23 كانون1 2018

هناك مثل شعبي قديم يطلق على التاجر بأنه يريد «قط من خشب يصيد ولا يأكل» والمقصود أن التاجر يريد قط خشبي يصيد من دون أن يترتب على صاحبه أي تكاليف كثمن الطعام والشراب، فالجماد ليس بحاجة إلى أي «شخت» لحم من سواقط اللحوم التي يبيعها الجزار.

من أسف، وزارة الثقافة السورية لم يكفها أن يكون عشاق المسرح السوري ومن بقي يعمل فيه من خشب، بل أرادت أن يكون لديهم «بساط سندباد» أو البساط السحري، حتى يحملهم للمشاركة في المسابقات والمهرجانات التي تقام في الدول العربية من دون أن تتكلف سعر تذاكر الطيران، وبما أنهم من خشب لن يلزمهم المقابل المادي للوجبات التي سيتناولونها في البلد المضيف، خاصةً أن وزارة الثقافة والمديرية العامة للمسارح تؤمن بتلاقح الثقافات، بدءاً بالعروض التي تأتي من كل أنحاء العالم وانتهاءً بوجبات الطعام الأفريقي التي تُعدّ لنزلاء الفندق، ولا بد أن تتعرف الفرق السورية على ثقافة الطعام وتعتاد على المائدة الأفريقية «السمك والبيض والكسكس»، ولا حاجة للممثل المسرحي وباقي الفرقة تبديد طاقاتهم في صرف المال طالما أن الوجبات مجانية، وإنما يجب أن يطّلعوا على ثقافة المائدة الأمازيغية.

من أسف هي حال المواطن السوري، ولن نقول «المبدع السوري» الذي يملك طموح المشاركة والحصول على جائزة باسمه واسم بلده سورية. الغريب أننا نريد المشاركة في مهرجانات، لكن من دون أن نقدم للفرقة أي مساعدات بما فيها تكاليف السفر أو بطاقة الطائرة، وننتظر من البلد المضيف أن يقدّم لنا بطاقات الطائرة وتكاليف الإقامة ووجبات الطعام، وكأننا الفرقة الوحيدة في العالم.

هناك خيار ثان للمشاركة، وهي أن يكون أفراد الفرقة المسرحية من الطبقة المخملية ومن أصحاب الثروات الطائلة، بحيث يستطيع الفرد أن يدفع تكاليف السفر إلى لبنان ومن ثم تذكرة الطائرة والإقامة حتى يشارك في المهرجانات بكرامة، ولا يلجأ إلى تجار البهارات والفوط الصحية، حتى يكونوا رعاةً لعروض المسرح القومي، أو يتلطى بوزارات الدول المضيفة ويطالبها بتأمين ثمن البطاقة للمشاركين من سورية.

لا يخفى على مديرية المسارح ولا وزارة الثقافة، أن راتب الموظف لا يتجاوز مائة دولار، وأن قسما كبيرا من العاملين في الفن غير موظفين ولا يتقاضون أجورا شهرية، إذاً كيف ستتحقق هذه المعادلة ويستطيع المواطن السوري السفر إلى الخارج، إن كان غير قادر على ركوب سيارة أجرة، من محافظة إلى محافظة مجاورة؟!

وزارة الثقافة تدرك تماما أن المسرح لا يحتاج إلى تكاليف عالية بالنسبة للعروض التي تقدم كل عام، وبالنسبة للإيفاد الخارجي، والفرق التي ستشارك في تقديم عروضها في المهرجانات، فهي لن تتجاوز فرقة واحدة أو فرقتين، واحدة منهم ستكون في المسابقة الرسمية. ألا يمكن على الأقل دعم هذه الفرقة بتذاكر السفر! أو مصروف جيب يليق باسم بلدهم؟! ناهيك أن هذه الفرق تمثل سورية ووزارة الثقافة السورية، وهي أساسا تتبع للمسرح القومي، فهل ينبغي أن تتحمل هي تكاليف السفر؟

لا شك أن الكل يحرص على رفع علم سورية في المحافل الدولية والمسابقات الرسمية والمهرجانات، سواء الوزارة أو الفرق التي تمثل بلادها، وفي كل المجالات، لكن لماذا يتم تهميش المجال الإبداعي والفني! علماً أنه العام الثاني على التوالي الذي يحصل فيه عرض سوري على جائزتين في مهرجان «قرطاج المسرحي» في تونس، ولا يخفى على أحد بما فيهم العاملين بالمجال الثقافي أهمية هذا المهرجان.

لكن هل من المنطق أن يكون السفر كل عام على نفقة المشاركين الشخصية؟! أو عليهم التسول على أبواب الوزارات العربية أو إدارة المهرجان؟!

 لماذا نبحث عن تقليص النفقات حين يكون الأمر متعلقا بالمسرح! أو نمنع الفرق المسرحية من السفر بشكل غير مباشر بحجة عدم وجود اعتماد؟ ألا يكفي أن أجور العاملين في المسرح هي الأدنى من بين الفنون، بدءاً بالكاتب وانتهاء بالممثل باستثناء بعض النجوم الذين تقدم لهم الملايين مقابل مشاركتهم الرمزية في بعد العروض داخل سورية.

ندرك أن هناك التكريم الرمزي للمبدعين الذين ينتزعون جوائز في المهرجانات ويحتفي بهم الإعلام، لكن هل يعدّ هذا نوعا من التكريم؟!

 للتكريم وجوه كثيرة ومن غير احتفاء، أقلّه منحهم الأجور التي توازي الجهد الذي يقدمونه، أو مساعدتهم حين تمثيل الوطن في المهرجانات العربية، طالما يمثلون بلادهم ولم يشاركوا كفرق خاصة. من المعيب أن يرتبط الحديث بالثقافة والفنون بالمقابل المادي، لكنه الواقع الذي منع الكثيرين من السفر والمشاركة. ألا يستحق الفنان والمخرج السوري وكل الفنيين العاملين في المسرح، أن يكونوا جزءا من اهتمام وزارة الثقافة! التي لا تعترف على ما يبدو إلا بالسينما!! أو أن تضحي المؤسسة العامة للسينما الابن المدلّل لوزارة الثقافة، بفيلم كل أربع سنوات من الأفلام التي تنتجها كل عام حتى يستطيع أبو الفنون حفظ ماء وجه العاملين فيه! خاصة أن وزارة الثقافة هي الأب الشرعي الوحيد للمسرح السوري والمؤسسة العامة للسينما

لؤي ماجد سلمان

16 كانون1 2018

يبدو أنّ ثمة سوء توزيع في مديرية المسارح والموسيقا، فقد تمرّ الشهور من دون عرضٍ مسرحي، حيث لا تمل الريح حينها تصفر في خشبات المسرح القومي وفي مختلف المدن السورية، ثم على حين استيقاظ، تولع خشبات هذا المسرح بالعروض ودفعةً واحدة حتى يحتار المرء أية مسرحية ينوي حضورها، هكذا تأتي الحركة المسرحية السورية كالمواسم، إما تغدق بكرم الحقول، أو تمحن كالقحط... ومناسبة الحديث عروض مسرحيتي «امرأة وحيدة» على خشبة مسرح الحمراء، و»اعترافات زوجية» على مسرح القباني. إضافة لعروض أخرى في باقي المحافظات لاسيما في مدينة اللاذقية بذات التوقيت...!

وإذا ما بقينا عند عرضي دمشق، تبدو ندرة النص المحلي الذي يُمكن تجسيده على خشبة المسرح بأشدّ ألمها، وذلك إذا ما علمنا أن صاحب نص «امرأة وحيدة» للكاتب الإيطالي داريو فو وزوجته فرانكا راما، فيما صاحب نص «اعترافات زوجية» هو للفرنسي إيريك مانويل.

وهنا لا بأس من التذكير بما توصل إليه المؤصلون للحركة المسرحية، فإنّ العرض الأول الذي قدمه أبو خليل القباني على أول خشبة عربية، كان مُقتبساً عن مسرحية «البخيل» للفرنسي موليير، ومن حينها إلى اليوم، وحركة الاقتباس بقيت هي السائدة في العروض المسرحية السورية، ومن ثمّ كان الكتّاب المسرحيون في العالم العربي هم من الندرة بمكان.

في سورية -على سبيل المثال- إذا ما حاولنا أن نعدد الكتاب المسرحيين، فإننا سنعجز بالتأكيد من إكمالهم ليصيروا بعدد أصابع اليد الواحدة، وهم في غالبيتهم من جيل مُعين، أقصد بذلك كل من: سعد الله ونوس، ممدوح عدوان، عبد الفتاح قلعجي، فرحان بلبل. ثم سنبحث طويلاً حتى نعدد آخرين. ومن ثمّ كان المسرح أمام أمرين، أما اقتباس النصوص الأجنبية رغم كل ما في ذلك من خطورة، أو تصدي المخرجين المسرحيين لمهمة الكتابة للمسرح، رغم ما في الأمر من خطورة أيضاً !!‏‏

وفي كل الحالات ثمة غربة في العروض المسرحية السورية تصل لحد التغريب أحياناً.

علي الراعي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…