25 آذار 2019

السينما البديلة وجها لوجه مع الوعي السياسي

يمكنك اليوم إنتاج فيلمك الخاص بأقل تكاليف ممكنة أو من غير تكاليف طالما أن هناك من يعشق الوقوف أمام الكاميرا ويحلم بأن يصبح نجما تلفزيونيا، فعشاق النجومية لا يميزون بين الفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني أو الفيلم التلفزيوني، غير أن بعض المحطات التلفزيونية تعرض الأفلام السينمائية ولا يحتاج النجم الجديد للعروض الجماهيرية ليظهر كبطل في أحد الأفلام.

إضافة إلى أن هناك مخرجين جدد استطاعوا التمرد على ما عرفناه بالسينما السائدة أو التجارية أو التقليدية حسب ما وصفوها، وحسب زعمهم أنهم ضد مبدأ احتكار الفن، أو العقلية المادية التي تستغل الفن للربح وتخضعه لمبدأ البيع والشراء.

من باب أخر هم يريدون الانعتاق من شركات الإنتاج الضخمة التي تهدف إلى الكسب فقط وتعتمد على شباك التذاكر التي تنتج أفلام وتتحكم بمضمون العمل السينمائي و التحرر من الأفكار والمضامين التي تفرضها المؤسسات الحكومية التي تنشد أفلاما على قياسات السياسة التي تنتهجها الدولة التابعة لها والخلاص من مقص الرقيب.

 

ويمكن التأكيد على أن الأفلام التسجيلية والوثائقية والروائية القصيرة الجديدة، كلها تتسابق لتكون تحت مظلة السينما الجديدة أو ما أطلق عليه "السينما البديلة" التي أتاحت لما أطلق عليهم "المخرجون الشباب" بإنتاج أفلامهم دون صعوبة تذكر لتلاقي طريقها إلى صالات العرض خاصة بعد أن بدأت بعض الدول بافتتاح قاعات خاصة لهذه النوعية من الأفلام.

من يروج لتلك الأفلام من برامج وممولين يعتبرون أنهم يسعون لدعم الحركة الثقافية والشباب العربي الذي يعشق الكاميرا ويرغب في تقديم فن جديد مغاير للسائد، وهمهم مناصرة الشعوب العربية في قضاياها ضد الظلم والقمع والإقصاء السياسي الذي يلاقوه في بلدانهم وهذا يندرج حسب مفهومهم تحت الانتفاض الثقافي بعد الانتفاض السياسي الذي لاقى نجاحا في بعض الدول العربية "الربيع العربي".

إذا دققنا في بداية انطلاق ما عرف بالسينما البديلة نجد أنها بدأت في مصر عام 2014 عند افتتاح أول قاعة سينما مختصة بعرض "الأفلام البديلة" ومن بعدها نظم لها مهرجانات، وبغض النظر عن الجوائز المادية كان الهم الأكبر لأصحاب الأفلام المشاركة هو الوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور ووسائل الإعلام من دون أن يعنيهم أو يعني الجهات الداعمة (الممولة) أي إيرادات من صناعة تلك الأفلام.

حرية التعبير هي العنوان العريض الذي تندرج تحته تلك الأفلام ونسبة كبيرة منها تطرح "تعسف السلطات السياسية والديكتاتوريات العربية والقمع والسجون والبطالة والتهميش، وفي السنوات الأخيرة موضوع المظاهرات والثورات والاعتصام و الهجرة ومعاناة الشباب العربي في الهجرة السرية أو غير المنظمة" وغير ذلك من مصطلحات، وحين تبتعد عن المنحى السياسي تجدها اتجهت صوب الشذوذ الجنسي وجرائم الشرف والانتماء إلى فضاء عولمي جديد غير معروف، لكنه بعيد عن مفهوم المواطنة والوطن والقضايا الكبرى التي تخص الشعوب العربية، حتى القضية الفلسطينية استثمرتها السينما البديلة للتطبيع مع العدو الصهيوني بشكل غير مباشر.

حتى أن تلك الأفلام لا تكلف ماديا، فالكومبارس موجود بكثافة في الاعتصامات التي حدثت في الدول العربية ولا تكلف المنتج والمخرج الجديد إلا حمل كاميرا ومعدات صوت على مدار يوم أو يومين وتصوير الشعوب المغلوبة على أمرها دون زيادة أو نقصان وأحيانا يضاف كادر صغير لا يتجاوز متر مربع كسجن انفرادي أو غرفة تحقيق ويحوز الفيلم على جوائز في مهرجانات خاصة بالسينما البديلة كما حدث في مصر وتونس وغيرها.

وشاهدنا كيف خصصت شبكة "بي بي سي" من أوقات بثها الثمينة الوقت لعرض هذه الأفلام ضمن مشروع يحتفي بالأفلام العربية والعالمية التي لا تلاقي طريقها للعرض أو يروج لها تجاريا منذ عام 2012 أي مع بداية الربيع العربي وأطلقت عليه "سينما بديلة"، وتعرض من خلال برنامجها الأسبوعي كل أنواع الأفلام القصيرة التجريبية والتسجيلية والروائية والوثائقية وحتى أفلام الكرتون.

إذا كانت السينما السائدة أو الأفلام الروائية الطويلة تمتلك معايير للنجاح كالفكرة والمضمون أو الترفيه والمتعة أو الكسب المادي فالأفلام البديلة لا تلتزم بأي من هذه المعايير السينمائية وترفض تقاليد السرد السينمائي، ويتنوع هذا الرفض طبعا حسب صانع العمل (ورؤيته الإبداعية) حسب وصفهم ويمكن أن نشاهد الفيلم كخليط بين التوثيق والروائي والتجريب لكن الحجة واحدة تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية والغوص في بحر قضاياها العميقة المنسية، وفي النهاية المطلوب هو ممارسة عملية لا يحكمها وعي متكامل أو التزام، بل يحكمها الواقع التاريخي المعاصر وما يحدث من تغيرات على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي.

ولا يمكن إغفال دور العرض البديلة كسينما "عقيل" في الإمارات و"متروبوليس" في بيروت، و"مسرح البلد" في الأردن وغيرها في مختلف الدول العربية كتونس والمغرب وفلسطين والتي يمكن حصرها بما يزيد عن 15 شاشة حتى الآن، ولكل شاشة برنامج وميزانية خاصة من أجل دفع مكافآت للضيوف من نقاد وخبراء بالفن السابع الجديد علما أن السينما البديلة لا تتقاضى من الجمهور ثمن التذاكر وهي مجانية للجميع. وهنا لا بد من التساؤل عن الراعي والممول الذي يدعم استمرار هذا النوع البديل الذي يتنقل بين الأحياء ويذهب للجمهور دون أن ينتظر أن يحضر الجمهور إليه ويحجز مكانا، ولعل التجربة الأبرز التي استوحت منها هذه الشاشات فكرتها "التجربة الهندية" التي استخدمت دراجات نارية ثلاثية العجلات لحمل الشاشة وعرض الأفلام وكان الهدف من الدراجة الوصول إلى الأزقة والأماكن الضيقة وليس الوقوف والعرض في الساحات العامة.

في النهاية لا يمكن تصديق السينما البديلة أو اعتبارها مستقلة لأنها لا تخضع لاعتبارات تجارية أو اقتصادية فقط، أو أنها وجدت لاعتبارات فنية بحتة، وكل فيلم يبقى رهين القضية التي يطرحها، ولا بد حين الحديث عن سينما بديلة أن يكون وراء الكواليس منتج أو ممول بديل وموزع بديل وصالات عرض بديلة ويمكن أن يتحقق كل ذلك باستثناء الجمهور البديل الذي يستلب، ليقدم له مفاهيم بديلة في مسائل مصيرية كالمقاومة والثورة والحرية والقمع.


 

Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…