوميديا "جان بوكلان –موليير". أما أستاذ المعهد العالي للفنون المسرحية أسامة غنم فقدم عرض "زجاج" عن نص للمسرحي الأمريكي "توماس وليامز" بعنوان "مجموعة الحيوانات الزجاجية".

كان للمخرج المسرحي مأمون الخطيب عدة عروض في فترة الحرب منها "زيتون" المأخوذ عن نص "بستان الكرز- تشيخوف " و"اعترافات زوجية" المأخوذ عن نص مسرحي للكاتب الفرنسي "إيريك ايمانويل سميث"، وقدمت الممثلة المسرحية نسرين فندي عرض "امرأة وحيدة" عن نص المسرح الإيطالي" داريو فو" وزوجته "فرانكا راما" أما الممثل مجد فضة فاستعان في عرضه "عرض البحر" بنص للكاتب البولوني "سلافو مير مروجيك".

حتى عرض "ستاتيكو" الذي ناقش الحرب السورية بنص محلي تأليف شادي دويعر، وإعداد جمال شقير، لم يستطع إلا الاتكاء على الحرب الأهلية الإسبانية عبر لوحة "الغارنيكا" للفنان الإسباني "بابلو بيكاسو"، التي كانت بطلة على خشبة المسرح بشكل ظاهر.

بالطبع لم يكن حال "المسرحيين المنشقين" الذين قدموا أعمالهم خارج مسارح سورية أفضل، إذ اكتفوا بتقديم ما يجعلهم يظهرون بدور الضحية من خلال تكرار تقديم معاناة اللاجئين ومشاكل اللجوء، وما طرحوه من مواضيع تمثل وجهة نظر أحادية الجانب.

لن يفوتنا أيضا أن المسرحي السوري حاول اللعب على الخشبة مع إصراره على الوقوف على الحياد بسبب الخوف، فكانت انتقاداته مناصفة بين الوطن والعدو معتبرا أنهما طرفا نزاع، أو بسبب استيائه من السلطة والعجز عن التصريح لجأ إلى المواربة والتلميح بالتعبير المسرحي مع إعطاء نفسه مساحة آمنة بانتقاد ما عرف بـ "داعش" وأخواتها، لكنه بقي متلطيا خلف شعار الإنسانية لينبذ أشكال القتل والعنف ويساوي بين الفعل وردة الفعل على حد سواء وبين الضحية والقاتل.

الواقع القاسي الذي عاشه المجتمع السوري بما فيهم الفنان والمخرج المسرحي، لم يكن أقسى من الإفلاس الفني والمسرحي الذي ظهر بشكل تراجيدي محزن خلال ثمانية سنوات من الحرب، الأمر الذي يؤكد عدم انعكاس الأزمة والحرب على المسرح المتأزم أصلا من قبل الحرب بسنوات. أنماط مختلفة استحضرها عشاق المسرح لتكشف ضعفنا في خلق "حدوتة" مسرحية سورية الجنسية، ربما تكون أشبه بمسرح الكلام والحرب لكنه في النهاية ليس مسرحنا ولا وجعنا، بهذا الشكل مع الأسف تحولت سورية إلى مسرح حروب على أرض الواقع والخشبة معا.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…