16 كانون1 2018

لولا بعض الرموز، التي كانت بمثابة مفاتيح للدخول، ومن ثم العبور في فضاء اللون، لكانت لوحة الفنان محمود الساجر ذهبت بكليتها صوب التلوين الصرف، أو صوب التجريد الخالص، كما يحب النقاد التشكيليون أن يصفوها.

أعمال محمود الساجر –  49 لوحة - التي تحتفي بها جدران المركز الوطني للفنون البصرية بدمشق هذه الأيام، وهي نتاج سنوات الحرب على سورية، وخلالها؛ تنوسُ بين المساحات التي أخذت الكثير من الاتساع لاسيما على الجدران الرئيسة في المركز، وبين اللوحة الصغيرة التي احتفت بها الجدران المتحركة في أرض الصالة. غير أن ما يجمع بين اللوحات كبيرها وصغيرها أكثر من تقنية، والكثير من الشواغل الفنية والإنسانية.

الخامة واللون

وأوّل ما يلفت الانتباه في لوحات محمود الساجر الأخيرة أمران؛ الخامة والاشتغال على تقنية اللون، فقد نوّع الساجر بين خامة القماش والكرتون وبين ما سمّاها مواد مختلطة، الأخيرة التي كانت الأكثر التفاتاً، ذلك أنها جاءت بإحساس القدامة، وكأنها منحوتة على صخور قديمة بما يُشبه أعمال الروليف. إضافة للكولاجات التي خوّض من خلالها في «بحر الأسبوع» من خلال استخدام أوراق الروزنامة التي تبحر كزوارق خربة في بحر الأسبوع المنهك والدامي. فيما ثمة خيط يربط بين كل هذه الأعمال هو عنوان «بلا عنوان». وكأنه يريد القول إن الحالة مازالت مستمرة، ومن الصعوبة أن نُقيدها بعنوان، ذلك أن المآلات للحالة الدرامية التي يشتغل عليها مازالت مفتوحة على احتمالات النهاية المختلفة، ومن ثمّ صعوبة تحديد عنوان لما يجري.

وهذا ما يراه الفنان غياث الأخرس، فيذكر: «الخامة واللون – عند الساجر- يتعايشان بشاعرية تتكلم عن نفسها، وهنا نكتشف الفنان المصوّر التعبيري بحسه الفطري أو العفوي، أكثر مما تحمله الأعمال القريبة للتكوين شبه الهندسي».

بلا عنوان

لم يتناول محمود الساجر الحرب، كما اعتاد الكثير من الفنانين التشكيليين تناوله على مدى السنوات 8 الدامية، وذلك بإعادة الدموية مرةً أخرى إلى فضاء اللوحة، وبما يُشبه إعادة التمثيل للخراب وإن جاء مُقارباً إبداعياً، أو صدى لكل ما حدث، ومع ذلك فإن لوحة الساجر بقيت تُقارب الوجع السوري بالكثير من الإشارات، لعلّ أكثرها تعبيراً السلالم التي تحاول أن تبقى واقفة في جهدها للصعود كتمني لأمل خلاصٍ ما، وطائر الغُراب الذي لا ينفك يظهر على طرف اللوحة كسارد لتفاصيل المحنة، أما أكثرها مباشرة، فكانت الحمامة التي وضع عنقها في حلقة حبل المشنقة.

هذه الطيور التي ينوّع في ترتيبها في المشهد التشكيلي في اللوحة، مرةً في زاوية ما من اللوحة، أو قد تكون في وسطها؛ تأتي أقرب إلى ختم أو توقيع والتي هي بمثابة العناوين غير الصريحة، لمآل وشواغل العمل التشكيلي. هذا لجهة التكوين والخطوط، وكذلك في تكاوين الوجوه، التي بالكاد يُمكن سحبها من بحور ألوانها، الوجوه الهائمة والمحبطة والتي تكاد تذهب صوب التجريد بعيداً، التجريد هنا الذي يعوّل عليه الفنان بالقيام بأكثر من مهمة، سواء كانت جمالية على صعيد المد اللوني والبصري، أو التجريد الذي يسحب الكائن من إنسانيته لدرجة الإمحاء والعدم والعبث.

صراحة اللون

غير أن الحاضر الأقوى في شغل محمود الساجر الأخير، كان في هذه الجرأة اللونية، وعلى أكثر من مستوى؛ منها مثلاً الجرأة في طرح اللون الخالص، وهذا ما بدا جلياً في مساحات الأحمر الحار، والأصفر، وصولاً لكل برودة الأزرق، وكل ذلك يأتي في ليلٍ واسع من السواد الذي يُضفي بتواشيحه على كل التفاصيل، لدرجة لم يبق منها سوى المفاتيح التي أشرنا إليها من طيور وسلالم وغيرها. وبعض من الوجوه الغائمة التي في طريقها للإمحاء والنهاية... يقول الفنان التشكيلي سعد يكن عن تجربة الساجر الجديدة: «تخرج إليك الوجوه والأشكال، وكأنها قادمة من عمق الصخر الذي يسكن تاريخ الوجود من دون اعتراض. إنها وجوه صامتة في عمق المأساة التي لا تحكي، وجوه مألوفة بطريقة حسية قريبة من الإنسان، وبعيدة كل البعد عن مباهج الحياة اليومية، وكأنها إلى الأبدية من خلال نظرات لم تكتمل بعد».

وتقنية التكثيف الذي يصل حد الاختزال؛ تبدو مُحببة لدى الساجر في هذه الدعوة للمتلقي لإشراكه في عمارة اللوحة، سواء لجهة عمارة اللوحة الفنية، أم لجهة شواغل اللوحة وغاياتها، وذلك من خلال عمليات التحوير التي يلجأ إليها، وفي الصياغات التعبيرية في الخط والشكل واللون، والتي جميعها يُكثفها في إشارات ورموز تحمل بعديها الانفعالي العاطفي والفكري الفلسفي، هارباً من المقولات الجاهزة والتماثل في المشهد الساكن.

في هذه الغواية اللونية؛ يعوّل الساجر على الحوار الواسع للإحساس والانفعال باللون، سواء من خلال المد اللوني الذي يكاد يُضحي من خلاله بالتجسيد لولا بعض الخطوط، وبهذا القلق على وطن، تماماً كمن يمسك بقميصه وقد قُطعت أزراره على حين خراب. من هنا يأتي الساجر بهذه السرديات الناقصة، ليضع لها المتلقي تمنيات تتماته المشتهاة، أو يتركه يتم قراءته حسب رؤيته الخاصة. وهذا ما يجده نيروز مالك؛ إن الساجر في هذه المرحلة «أعطى اللون بعض الحيوية والليونة، وجعله أكثر إشراقاً... إلى جانب أنه أعطى للحيوانات والطيور دوراً أكثر في أجواء اللوحة، غربان، (حرباءات)، حلازين...»، في هذه المرحلة -يُضيف- تختفي الوجوه تقريباً، ولا تظهر إلا بصورة عابرة لتؤكد على عالم قاسي، هو عالم الحرب، وكأنه في صفاء اللون، وحدّة الموضوع، ووضوح الخطوط؛ يُشير إلى تأثير الحرب غير المُباشرة على الفنان وموضوعه.

علي الراعي

09 كانون1 2018

ما أن يترجم له بعض أصدقائه مقطعاً أو قصيدة من مجموعته الشعرية إلى أية لغة أخرى، حتى ولو كانت السويحيلية الصومالية، حتى يُغدق عليهم «آيات الشكر والعرفان»، على هذا العمل الجليل الذي على ما يبدو في ظنه، وكأن ذلك الصديق المُترجم قد أوصله للعالمية بكبسة ترجمة لومضةٍ شعرية.

مُكاشفات

في الحقيقة لطالما تساءلت، وماذا في ذلك، ولماذا كل هذا التوسل لترجمة ولو نص لشاعر لن يقرأه أحد في اللغة التي انتقل إليها من أبناء تلك الثقافة، ومن ثمّ لن يقرأه أحد من أبناء ثقافة لغته الأصلية؟!

سبق أن فعلها الشاعر مُفيد خنسة مُبكراً، عندما أصدر مجموعته الشعرية «مُكاشفات» في دمشق سنة 2003 باللغات الثلاث: العربية، الإنكليزية، والفرنسية. ومن يومها حتى راح الكثيرون يُصدرون أشعارهم بأكثر من لغة بذات المجموعة وداخل سورية، وهذه الظاهرة ليست سورية فقط، بل هي تنتشر في أكثر من بلد عربي... والسؤال: لماذا كل هذا الانبهار بمتعة ترجمة نص أو جزء منه ونشره على صفحة في الفيسبوك، أو حتى مجاوراً للنص العربي في كتاب واحد؟! إذاً كيف سيكون الحال لو أنّ داراً أجنبية ترجمت مجموعة أو كتاباً شعرياً كاملاً للشاعر أو الشاعرة السورية الفذة للغة أجنبية ولتكن الفرنسية على سبيل التمني، والحلم؟!

الحلم العالمي

واليوم انتقلت تلك الظاهرة من الورق إلى الفضاء الإلكتروني؛ ولتل مظاهر التبجح ذروتها لدرجة الظن أن الشاعر أو الشاعرة، قد أمسى «عالمياً». هذه «العالمية» التي هي الأخرى تُدغدغ الكثيرين حتى أنها تُطلق على ما هبّ ودب لمجرد أن أقام فناناً تشكيلياً معرضاً في دولة مجاورة، ولـ «العالمية» هنا حديث آخر.

لكن دعونا في الجهة الأخرى نُلقي نظرة على ما يُنتجه العرب المُقيمين في الاغتراب؛ هنا أكثر من إشكالية، وأكثر من التباس، في ظاهرة الكتّاب العرب الذين يكتبون نتاجهم الإبداعي بلغة الآخرين، يبدأ هذا الالتباس من هوية مثل هذه الكتابة، ولن تنتهي عند إشكالية المحتوى لمثل هكذا كتابة، ولمن توجَّه، ومن هو المتلقي لها، ثم هل هي كتابة منفصلة عن موضوعات الكتابة في العالم العربي، أم هي لا تعدو أن تكون كتابة مترجمة عن اللغة العربية؟!

لنعترف أولاً، أنه ليس من حوار بين الشرق والغرب، وهذا ما تثبته الوقائع كلما مرت الأيام، فكل طرف يصرّ على سماع خطابه هو، حتى وإن كان ثمة ما يشبه الحوار، فهو حوار مغشوش، وتأتي صورة كل طرف مشوهة عن الآخر، لأن باقي عناصر الصورة مغيبة، وغائبة! أمام هذه المعادلة، هل استطاع الكتّاب العرب، الذين استعاروا لغة الغرب كحامل لكتاباتهم تصحيح هذه الصورة، وهل قبلهم الغرب أن يكتبوا بلغتهم بمفاهيم تعاكس الصورة المُرسخة في وجدان الغربي عن العرب، وعشرات الأسئلة التي لن تزيد المشهد إلا التباساً وإشكالية...!

الغسيل الوسخ

لا أستطيع الزعم أنه في هذه المقالة، استطعت حل مثل هذا الالتباس، ذلك ببساطة لم نطّلع على كامل ما أنتجه الكتاب العرب باللغات الأجنبية، غير أن ثمة ملامح تكاد تكون مشتركة في أغلب هذا النتاج، وهي: إن معظم ما كتبه المبدعون العرب باللغات الغربية، إما تجاريّ يُحاكي السائد الغربي، ومن ثم هي لم تدهشه، وإما كتابة مصرة على الخطاب بالعقلية الشرقية، وبالتالي يبقى الحوار مقطوعاً، بقي نوع ثالث راج كثيراً، وسوّق له الغرب بأقصى مستطاع، وهو نشر «الغسيل الوسخ»  أي كما يريد هذا الغرب أن يرى العرب، ومعظم ما اشتهر اليوم من كتّاب عرب باللغات الغربية كان أن سلك هذا المنحى. ولدينا مثال صارخ في هذا المجال؛ الكاتب الجزائري ياسمينة خضرة –محمد بو لسهول- الذي يكتب باللغة الفرنسية، والتي فاقت كتبه كتب بابلو كويللو توزيعاً في بعض الدول الغربية، وهي كتابات مفعمة بالعنف عن أكثر من منطقة عربية مثل العراق، وفلسطين، وأفغانستان، وغيرها، وبالتأكيد ثمة العشرات من نماذج ياسمينة خضرة. وأوضح هنا أن الأمر ينطبق أيضاً على باقي النتاج الإبداعي غير الكتابة كالفنون التشكيلية والموسيقا والمسرح والسينما وغير ذلك... كما أن الإعلام الغربي، بقي يروّج لهذه الكتابة على أنها صنيعته هو، أي كتابة غربية، وهويتها كذلك، ولم يحتف بها على أنها كتابة قادمة من الشرق، على اعتبار أن من يحدد هوية كتابة ما، هو الحامل لها، أي اللغة!

سلالم الشرق

ثمة أمرٌ آخر أشير إليه في مسألة ترحال الكاتب في لغة الآخر وفي جغرافيته، وهي أن المبدع العربي، الذي غيّر مكان إقامته العربية، وذهب بعيداً صوب جغرافيا مغايرة، بقي يستمد من المكان الأول- الشرق- معظم ما يصدره في الغرب، هكذا سيكتب أمين المعلوف: «صخرة طانيوس، وسلالم الشرق، و... غيرها»!!

فيما المثال الآخر الأكثر نصاعة، ذلك الذي بقي يصر على الكتابة باللغة الأم – العربية- في بلاد الغرب، وتُرجم ما كتبه إلى عشرات اللغات، بقي نادراً لكنه حضر – على قلته بقوة- فهذا أدونيس الذي أكتشف هناك جغرافيته العربية أكثر مما لو كان مقيماً فيها، يعلن: لقد اكتشف المتنبي في باريس، والجغرافيا هنا لا أقصد بها التضاريس من جبال وسهوب وصحاري، وغيرها، بل تلك الجغرافيا الداخلية التي كانت موصدة، ومن ثم كانت أن فتحت بأبواب السفر.

علي الراعي


 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…