02 آذار 2019

أدينُ لروابط الفيسبوك ومجموعاته بالكثير... فقد أمضيت عمري قبله هاوية للقراءة والكتابة، ولكن ما أن فتحت صفحتي حتى تغير كل شيء". ذلك ما تؤكده الشاعرة هالا الشعار في إجابتها على سؤال "الأيام" - كيف تنظرين إلى الروابط الأدبية على الفيسبوك... هل هي تشريع لجنس إبداعي أم لم شمل لكتابه؟ وتُضيف الشعار: "أجرؤ على القول إنها -صفحتي- كانت لحظة فارقة، فبالنسبة للكتابة كانت المرات الأولى التي يقرأ أحدٌ ما، ما أكتب، ومن ثمّ يُشير عليّ بما أفعل وبسبب ملاحظة أديب صديق تعرّفت على الهايكو، ودخلت مجموعة (هايكو سوريا)، التي كان عبارة عن ورشة محترمة لصناعة الجمال... في هذه المجموعة لا توجد فروق فردية أو اصطفافات تقف عائقاً أمام الإبداع. كل أفراد هذه الورشة يتعلمون بمقدار ما هم يعلِّمون... ومن هنا شكلت المجموعة والحوارات التي كانت تدور فيها دافعاً للبحث... لا أعرف اليوم وبعد خمس سنوات من التواجد بالمجموعة كم كتاب أو مقال قرأت، لأظل منسجمة مع الطروحات الأدبية والفكرية التي كانت مشمولة بالحوارات الدائرة... كنت للمرة الأولى أجلس افتراضياً مع لغويين وأدباء ومفكرين دونما حواجز... هذه المجموعة وأقصد (الهايكو سوريا) احتوتني ووجهت كتاباتي، بنوعية النقد الممنهج، والإشارة العابرة للأخطاء... وأما الصرامة من قبل "الأدمن" وهو الدكتور سامر ذكريا، فقد حولتني وكثر غيري لشاعرة مسؤولة عما أكتب وأنشر، كما وضعتني في مصاف أدباء كان السلام عليهم مجرد أمنية يقرؤون لي ويعجبون ويقيمون". وتختم الشعار إجابتها: شخصياً أنحاز عاطفياً للفيسبوك، رغم بعض "التنمر" الذي واجهته فيما واجهت من صعوبات إلا أن مجموعة "هايكو سوريا" كانت دافع إيجابي ومدرسة لن أنسى فضلها ما حييت.

إجابة الشاعرة الشعار، اختصرت ملامح "الحالة الفيسبوكية" التي شكلتها في عالم الإبداع للكثيرين ممن تمّ تهميشهم في عالم المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الثقافية، الإبداع الذي يبدو أنه تمّ سحب الكثير من بساطه من براثن مؤسسات هي أقرب لمزارع خاصة لأشخاص بعينهم قد تُفنى أعمارنا وهم راسخون في مناصبهم وقائمون فيها "ما أقامت ميسلون".

 من هنا تبدو شرعية سؤالنا لما لحق من اضطهاد وتطفيش وتجاهل ليس لمبدعين فقط، بل لأنواع إبداعية بذاتها في ظل ثقافة سلفية ومُتحجرة تتكدس في مستودعات لا تُساوي الحبر التي كُتبت فيه... مؤسسات رسمية أو شبه رسمية مُتناحرة خطابها التخوين والشماتة، وليس أدل على ذلك ما حصل في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب من انقسام حاد بين أعضائه الذي ليس إلا جزءاً يسيراً مما بدا من ذوبان القليل من جبل الثلج الذي يُغطي "مرج الاتحاد" منذ سنين بعيدة...

من جهته الدكتور محمد ياسين صبيح رئيس "رابطة القصة القصيرة جداً في سوريّا" أكدّ على أن الطفرة التكنولوجية التي سادت في العالم؛ أدّت إلى تغيير طريقة التواصل والانتشار الأدبي من خلال ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي قربت المسافات وألغت حدود اللقاءات، وهذا انعكس على النشاطات الأدبية بشكلٍ عام، وعلى انتشار القصة القصيرة جداً بشكل خاص نظراً لمواءمة طبيعتها القصيرة والمكثفة مع التطور التكنولوجي، من هنا أتت الروابط الإلكترونية على الفيس محاولة لتنظيم انتشارها ولخلق مساحات مفتوحة للتفاعل المباشر ما بين النقاد والكتّاب، وأدى ذلك إلى زيادة التفاعل بين الكتّاب بشكلٍ عام.

 تأتي أهمية هذه الروابط الإلكترونية من مستوى تفاعل ونوعية الكتّاب المشاركين فيها، من هنا يرى صبيح أن "رابطة القصة القصيرة جداً في سوريا"، قد أوجدت مساحات مهمة جداً للتفاعل ولتبادل الآراء النقدية والاطلاع على الإبداعات المختلفة، مما انعكس إيجاباً على مستوى الكتّاب بشكلٍ عام، وظهر كل ذلك في الملتقيات الأدبية التي ساهمت بشكلٍ فعال في تنظيمها، من خلال المستوى العالي للكثير من كتّابها، وهذا يقودنا إلى الإجابة عن سؤال هل هي لم شمل أم تشريع للقصة القصيرة جدا؟

يعتقد صبيح أن الرابطة وفرت مساحة إبداعية مهمة ساهمت وتساهم في صقل الرؤية الإبداعية والنقدية حول ق ق ج، وساهمت في زيادة شعبيتها في مختلف الفئات الشعبية، ومن ثمّ إذا تحولت إلى مكان قد يأخذ الصفة الرسمية، فهذا سيؤدي إلى تواصل الاهتمام وتواصل الفاعلية النقدية التي ستؤدي إلى رفع المستوى الإبداعي للكتّاب، وتساهم في المساعدة في نشر مختلف الإبداعات الورقية، وفي تنظيم الملتقيات الأدبية الخاصة بالـ ق ق ج. وهي أيضاً لم شمل لمختلف الكتاب المبتدئين والمعروفين والمخضرمين في مكانٍ واحد، مما يُساعد في زيادة الألفة والتواصل بينهم.

 

لقد خلقت رابطة القصة ق ج - يُضيف صبيح - حالة تفاعلية فريدة، أدت إلى ظهور كتابٍ أصبحوا على مستوى مميز جداً. ومثلت انطلاقات حقيقية على أرض الواقع ساهمت في تحريك الركود الثقافي والإبداعي الناتج عن النمطية السائدة والعقل الإبداعي الروتيني الموجود، وخلقت ظروفاً واسعة ليثبت الكثير من الكتاب أحقيتهم ووجودهم الفعلي على الساحة الثقافية، وبالنهاية كل ذلك إغناء للحالة الإبداعية بشكل عام...

و... أخيراً لنعترف؛ إن ثمة الكثير من المبدعين السوريين، وحتى غير السوريين، ما كنا تعرفنا على نتاجاتهم الإبداعية، لولا مواقع التواصل الاجتماعي. صحيح أن هذه المواقع نفسها، وفرّت للعشرات من ضعيفي الموهبة، أو حتى معدوميها أن يقدموا نتاجهم الغث، مع ذلك، المسألة هنا صحيّة تماماً، ذلك أنها وفرت للمتلقي أيضاً حرية انتخاب الأفضل... والجميل في أمر هؤلاء الفيسبوكيين، أنهم وبعد نجاح تجاربهم الفيسبوكية، غالباً، ما يُسارعون لإصدارها ورقياً، ومثل هذه الحالات، وصلت إلى العشرات من التجارب. وكأن حالة النشر الفيسبوكية؛ هي اختبار لجودة النص، الذي غالباً ما تُنتهك "كرامته" بين براثن قراء وزارة الثقافة واتحاد كتاب العرب... وهناك أمر جميل آخر، في تجارب هؤلاء المبدعين، أنها ذهبت باتجاه التخصص، بمعنى صرنا نرى، عشرات المواقع، والصفحات المتخصصة بنتاج إبداعي محدد، معيدةً الذاكرة إلى المجلات الأدبية، والثقافية، التي كانت تتخصص بنتاج إبداعي محدد في منتصف القرن العشرين. وهنا ربما، باستطاعتنا أن نتحدث عن جميلٍ ثالث، هو أن هذه المجموعات من المبدعين، لم تبقَ في إطار الحالة الافتراضية، بل تنادت، والتقت، وشكلت مجموعات ثقافية على أرض الواقع، ولم تبقَ رهينة الفضاء الأزرق. ومن ثم ليس من الغريب أن تتنادى يوماً لتشكيل "اتحاد كتّاب الفيسبوك".


03 شباط 2019

من غرفةٍ مُعتمة في بيتٍ قديم في مدينة رأس العين في محافظة الحسكة، غرفة لم تعد لجدرانها القوة لتمنع تسرّب المياه والرطوبة من جدرانها المُتهالكة، تبدأ حكاية جبران هداية مع الضوء والألوان، من ذلك الضوء الشحيح المُنبعث من قنديل الكاز الذي ينشر ضوئه على سجادةٍ، كانت الأم قد أفردتها على الجدار لتحدّ من رطوبته، غير أن ما كان يشغلُ بال الفتى جبران ليس رطوبة الجدار وبرودة الغرفة، وإنما تلك السمفونية التي تتناغمُ إيقاعاتها بين ألوان السجادة وضوء قنديل الكاز الناعس، حيث تتغير الألوان مع كلّ نوسان وشحٍّ للقنديل، وكلّ حركة له... حيث تتشكل حالة من التجريد اللوني يوفر للمتلقي الصغير عشرات الحالات الرومانسية والسوريالية... تلك الاتجاهات التي ستبقى تُضفي على تجربة هداية، وقد أمسى لتجربته عتيّاً من السنين حيث اكتسبت ملامحها بدايةً من تلك البواعث القديمة في رأس العين، ثم الدراسة الأكاديمية، إضافة للتأثر بتجارب كثيرة إلى أن تستقر على ملامح أمست تُشكل أسلوب جبران هداية في عمارة اللوحة وصياغة تكاوينها...

مسرحة اللوحة

مناسبة الحديث عن تجربة الفنان جبران هداية، هو المعرض الذي يُقيمه هذه الأيام في صالة عشتار بدمشق، والذي يضمّ ما يُقارب من 28 لوحة تذهب بمعظمها صوب الأبعاد الكبيرة، والتي تكاد تأخذُ الموضوع ذاته من شواغل لوحة الفنان هداية، بتنويعات على تكاوين تأخذُ اللوحة صوب «المسرحة»، بمعنى ثمة حكاية يسردها هداية لونياً، لكن على طريقة حالة مسرحية إذ تصبحُ مساحة اللوحة أقرب لخشبة مسرحية، ولأن أداة المسرح على الخشبة الممثل بالدرجة الأولى، وأداة الممثل هنا جسده، فقد اهتمّ الفنان في لوحته بصياغة الجسد وتقديمه بعشرات التنويعات، وعوّل عليه ليكون الحامل الرئيسي لشواغل اللوحة الجمالية وحتى الفكرية... والجسد الذي يُعوّل عليه هداية لحمل تلك الشواغل ليس أيّ جسد، إذ سيستبعد الأجساد الذكورية من تكوينات أو مكونات اللوحة، ليترك لجسد المرأة أن يُمثل ويسرد كامل الحكاية وتفاصيلها داخل أبعاد اللوحة، ولأنّ هداية آمن بالجسد وقدرته على توصيل غاياته الجمالية والفنية؛ فقد منحه معظم المساحة ليفرد على الوجوه وحركة الأيدي والعيون والأكتاف لتؤدي بما يُشبه مسرح الإيماء، بمعنى سيكون السرد صامتاً، لكنه من ذلك الصمت الصارخ، أو على الأقل ذلك الصمت الذي يُهدهد، ويُربت، ويأخذ من الضعف قوةً ويمنحها لمتلقي لابد وهو يتأمل تلك الحالات الحانية والحزينة من أن يأخذ دوره هو الآخر لمسرح اللوحة – الحكاية اللونية، ويصير جزءاً منها، ذلك أن الفنان ترك له لأن يؤدي مثل هذا الدور، وذلك من خلال وقع الحالة الدرامية في نفس المتلقي الذي قد يجده انعكاساً لما يعتمل ويجيش به داخله...

مونودراما لونية

ولأن مسرح لوحة هداية هو من نوع مسرح الإيماء والإشارة، وكذلك من نوع مسرح المونودراما وهو ما أشار إليه هداية بـ «الحوار مع الذات»؛ فقد خفف وبسط من عناصر ومكونات اللوحة الأخرى، وكثفها بعناصر قليلة وظفها لتُتمم وتُكمل تفاصيل الحكاية اللونية التي يقوم الجسد بتشخيصها، ولذلك كانت العناصر المُكملة لجسد المرأة في اللوحة بعض أغصان الزيتون والزيزفون، وبالتأكيد قنديل الكاز، مركزاً على تقنيات صارت اليوم إحدى ملامح لوحة هداية وأسلوبه، والتي يُمكن تكثيفها بالأدوات التالية: فمن جهة اللون ستقتصر ألوان جبران هداية على ألوان بعينها، ومن جهتي أنا أرى أنّ اكتفائه بألوان محددة دون غيرها، هو تحدي ومُغامرة لونية، فكما اعتمد على جسد المرأة، وهنا بالتأكيد ليس بمعنى الآيروتيكي وليس بمعنى القداسي، وإنما الطهراني – وسنعود لهذا الموضوع لاحقاً – كذلك اكتفى بالبارد من الألوان تلك الألوان التي تتدرج بين الأسود والعفني والأزرق، وهي جميعها التي توحي بالرماديات وتدرجاتها مُبتعداً قدر الإمكان عن احتفالية الألوان وبهرجتها وحرارتها، وهو ما سيخدم الحالة الطهرانية التي ينشدها، من خلال تكرار حالات الجسد في اللوحة وتنوّع أداء الجسد الذي يأتي – بتقديري- من حالتين للسيدة مريم العذراء، الأولى وهي تحتضن المسيح وقت ولادته في المغارة أو تحت جذع نخلة حسب الروايات الدينية، والثانية وهي تحتضن رأس المسيح بُعيد صلبه، وربما في حالات أخرى العذراء بمفردها في حزنها وتأملها ونظراتها الحانية والغافية كما جسدتها أغلب الأيقونات.

مساحة روحية

 أقول حالات السيدة العذراء الحانية، ولم أقل أنه يُجسد السيدة العذراء، وإنما ينطلق من تلك الحالات ليُضيفها على الجسد النسوي في لوحته الذي يأتي مرةً امرأة وحيدة، وأخرى امرأتين، رغم أن المرأتين في اللوحة الواحدة قد تكون – إذا ما دققنا في الملامح – هي المرأة ذاتها يُكررها في ذات اللوحة لكن في حوار مع الجسد الآخر، أو كما أطلق عليه هداية «حوار الذات»، هذا المونولوج الذي يتلاءم وينسجم مع هذه الحالة من الرمادية اللونية، ليعطي الحالة الصوفية أو الطهرانية المنشودة، لكن لا يكتمل ذلك من دون تقنيتين لا يكلّ هداية عن استخدامهما، وهما قوة الخط في اللوحة الذي يؤدي دوره في إتمام رواية الحكاية اللونية، والخط في لوحة هداية؛ خطٌّ قوي يبني من خلاله تكوين اللوحة ويصيغ مكوناتها، ومن ثم لتكون في النهاية دهشة الضوء، ضوء اللوحة الذي يأتي تماماً كهواء اللوحة ونسماتها، والضوء الذي يبرز من خلاله هداية الحالة الدرامية لشخصيات اللوحة. وهو ما يستعيض به عن هالة النور حول رؤوس القديسين في الأيقونة - الفن المسيحي الأشهر، الهالة التي تُماثل ضوء لوحة هداية، وذلك من خلال إيحاء الضوء الذي يأتي دائرياً يأخذ مساحة الصدر، وهو يهبُّ بنسماته النورانية خلف الرأس، ومن هنا يطلق عليه هداية النور وليس الضوء.

إذاً الجسد الذي يُعوّل عليه هداية في لوحته؛ هو مساحة روحية تنتمي إلى حالة القداسة، ولكن ليس بالمعنى الديني، وإنما بالمعنى الإنساني الواسع، وإذا كان هداية لم يتناول الوجع السوري المزمن من 8 سنوات مُباشرة، غير أن المُتلقي يُمكن له أن يقرأ تفاصيل ذلك الوجع في حركة الأجساد، وبما تنزّ به حركة العيون والحزن النبيل الذي تتدفق به الوجوه فقداً وخسارة.

علي الراعي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…