27 كانون2 2019

على ما يُروى عن بيكاسو؛ إنّ أحدهم رآه وهو يرسم - ربما كان تاجراً- فقال لبيكاسو: لِم لا ترسم شيئاً جميلاً، فما كان من بيكاسو إلا ورسم حبة قمح طبق الأصل عن الحقيقية، ثم رسم أخرى وأخرى وأخرى، لدرجة -كما يُحكى أيضاً- جاءت دجاجة وأخذت تنقر حبّات قمح بيكاسو ظناً منها أنها حقيقية، ففتح الرجل فمه دهشة، وقال له: لِمَ لا ترسم هكذا منذ البداية، فأجابه ببساطة: لأنني لا أرسمُ للدجاج.

أسوق مثال بيكاسو لإلقاء نظرة سريعة على المشهد الإبداعي السوري خلال حرب الثمان سنوات على سورية، والذي غالباً كانت سمته إعادة بث حالات الواقع بما يُشبه «التسجيلية» والتي على ما يراها الكثير من النقاد؛ إنها أقل الأنواع إبداعاً، إن لم تكن سقطة إبداعية في بعض الأعمال، فنظراً لما جرى في الواقع السوري مما قد يفوق الخيال تصوراً. وهذا فيما يعنيه أنه ومهما بلغ المبدع وتمكّن من أدواته الإبداعية سيبقى دون الحقيقة الواقعية.

وليس معنى ذلك، أن لا أهمية لـ «التسجيلية» فيما جرى، لكن نحن نتحدث عن الإبداع الذي يُقارب الواقع من دون أن يكون نسخةً عنه، وإنما الإبداع المُعادل لما جرى، أو كيف تمّ تصويره إبداعياً، ذلك ليس المطلوب من الإبداع أن يكون «أميناً» في نقل الواقع، لأن مثل هذه المهمة هي لآخرين، يقع عليهم تسجيل ما جرى كالمؤرخين مثلاً، ومن هنا تكون مهمة المبدع -وهذه وجهة نظري- تسجيل ما يُمكن أن يغفل عنه «المؤرخ»، سواء عن عمد أو غير عمد، من هنا طالما وصفت الرواية على سبيل المثال بأنها التاريخ السري للعرب، أو هي تاريخ المهمشين وناس القاع الذين تجاهلهم المؤرخون... بل أن هناك إبداعات تتخصص بالوثائقية، وقد تفوق غيرها إبداعاً وهنا نذكر بالفليم الوثائقي «كوريس موطني الصغير».. إذاً ماذا على الإبداع أن ينقل من الواقع، وماذا عليه أن يترك؟!

الحقيقة أن الإجابة على مثل هكذا تساؤل ربما لا تتسع لها مقالة في صحيفة، ولكن في نظرة لما تمّ إنتاجه خلال سنوات الحرب، سواء في الأدب أم التشكيل، وكذلك في السينما والمسرح، وحتى في الموسيقا والأغنية، يُمكن تصنيفه على غير مستوى؛ منها الأعمال التي حاولت أن تكون نداً للواقع في بشاعته، وهذه لم تلقَ لدى المتلقي غير أن يُدير لها ظهره، وأكثر ما تمثلت في الفنون التشكيلية، لاسيما تلك اللوحات الصادمة التي كانت وسائل الإعلام التقليدية تعتذر عن عرضها، تقول الفنانة التشكيلية فاطمة إسبر: لنعترف أننا اليوم لسنا في زمن «الغرينيكا» اللوحة التي جسدت الحرب الأهلية في إسبانيا، ولا في زمن المقالة أو القصيدة التي يمكن أن تغير تاريخاً، أو مجتمعاً! من هنا تتساءل: هل نفضل رؤية شيء مريح للعين؟! تُجيب إسبر: بالنسبة لي أحب أن أنظر إلى عمل يُريحني... بقي أن أشير إلى أن لوحة «الجرنيكا، أو الغرينيكا» ليست صادمة، كما أنها ليست نقلاً تسجيلياً عن الحرب الأهلية الإسبانية بل هي أقرب لما صرّح به بيكاسو ذات حين: «أنا لا أخلق الطبيعة، وإنما أسير بجانبها»... من هنا تبدو تلك الأعمال التي غرقت في السواد والأحمر لدرجة تبدو مسألة «تشفيرها» من الضرورة بمكان؛ وهي خسرت أكثر من ملمح فني، لم تُحقِّق المتعة الفنية التي يجب أن تكون إحدى أهم غايات الإبداع أيّاً كانت شواغله، كما لم تستطع أن تنافس الواقع في قسوته، وكذلك لم تُحقق الصدمة لمتلقي هو نفسه مصدوم لآخر خلية في جسده من واقعٍ عايشه لزمن يبدو دهراً.

في المستوى الثاني، جاءت الأعمال التي ترصد حكايا إنسانية، لم ينتبه -في غمرة هول الحرب- أحدٌ لها، منها ما يكون واقعياً، وآخر قد يكون متخيلاً لكنه قائم على تفاصيل واقعية، وهذا ما تجلّى في الدراما والسينما والمسرح، وهو ما تصفه كاتبة كالروائية الفرنسية جورج صاند: «على الفن أن يُفاجئ الواقع» وربما آخر ما شاهده المتلقي السوري في هذا المجال كان فيلم «بتوقيت الشام» الذي عُرض مؤخراً في دمشق، إضافةً للكثير مما قدّمه كل من المسرحي مأمون الخطيب، والمخرج السينمائي عبد اللطيف عبد الحميد.

المستوى الثالث، الذي يُمكن الإشارة إليه، تلك الأعمال التي حاولت أن تُقيم المُعادل الإبداعي لبعض «الأسطورة الواقعية» أو بعض الأحداث التي تفوقت على الخيال، لاسيما في صمود الجيش السوري أمام بربرية وجحافل التكفيريين المدعومين من أعظم القوى العالمية، منها ملحمة سجن حلب المركزي على سبيل المثال، ومطار كويرس. وأستغرب في هذا المجال كيف لم يتم تصوير وقائع حصار (الفرقة 17) حتى اليوم في الأعمال الإبداعية، ولا حكايات نجاة النفر القليل من الجنود التي وصلت حد الإعجاز.

بالعودة للفنانة فاطمة إسبر في تساؤلاتها: أيهما أكثر عناية وإخلاصاً للواقع، الفن الذي ينقل الواقع كما هو، أم الفن الذي يُعيد صياغة الواقع برؤى مختلفة مبتكراً ومضيفاً؟! يُحاول الفنان عبد الحميد فياض الإجابة على تلك التساؤلات بالقول: «الفن الذي يرسم الواقع؛ هو فن تسجيلي بلا روح، ويصلح فقط للتوثيق، أما الفن الذي يأخذ من الواقع موضوعاته، ولكن بروح الفنان ورؤيته وأسلوبه وبمفردات عصره أو بيئته إن كان متوجها إليها، وخاصة في الأزمات والمحن والحروب، فهو فن خالد، وتجارب كل الفنانين عبر العصور خير مثال... وهذا ﻻ يعني أن أرسم فرحاً، وأنا في ملجأ».. قد نتفق في بعض ما قاله الفنان فياض، ولكن نختلف معه في بعض التفاصيل، لاسيما أن مسألة التوثيق في هذا الزمن ليست من مهام الفن والإبداع بشكلٍ عام، لأن هناك وسائل أخرى أكثر دقة في التوثيق والتسجيل، بل حتى الكاميرا، ومن خلال تجاور المكونات في كادر الصورة، أو الشغل على الظل والنور، وإحداث المُفارقة بين مكونات الصورة؛ فإنها تتوخى المتعة الجمالية وتحريض الخيال للتأمل، وحتى تشكيل الأثر النفسي المُبتغى داخل المتلقي... من هنا! فإن لم ترسم «فرحاً» عليك ألا تُضحّي بالمتعة الفنية، وهي ما يقول عنها بورخيس، بتلك اللغة -سواء كانت لغة بصرية أم سرداً- التي هي عبارة عن جهاز من الرموز لخلق الجمالي، اللغة التي تُعاد إلى السحر على أيدي الشعراء... أو من خلال تلك النصوص التي تنزّ بالأسئلة التي تجعل المرء يعود إلى رشده، وهو المشوّش بفوضى الواقع!! فالحقيقة لا تنكشف سوى بتكثيفها، وهذا هو معنى الفعل والمهمة العليا والأساسية للفن.

وهنا نختم مع جورج صاند أيضاً: «الفن ليس تصويراً للواقع، بل هو بحث عن الحقيقة المثالية». على الفن أن يُعيدنا إلى مسكن الوجود، لأنه – حسب ما يرى هيدغر – هو راعي الوجود وحقيقته.

علي الراعي

27 كانون2 2019

من يتابع قناة سورية دراما يشاهد تسع أعمال درامية تعرض، وهنا نشكر قناة سورية دراما على هذا التنوع بين الاجتماعي والتراجيدي والكوميدي، حتى أن ضمن هذه الأعمال مسلسل مصري يحمل قيم فنية وفكرية عالية، لكن هناك بالمقابل نصف الأعمال التي تعرض سطحية ومن دون أي قيمة تذكر ويقينا هي لا تستحق أن يضيع عليها ساعة بث واحدة.

بالتأكيد لا نحمّل إدارة القناة أي مسؤولية أو نتهمها بالتقصير، فهي تعرض تسعة أعمال، وليس ذنبها أنه كان هذا ما ينتج من أعمال فقط، هل تنتج أعمال ذات قيمة على حساب موظفيها أو تبحث من يقدم لها مساعدات على شكل أعمال تلفزيونية؟!

إذا المشكلة فيما يتم إنتاجه من أعمال، والمتهم هو من ينتج الأعمال سواء كان مؤسسة عامة أو خاصة، كلنا يعرف أن الاستناد على نصوص أدبية في الأعمال التلفزيونية لخدمة الدراما ليس جديدا، وتعود أول تجربة في سورية لعدة عقود خلت أي في سبعينيات القرن الماضي في مسلسل أسعد الوراق بطولة الراحل الفنان هاني الروماني ومنى واصف، سيناريو وحوار الأديب الراحل عبد العزيز هلال عن رواية «الله والفقر» للكاتب صدقي إسماعيل، قام بإخراجه آنذاك المخرج علاء الدين كوكش، وبعد ما يزيد عن ثلاثين عاماً أعيد إنتاجه بتوقيع المخرجة رشا شربتجي، سيناريو هوازن عكو، برؤية جديدة وبساعات عرض تلفزيونية تضاعف العرض الأول عدة مرات تناسب ما عرفناه لاحقاً بالموسم الرمضاني، كما تم إعادة إنتاج مسلسل دليلة والزيبق المستقى من السير الشعبية، وكتاب ألف ليلة وليلة بتوقيع المخرج سمير حسين وللسيناريست ذاته.

 البعض اعتبرها ظاهرة إفلاس فكري عند كتاب النصوص التلفزيونية، والبعض الآخر اعتبرها إعادة إنتاج نصوص أدبية لأهمية ما تطرحه من قضايا ذات مضامين فكرية قريبة من المجتمع، لكن لماذا لا يتم العودة والبحث عن نصوص نثرية جديدة تحمل بين صفحاتها أفكار مختلفة تخدم المجتمع ليتم تحويلها من مادة مكتوبة إلى صورة بصرية؟! ومن لغة الكلام إلى لغة الصورة! لماذا نتعمد إهمال الأعمال الأدبية السورية التي تعبّر عن هوية مجتمعنا؟! ونبحث عن سيناريوهات على قياس وتخيلات بعض جهات الإنتاج المستعربة التي تطلب تفصيل رداء درامي لشهواتها، مع أننا لسنا من خليج بريخت النفطي، وأعمالنا السابقة التي تحولت من نصوص روائية إلى أعمال ومشاهد، تنبض بالصور الحية على يد محترفين بالسيناريو و الإخراج أثبتت نجاحها وتفوقها على الأعمال التي ولدت من فضاءات متخيلة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أعمال الروائي حنا مينا «نهاية رجل شجاع، بقايا صور، والمصابيح الزرق» التي عرضت مؤخراً، والأعمال التي حولها الأديب الراحل ممدوح عدوان إلى الشاشة الصغير كالملحمة الدرامية الشهيرة الزير سالم، و المسلسل المعروف «الدوامة» المأخوذ عن رواية «الضغينة والهوى» للروائي فواز حداد، وقدم أيضاً للدراما التاريخية سيرة الشاعر المتنبي برؤية جديدة أخرجها المثنى صبح، وعن رواية «أحلام الغرس المقدس» قدم المخرج باسل الخطيب العمل الدرامي «أنا القدس» ورواية الأديبة ألفت الإدلبي «دمشق يا بسمة الحزن»، والسنوات العجاف عن رواية «الحفاة وخفي حنين» للروائي الراحل فارس زرور، كما حولت أعمال أدباء إلى دراما تلفزيونية حيث قدم المخرج علاء الدين كوكش «حكايا الليل والنهار» عن أفكار الكاتب الراحل محمد الماغوط، و»أقاصيص المسافر» للقاص زكريا تامر، حولت إلى عمل تلفزيوني درامي بعنوان «حارة الياقوت».

نلاحظ مما ذكرناه الإمكانية التي يتمتع بها الكاتب السوري في تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال تلفزيونية، حتى ولو لم تكن أعمال روائية خالصة، أو أعمال روائية ضعيفة، أو حتى لا ترتقي لتظهر على الشاشة الفضية، وقد حولها الكاتب السوري بمهارة إلى عمل مشوق كرواية «ذاكرة الجسد» التي قدمت لها الكاتبة السورية ريم حنا معالجة درامية حولت من خلالها الثرثرة المجانية إلى سياق درامي، وأضافت عناصر وأحداث، وانفعالات خدمت النص الأصلي، وبخبرة المخرج نجدت أنزور شاهدنا صورة بصرية ورؤية إخراجية أضافت بعداً جديداً للعمل، وقربته لعين المشاهد ورسخته في ذاكرته.

ربما كان على صناع الدراما الاطلاع على ما نمتلك من إرث أدبي ضخم يستطيع أن يطور أعمالنا الدرامية فكرياً واجتماعياً وثقافياً، وبدورها الدراما تحول الأبطال الوهميين إلى أشخاص من لحم ودم، وتحول الفن النثري الأدبي إلى نص فني مرئي، غير قوة الشاشة التي تضاهي مئات دور النشر والمكتبات في وصول الأعمال الأدبية إلى الملايين، وتقدم لمدمني التلقي أعمال أدبية ذات جوانب فكرية وواقعية تزيد من ثقافة المشاهد من ناحية، وتعرفنا على أعمال سورية ولدت من العقل لا من «الخاصرة»، و تبين حالة الحارة «الشعبية» وكيف كانت، والبيت الدمشقي وسكانه، ولم تحمل كل هذا الإسفاف والاستخفاف في عقول المشاهدين .

لؤي ماجد سلمان

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…