02 كانون1 2018

هو واحدٌ من ثلاثة شعراء هم: أبو النواس والمتنبي، وبالتأكيد أدونيس، ربما لم يفوقهم على مدى تاريخ العربية جدلاً وسجالاً؛ العربية التي لم تعرف مُبدعاً شغل الناس، وأثار كل هذا الجدل الطويل بما يصرح، ويقول، وينتج، كما فعلها «أدونيس» والاثنان اللذان قبله، هؤلاء الثلاثة الذين يتقاطعون بالكثير، سواء بالتجديد في مضمون وبنية القصيدة العربية، أو بتلك العلاقة المُتلبسة والمُريبة مع السلطة الحاكمة كلٌّ في زمانه... هؤلاء الثلاثة الذين مازالوا يثيرون الأسئلة في بحثها الطويل عن الحقيقة، الحقيقة التي طالما أشار إليها أدونيس نفسه في غير مُناسبة، «لا تطمئنوا كثيراً أيها السادة...»، لأنّ الحقيقة هي أمامنا وليست خلفنا... وكاذبٌ من يدّعي أنه امتلكها، ومن يُصرّح على الدوام أن الحقيقة في جيبه، ليس أكثر من دعوته لعطالةٍ فكرية، تضع العقل في سرير الغيبية الطويلة التي كان نتاجها سفك كل هذه الدماء وكل هذا الخراب...

أدونيس الذي خاطب من كان يظن أنهم أطراف الصراع في سورية وعليها منذ بداية هذه الحرب الكونية قبل 8 سنوات، وحينها لم تكن قد أريقت نقطة دمٍ واحدة؛ بأن انتبهوا، وحتى تخرجوا بسورية من هوة الخراب القادمة، موجهاً برسالتين يضع فيهما دليل السلام على دروب الخلاص، وذلك من موقعه كمفكر وفيلسوف يُقيمُ في منطقة وسطى تُعطيه الحق أن يقول رأيه من دون أن يزعج أحداً لما فيه خير سورية، غير أن الذي حدث أنّ أحد الأطراف تجاهله تماماً، وكأنه لم يسمع شيئاً مما حذّر منه، فيما الآخر أهدر دمه ونادى لاغتياله. وتراجيديا أدونيس ليست في مسيرة حياته التي بدأت يوم ركض طويلاً وحافياً، لملاقاة رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي خلال إحدى زيارات الرئيس حينذاك إلى الساحل السوري أيام النصف الأول من القرن العشرين، ركض الفتى حافياً وشبه عارٍ ليُلقي بين يدي الرئيس تلك القصيدة التي كانت جواز دخوله المدرسة العلمانية الفرنسية في طرطوس، وهو من ضيعة بعيدة – قصابين - في ريف جبلة. تراجيديا أدونيس أيضاً كانت في مواقفه وكتاباته التي كانت تجرُّ عليه غضب أطراف كثيرة، وأظن أن المتلقي السوري وحتى العربي ما زال يذكر الفصل التراجيدي عندما تمّ طرده من اتحاد الكتاب العرب.

أدونيس الذي مَنح عشرات الشهادات الأكاديمية لطلاب الدراسات الجامعية والعليا من خلال الأبحاث التي تمّ تأليفها حول كتبه سواء الفكرية أو النقدية أو الشعرية في الكثير من جامعات العالم، بقي غائباً عن مناهج التعليم في سورية، ولطالما مرت مراحل طويلة يُمنع على وسائل الإعلام المحلية أن تذكر حتى اسمه... وحتى طيلة السنوات الثمانية خلال هذه الحرب الطويلة على سورية، كانت التوجيهات واضحة لا تذكروا اسم أدونيس في موادكم الإعلامية والصحفية... أقول التوجيهات لأن ليس هناك من قرارات رسمية في المنع...

غير أنّ المفارقة – وهي محور هذا المقال – أنه وأثناء توجيهات المنع من ذكر أدونيس في وسائل الإعلام المحلية؛ تمّ ولأول مرّة في تاريخ المناهج الدراسية السورية إدراج قصيدتين من مجموعتين شعريتين لأدونيس في مناهج الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي، صحيح أن إدخال القصيدتين «الأدونيسيتين» في الكتب المدرسية بدا خجولاً، ولكنه كان كافٍ ليدخل بعض الفرح لقلب شاعرٍ سوري مرشحٌ لنيل جائزة نوبل للسلام من سنين بعيدة، وعندما سُئل عن رأيه حول تدريس بعض قصائده في المناهج السورية؛ أجاب بخيبة بطعم الفرح حسبما نُقل عنه: «لقد تأخرتم خمسين سنة!» كما تمنى لو اختيرت إحدى القصائد في منهاج الثالث الإعدادي، وليس الثانوي لتكون تمهيداً للقصيدة الثانية.

وأما القصيدة التي اختيرت للفرع الأدبي، فكانت من ديوانه الشهير «أغاني مهيار الدمشقيّ» وهي قصيدة (أفقي وعد) لتكون محور الحداثة في منهاج الثانوية السورية (2016-2017م)، ونقرأ هنا بعضاً مقاطعها:

- 1 -

عابرٌ أحملُ خُطوتي وبي/ ظمأ الرمل وفي خطوي بحارُ/ من أنا؟ أيّ هوى أحيا له؟

- 2 -

يا هوى ضيعني، مُرَّ على/ حيرتي، مُرّ على شطآنها/ وسل الأصداف عن كُهّانها/ أي سرٍّ لي في أعماقها

أي حلمٍ لي في أجفانها؟/ وبخورٌ مُذهبُ النار، ونارُ/ هذه القصيدة التي يراها معدُّو الكتاب؛ إنها تتضمّن قضية إنسانية وجودية، أراد الشاعر البحث عن إجابة لها، أمّا القصيدة الثانية التي تمّ اختيارها، فكانت من ديوانه «قصائد أولى»، وهي التي تمنى لو تمّ إدراجها في منهاج الإعدادية على ما ينقل عنه الباحث عدنان شاهين، والتي كانت بتقدير شاهين؛ أنه جاء اختيارها لتكون شاهداً على انحياز أدونيس للفقراء والمُشردين، مُصوراً شكوى البائسين، ومظاهر مُعاناتهم، ومُحرضاً على استعادة الحقوق، ومُتغنيّاً بنضال الكادحين ضد المستعمرين الدخلاء، بقاماتٍ لا ترضى أن تموت إلا واقفة.

ومن قصيدة «المشردون» هذه نقرأ بعض المقاطع:

- 1 -

في أوّل العام الجديد/ قالت لنا/ آهاتنا، قالت لنا:/ شدوا الرحال إلى بعيد،/ أو فاسكنوا خيم الجليد/ فبلادكم ليست هنا

- 2 -

نحن الذين على الدخيل تمرّدوا،/ فتهدموا وتشرّدوا/ أكل الفراغُ نداءنا،/ ومشى الأمام وراءنا،/ أيامنا جمدت على أشلائنا،/ وتقلصت كدمائنا/ صارت تعيشُ على الثواني،/ صارت تدور بلا زمان.

بقي أن أشير إلى ضبابية الجهة التي تُعطي التوجيهات، سواء في المنع من الإشارة إلى ذكر أدونيس في وسائل الإعلام المحلية، أو قبول الكتابة عنه بإسهاب، حتى أن الأمر يبدو مُلتبساً أحياناً وغير مفهوم. وكأن الوزارات في الحكومة ليست على ذات الرأي نفسه، ففي حين لا يُشار إلى أدونيس في وسائل الإعلام التابعة لوزارة الإعلام، أو في صحف اتحاد الكتّاب العرب، نجد أن مجلات وزارة الثقافة تحتفي به وبنتاجه بين الحين والآخر، وها هي وزارة التربية تُدخل قصيدتين له في منهاج الثانوية العامة بفرعيها الأدبي والعلمي، ولأوّل مرة!!

ونُشير أخيراً إلى الشعراء من أتراب أدونيس أو ممن عاصرهم حيث يتم الاحتفاء بهم منذ زمن طويل في مختلف المناهج ووسائل الإعلام كبدوي الجبل، نديم محمد، محمد الماغوط، عمر أبو ريشة، نزار قباني، وآخرون، وأما أدونيس، فقد تأخر الأمر لخمسين سنة فقط!!

علي الرّاعي


 

11 تشرين2 2018

هل كنا واهمين على مدى كل تلك العقود من السنين التي مضت؛ بكل تلك الأسماء التي تربعت على عرش المنابر الإعلامية والثقافية طوال هذه المدة، وثمّ وفي النهاية لنكتشف حجم كل هذا الخذلان، وإننا كنا طول الوقت نؤمن بأنبياء من وهم؟؟!

سؤالٌ بدأ يُطرح اليوم بقسوة كحامضٍ في الحلق: من كان وراء تكريس كل هذا الهراء، أسماء نكتشفُ اليوم هشاشتها، وهي التي صُدّرت على أنها النخبة، تلك الأسماء التي تمّ تعويمها لعشرات الأسباب وليس لسببٍ واحد...

فرسان من ورق

ثمة من يؤكد؛ أن الفيسبوك كشف ما كان وهماً على مدى المنابر التقليدية، وأقصد بذلك النخبة الثقافية، ودليله: تجرؤ «الجهلة» على اقتحام عوالم كالشعر والأدب والفن والإعلام، وهم يرددون طالما فعلها من يدعي النخبوية فما الذي يعيقني عن فعلها أنا؟! غير أن «دليلنا» الآخر نحن؛ ظهور أسماء إبداعية وعلى مساحةٍ واسعة تفوقت بنتاجها على ما كانت تدعيه النخبة أنها «معلقات زمانها»... هل حقاً كشفت مواقع التواصل الاجتماعي هشاشة من كان يدعي أنه النخبة الثقافية، وأننا عشنا طويلاً على رصيد أسماء مفلسة، ومثلها كثيرون في الساحة الثقافية، كانوا محرومين من المنابر، وضاعت في الظل مواهب كثيرة؟؟

منذ مدونة العرب الأولى

عن هذه التساؤلات كان لـ «الأيام» هذا الحديث مع الأديب السوري مُتعدد النتاجات الإبداعية أحمد اسكندر سليمان، الذي أجاب بدايةً: دعنا نحاول تتبع الأمر منذ أن عُلقت القصائد على جدران الكعبة من دون أن يعني هذا بعدم وجود قصائد أخرى لم يتحقق لها النشر على جدران الكعبة الثقافية في ذلك الوقت... تلك هي المعلقات، وتلك هي صحيفة ذلك الوقت، أو موقع النشر والتداول الذي لم يكن ينجو من تقديرات أولي الأمر أيضاً... كانت الكعبة وأستارها مدونة العرب في ذلك الوقت...

أما بعد هذا فيروي سليمان: ستكون هناك مدونة مقدسة تحكم الحياة، وتشير إلى ما بعدها، ومنها ستستمد معايير الحكم والقراءة والسلوك، ولن تكون قابلة للتغيير بعد عشرات القرون... سيعني هذا عدم وجود الصوت الفرد، وفي حال وجوده سيدفع ثمناً باهظاً هو حياته، وهو ما حدث فعلاً... ستنسخ السلطات وأدوات القراءة نفسها بشكلٍ متواصل، ولن يكون من السهل إزاحة كثير من أوهام القراءة إلا حين تتزحزح المراكز بفعل قوة ما، أو بفعل انقسام ما... حدثت الانقسامات، ولكن المركز لم يتزحزح، سيعمل العرب على النسخ طويلاً، وسيخترع الغرب الطباعة ويصبح أمماً قارئة قبل أن تفكر أمة المعلقات بهذا... ستكون هناك في الغرب موجات إبداعية تغير المجتمعات قبل أن يفكر العرب بطباعة مجلة للإبداع تنقل تلك الحساسية المشنوقة على أستار الكعبة...

شاعر المدونة ذاتها

ويضيف صاحب «الكائن في عزلته»: سيغير العلم كل شيء عبر الأقمار الصناعية، وستتطلب معرفة أي شيء جهداً أقل، ولكن سيبقى هناك من لا يريد أن يعرف سوى الشيء نفسه، الحاكم نفسه والمرجع نفسه، والمؤرخ نفسه، والشاعر نفسه... شاعر الأمة... شاعر البلاط... شاعر القضية... شاعر الحزب... شاعر القبيلة... شاعر الثورة... شاعر أستار الكعبة... شاعر لا يأتي إلا تالياً وصدى... شاعر لا يقرأ، بل يعيد تشكيل أصوات المدونة ذاتها... المدونة التي يصعب تجاوز حدودها.

مع ذلك يؤكد صاحب «الحبر الضال»: إنّ هذا ليس سيئاً، ولكنه ليس جديداً ومدهشاً... رغم وجود بعض الاستثناءات التي حاولت تشكيل الموجات... موجات الكتابة وموجات القراءة، الموجة موجودة دائماً، ولكنك لن تشعر بها إن لم تجد المدى لاندفاعها.. كانت الأمداء ضيقة قبل الفيسبوك... كل تسمية للموجة باطلة... موجة شعر... موجة الملحق الثقافي... موجة ألف... نعم مقارنة بهذه الموجة كل موجة باطلة رغم مساوئ الفيسبوك التي لن أشير لها هنا.

 كانت سورية تنجب كل 10 سنوات شاعراً، وحول تجربته عدد محدود من سنوات تواجدي على الفيسبوك، وهي سنوات الحرب التي أعادتني إلى الكتابة عرفت مئات الشعراء والشاعرات الذين لم يكن متاحاً لي أن اشعر بهم لولا الفرصة التي يُنتجها الفيسبوك الذي صنع المدى للموجة لتكون وللمرة الأولى بحسنها وقبحها، وهي تصنع مدى جديداً وواقعاً جديداً ولغةً وأساليب جديدة وحساسية جديدة وبوضوحٍ عالٍ للشخصية الفردية، لم يكن متاحاً من قبل، فقد انهارت كل الوصايات والمعابر، ولكن ليس إن لم يكن الشاعر أو الشاعرة في منطقة آمنة دينياً واجتماعياً وعسكرياً في ظروف تلك الحرب التي أعادت بعض المناطق إلى العصر الحجري.

يقول سليمان هذا؛ لأنه لم يكن يوماً مرهوناً لجهة، ولم يسع لشهرةٍ أو وظيفة، ولم يُحاول أن يقبض قرشاً واحداً لقاء ما كتب... فقد حاول دائماً تشكيل الموجات التي تقدر على فعل الإزاحة... إزاحة البليد والعادي المأجور غير الباحث... ولم يكن هذا سهلاً في مكان، قبل ترويج السطحي والسخيف الذي لن يغير معادلات سائدة فيه.

قبل الفيسبوك وبعده

من هنا يؤكد سليمان: نعم... حين تأتي الموجة بهذه القوة سيتم التشكيك بكل شيء بدءاً من المعايير والأشكال والهدف والغاية من هذا، وبشكلٍ خاص في ظروف الحرب التي تغير طريقة الرؤية لكل شيء في الفيسبوك. سنرى شعراء كبار حسب المعايير قبل الفيسبوك مجرد شعراء عاديين تتجاوزهم شاعرة مراهقة. وسنرى شعراء صمتوا طويلاً وعادوا مع المعادلة الجديدة للنشر حيث لا رقابة ولا انتظار. إنها القصيدة تولد حارة بل شديدة الحرارة، وكأنها تخرج من رحم العالم إلى الضوء. لم يكن هذا ليحدث في زمن الأوصياء على القصيدة. كان ثمة تكلف ونفاق يضعضع الشعر برمته، وليس القصيدة. كان الشاعر بمرتبة موظف وبمرتبة عضو في اتحاد ينسج نفاقاً وتكلفاً بشكلٍ لانهاية له، وكان هذا سيئاً للغاية... وثمة ما هو جميل الآن... المدى مفتوح ولا عودة إلى الوراء، هو زمن الصعاليك الإلكترونيين الآن... زمن البداوة الإلكترونية ويمكن فيه لموهبة حقيقية أن تصنع المعجزات، وكل ما تحتاجه هو الوقت والرغبة بتغيير العالم. قريباً ستنتهي العقائد والأحزاب، ويتبلور الفرد، وتتبلور المجموعات، وإن بدا عكس هذا اليوم بسبب ظروف الحرب، لن يكون هناك اتحاد كتاب ومجلات ودور نشر بالطريقة المألوفة، لن تكون هناك وزارة ثقافة ووزارة إعلام ووزارة أديان... سيختلف ترتيب المشهد... المسألة مسألة وقت لا أكثر وإن بدا بطيئاً للغاية في هذا المكان من العالم.

علي الراعي


   
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…