14 نيسان 2019

"قسد" تتحضر لهزيمة جديدة أمام تركيا: المدنيون "قربان" لرضى أمريكا

لا يبدو أن "قوات سورية الديمقراطية"، قد تذهب نحو الحوار مع دمشق خلال المرحلة التي توصف بـ "ما بعد داعش"، على الرغم من أن خياراتها باتت شبه معدومة أمام القبول بالهزيمة الجديدة التي تحضر بتوافق أمريكي – تركي، فالمنطقة الآمنة ستعلن من قبل أنقرة بعد إنهاء وجود "الوحدات الكردية" بالقوة العسكرية، ويفهم من ذلك أن النظام التركي الذي حشد ما يلزم من قدرات عسكرية في المناطق القريبة من الحدود، قد يذهب إلى إطلاق عمليته العدوانية الجديدة في الشرق السوري في أي لحظة، مع ملاحظة أن الطيران المروحي وطيران الاستطلاع التركيين لا يفارقان أجواء الشريط الحدودي، من دون أي اعتراض من قبل "واشنطن"، التي تعتبر هذه المناطق مسرحاً لعملياتها ضد الإرهاب في سورية.

 

المعركة قادمة

تكشف مصادر أهلية في حديثها لـ "الأيام"، أن "قوات سورية الديمقراطية" أنهت العمل بتغطية شوارع مدينة "رأس العين" بريف الحسكة الشمالي بألواح معدنية وأقمشة، بهدف تجنيب سياراتها لعمليات الرصد من قبل طائرات الاستطلاع التركية التي تحلق على مدار الساعة تقريبا، كما عملت "الوحدات الكردية"، على إقامة "دشم وتحصينات"، تحت الأرض قبالة البوابة الحدودية التي تقابلها من الجهة التركية مدينة "جيلان بير"، فيما اعتمدت على نصب كمائن متفجرة وزراعة حقول ألغام فردية ومضادة للدروع على المحاور المحتلة لتقدم قوات الاحتلال التركي وميليشياته في حال اتجهت أنقرة إلى تنفيذ تهديداتها بالعمل العسكري، في مناطق شرق الفرات بحجة محاربة الإرهاب الذي تحصره حكومة النظام التركي بـ "الوحدات الكردية"، نتيجةً لارتباطها بحزب العمال الكردستاني الموضوع على لائحة المنظمات الإرهابية من قبل مجلس الأمن الدولي.

عمليات التحصين ذاتها نفذت في مدينة "تل أبيض" بريف الرقة الشمالي، إضافة إلى تفخيخ مجموعة من المنازل القريبة من الشريط الحدودي مع تركيا، والمعلومات تشير إلى أن نقل التعزيزات العسكرية إلى المدن الواقعة بريف محافظتي الحسكة والرقة الشمالي، تحسبا للدخول في مثل هذه المعركة. وتقول بعض المصادر الكردية نقلا عن قيادات "مجلس سورية الديمقراطية" إن الجانب الأمريكي أبلغهم بأن المفاوضات مع أنقرة ستصل إلى طريق مسدود، بفعل التمسك التركي بضرورة انسحاب الوحدات الكردية من كامل المناطق القريبة من الشريط الحدودي وتسلميها لـ "إدارة دولية"، تشترك فيها حكومة النظام التركي وحكومة إقليم "كردستان"، بإشراف من واشنطن، على أن تكون القوى المالئة للفراغ على المستوى العسكري مشكّلة من الميليشيات الموالية لأنقرة، وميليشيا "بيشمركة روج آفا"، التابعة للمجلس الوطني الكردي، إضافة إلى ميليشيا "بيشمركة كردستان" التابعة لحكومة إقليم شمال العراق "كردستان"، شريطة أن يكون وجود الميليشيات الكردية محصورا بالمناطق ذات الطابع الكردي، أما البقية فستشهد انتشارا لميليشيا "الجيش الوطني"، الذي شكلته أنقرة من دمج مجموعة من الميليشيات الإخوانية على رأسها "حركة أحرار الشام – جيش الإسلام – حركة نور الدين الزنكي – فيلق الرحمن"، والميليشيات التركمانية كـ "السلطان محمد الفاتح – السلطان مراد – المعتصم – السلطان سليمان شاه".

يؤكد الصحفي "روني حسن"، القريب من "قوات سورية الديمقراطية"، أن الأخيرة لن تقبل بالخروج المجاني من المناطق الحدودية، بهدف الحفاظ على حاضنتها الشعبية في الشارع الكردي، ويبدو أن بروز دور القوى الكردية غير المتفقة مع "قسد" في المنطقة كـ "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الذي يتزعمه رئيس إقليم "شمال العراق"، أو المجلس الوطني الكردي المقرب جداً من أنقرة، يثير قلق القادة السياسيين لـ "مجلس سورية الديمقراطية"، إلا أنه أمر مثير للرعب بالنسبة للقادة الميدانيين من غير الجنسية السورية، والحديث هنا عن شخصيات تمثل "حزب العمال الكردستاني"، ألد أعداء نظام الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، وأقوى خصوم "مسعود بارزاني" على المستوى الكردي، والأخير يسعى ليكون القائد الروحي والأوحد بالنسبة للكرد في الدول المتواجدين فيها، بمعنى أنها منافسة مفتوحة ما بين "بارزاني"، و"عبد الله أوجلان"، المعتقل لدى تركيا.

 

ناتو... عملية متفق عليها

خلال الأسبوع الماضي، سجل دخول مجموعة صغيرة من المدرعات التابعة لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، إلى قاعدة "صرين" الواقعة إلى الجنوب الشرقي من مدينة "عين العرب"، التي تعد بدورها المعقل الأساس لـ "الوحدات الكردية"، وإن كانت حكومة إقليم شمال العراق ترغب بإضعاف شوكة "قسد"، عسكرياً، إلا أنها لا تملك أن ترفض مرور التسليح الأمريكي لها ولا أن تمنع عبور قافلة لـ "ناتو"، أياً كان حجمها.

اللافت في الأمر أن تواجد مثل هذه العربات في القاعدة الجوية الأمريكية غير الشرعية، بالقرب من الحدود المشتركة مع تركيا يعني أن الدول الأعضاء في الحلف تتجه فعلاً نحو الدخول في تشكيل "قوة المراقبة المشتركة"، التي تريدها واشنطن بديلاً عن وجودها الواسع في الأراضي السورية، ومن المقرر أن تكون مهمة مثل هذه القوة في حال نشأت، مراقبة المنطقة الآمنة التي تسعى واشنطن لرسمها على امتداد الحدود السورية – التركية، شريطة أن تبقى ثلاث نقاط أساسية تحت سيطرة شكلية لـ "قسد"، وهي مدينتي "القامشلي – عين العرب"، ومنطقة "السويدية"، بأقصى ريف محافظة الحسكة الشمالي الشرقي، والأخيرة تعدّ من أكبر مناطق إنتاج الغاز الطبيعي في سورية.

التعزيزات العسكرية لـ "قسد"، لم تشمل المناطق التي تسميها بـ "الجبهة الغربية"، والمقصود بها مناطق التماس المباشر مع الاحتلال التركي وميليشياته في ريف حلب الشرقي والشمالي الشرقي، والممتدة ما بين "منبج – عين العرب"، وهذا قد يعني معرفة "قسد" بخارطة التحرك العسكري الذي حصلت حكومة أنقرة على موافقة دولية عليه، وبأن المواجهة ستكون محصورة في مناطق الحدود فقط، ما يثبت أن ما ستذهب إليه المعركة المفترضة ما بين "قسد"، والاحتلال التركي ستكون محسومة ومتفق على نهايتها.

 

 

ما الخيارات...؟

"قسد" كانت تلقت تهديداً معلنا من قبل الإدارة الأمريكية بوقف المساعدات العسكرية لها، في حال اتجهت نحو التنسيق أو التحالف مع الحكومة السورية، والأخيرة لن تذهب نحو تقديم الحماية لطرف يوالي واشنطن ويعمل ضمن دائرتها، إلا أن المشكلة بالنسبة لدمشق هو الملف الإنساني وما سينتج عن العدوان من كارثة على مستويين، الأول يتعلق بحجم الخسائر البشرية في الأرواح من المدنيين نتيجة لعمليات القصف المتبادل، والثاني يتعلق بالتهجير وموجة النزوح الداخلي الذي قد تشهدها المناطق الحدودية، ما سيؤدي لتشكل المزيد من المخيمات في مناطق يصعب الوصول إليها لإغاثتهم.

أسلم الحلول بالنسبة للدولة السورية هو قبول "قسد"، بتسليم كامل المناطق الحدودية، ما سيمنع النظام التركي من الذهاب نحو مغامرته العسكرية في مناطق شرق الفرات، لانعدام الحجة، وذلك كونه أعلن استعداده للالتزام بـ "اتفاقية أضنة"، التي طرحت الحكومة الروسية مسألة إحيائها، إلا أن الأمر بالنسبة لـ "واشنطن" مرفوض، وبكونها تتحكم بالقرارات السياسية والعسكرية لـ "قسد"، فقد تزج بها في مواجهة مفتوحة مع النظام التركي في مقابل عدم القبول بالطروحات السورية.

ما تقدم يشير إلى أن "القيادات الكردية"، تقبل بالدخول في معركة خاسرة مقابل ألا تحرج نفسها أمام الشارع المؤيد لها، وهذا يعني إنها ستقبل بالمزيد من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين وعناصرها مقابل الحفاظ على مكتسبات سياسية ضيقة للغاية، تتمثل بالوقوف في هوامش التوافق ما بين "أنقرة – واشنطن"، ولا يخجل الرئيس التنفيذي المشترك لـ "مجلس سورية الديمقراطية"، من تكرار معرفتهم المسبقة بأن "الكرد هم الحلقة الأضعف في أي توافق ما بين الأطراف الدولية"، ومع ذلك يصر على إطلاق التصريحات المواربة، فما بين مغازلة دمشق أحيانا، ومهاجمتها غالباً، يقضي "درار"، وقته على مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق التصريحات.

 

أين ستقف العشائر...؟

خلال الأسبوع الماضي، عقد شيوخ قبائل المنطقة الشرقية اجتماعاً لممارسة الضغوط على "قوات سورية الديمقراطية"، لمنعها من فرض التجنيد الإجباري على الشبان المنحدرين من أصول عشائرية، وتتفق المؤشرات على أن الميليشيات المشكلة من أبناء العشائر قد لا تقبل المشاركة في معركة "لا ناقة لهم فيها ولا جمل"، إن المشكلة التركية تنحصر بـ "الوحدات الكردية"، والخلافات الأخيرة التي ظهرت بين مكونات "قسد" تشير إلى أن أبناء العشائر لن يقبلوا بالدخول في معركة ينسب المنجز الميداني فيها لـ "الكرد" دون سواهما، وهذا الأمر تكرر منذ إعلان السيطرة على مدينة الرقة وصولاً إلى إعلان السيطرة على مناطق شرق الفرات وآخرها "باغوز فوقاني".

الخلافات الشديدة بين الطرفين على جملة من الملفات، دفعت بعض قادة الميليشيات كـ "أحمد أبو خولة"، قائد "مجلس دير الزور العسكري"، لاعتبار أن كذبة "خلايا داعش"، اختراع من قبل "جماعة قنديل"، لتصفية من أسماهم بـ "القادة العرب"، وجاء كلام "أبو خولة"، خلال إحدى التجمعات العشائرية في قرية "الصبحة" بريف دير الزور الشمالي الشرقي، وعلى خلفية اتهام "الآسايش" لعدد من قيادات الميليشيا التي تتبع له بـ "المتاجرة وتعاطي المخدرات"، كما أن "جيش الثوار"، التي اعتقل عدد من قياداتها بتهمة المشاركة بـ "تهريب عناصر داعش نحو تركيا"، لا تبدي أي رد فعل تجاه مطالبتها بالتحضر لمواجهة تركيا.

الأكثر تمسكا بـ "العصيان العسكري"، هم الميليشيات المشكلة من أبناء عشيرة "الشعطيات"، وهذا العصيان بدأ منذ رفضهم المشاركة في معركة "تلال الباغوز" التي مازالت مستمرة وتفشل ما تسمى بـ "القوات الخاصة" التابعة لـ "الوحدات الكردية"، في تحقيق أي تقدم فيها على حساب مجموعة من عناصر "داعش" تحصنت منذ شهر تقريبا في منطقة الكهوف في التلال الصخرية الواقعة في الطرف الشرقي من بلدة "باغوز فوقاني". وتشير ترجيحات بعض الصحفيين الكرد كـ "مصطفى عبدي – روني حسن"، إلى احتمال انقسام العشائر في الموقف الموالي لـ "قسد" على ثلاثة، الأول يختار الحياد دون التدخل العسكري، والثاني قد يذهب نحو طرق باب الدولة السورية لعقد مصالحة تضرب مشروع "قسد"، والثالث قد يتجه نحو إعلان موالاة النظام التركي، مع الإشارة هنا إلى وجود "روابط دم"، بين الكثير من الميليشيات المندمجة في هيكلية "قسد"، وأخرى مندمجة في هيكلية الميليشيات الموالية لأنقرة وتعرف باسم "درع الفرات"، كـ "جيش أسود الشرقية"، على سبيل المثال لا الحصر.

هوامش... أساسية

يتندر صحفي مقرب من "قسد"، من تصرفات الأخيرة بالقول: "ضمن الاحتفالات بعيد ميلاد عبد الله أوجلان، يتحدث قادة الكرد عن اقتراب تحرير عفرين من الاحتلال التركي، وهم يعرفون مسبقا أنهم على أعتاب خسارة جديدة في الشمال السوري، إن لم يذهبوا نحو عقد مصالحة مع دمشق تحت أي ظرف كان"، ويضيف بالقول: "آن للشارع الكردي أن يعي بأن الدولة السورية لم تعد كما كانت قبل الحرب، وأن الظروف اليوم في مصلحة الجميع إن توافقت الآراء على دستور يضمن حقوق الكل، ولن يكون مثل هذا الدستور موجود طالما نحن مختلفين حد الانقسام على الجبهات".

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "الأيام" من مصادر متعددة، فإن 873 شابا اعتقلوا خلال الأيام الأخيرة بهدف التجنيد الإجباري من مدينة الحسكة والقرى القريبة منها، وهناك حملة لاعتقال المزيد من الشبان من قرى الريف الجنوبي والشرقي للمحافظة، إلا أن موجة الأمطار والسيول أجبرت "قسد"، على تأجيل الأمر، علما أن الأخيرة شكلت كتيبة تحت مسمى "القبعات الخضر"، مؤلفة من 175 شابا ينحدرون من أصول كردية من مدينتي "رأس العين – عين العرب"، بهدف اعتقال الشبان الذين دخلوا ضمن سن التجنيد الإجباري الذي تفرضه "قسد" تحت مسمى "واجب الدفاع الذاتي".

وحاولت "قسد" التعمية على السبب الأساسي لتهديدها قرية "حلبجة" بالقرب من مدينة المالكية بهدم المنازل وإحراقها بحجة موالاة "مسعود البارزاني"، إلا أن السبب الأساسي هو البحث عن 53 شابا من أصول كردية انشقوا عن "الوحدات"، وعادوا إلى قريتهم، ويصر السكان على عدم تسليمهم لـ "الشرطة العسكرية – الآسايش"، التابعة لما يسمى بـ "الإدارة الذاتية"، مع الإشارة هنا إلى أن الشارع الكردي -إن صح التعبير- في المناطق القريبة من نهر دجلة ينقسم في الولاء ما بين "الإدارة الذاتية" و"البارزاني"، حتى أن قادة الكرد يصفون من يوالي رئيس إقليم "كردستان"، بـ "البرزنجية"، ويعتبرون أن خطرهم لا يقل عن خطر تنظيم "داعش"، والنظام التركي، وذلك على خلفية تسهيل وموافقة "بازراني"، على دخول القوات التركية إلى أراضي شمال العراق لمحاربة "حزب العمال الكردستاني".


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…