13 كانون2 2019

يبدو التساؤل اليوم موجعاً، لأنه من نوع تلك الأسئلة التي تصل لأجوبة العبث؛ لاسيما إذا ما سألنا اليوم على سبيل المثال؛ هل من فرنسي يُدوّن اسمه في صفحة على الفيسبوك أو تويتر باللغة العربية، هل من إنكليزي أو روسي يلبس قميصاً أو يرتدي «تي شيرت» مكتوبٌ عليهما باللغة العربية، هل يكتب الأوربيون والأمريكيون شارات أغانيهم ومسلسلاتهم باللغة العربية، وهل يكتب المطرب في تلك البلدان اسمه أو عنوان أغنيته بالأحرف العربية في بداية كل فيديو كليب مثلاً؟؟ وغير ذلك الكثير يُمكن أن يسأل المرء: «لماذا ؟؟!» لماذا الفرنسي أو الروسي أو الياباني، وغيرهم يدوّن على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها بلغته الأم، فيما العربي، ومن أي دولة عربية يتبع الفرنسي، وتحديداً الإنكليزي ويدوّن بياناته التي هي هنا «هوّيته» بلغة أجنبية؟؟

شيزوفرينيا

هذه الحالة من الانفصام في نفسية العربي، عدا عن أنها تخلق الكثير من الإشكالات والمشاكل، على سبيل المثال خلال متاهة البحث عن صفحة شخص ما على الفيس؛ هي أيضاً دليل مُحزن للتبعية المُخيفة ونوع من الضياع والتيه الكبيرين، ولا علاقة للأمر هنا بالتأثر والتأثير، لأن الشق الثاني من هذه المُعادلة – التأثير- يبدو مُنتفياً لصالح التأثر الأعمى.. للباحث والناقد الدكتور صلاح صالح؛ الكثير من الأمثلة على مثل هذه الحالات من الاستلاب والتبعية، لكنه يُكثفها بمثالين، الأول فيما تُنتجه الذهنية الطفلية من رسومات رفيفية، والثاني في التوقيع الذي يدونه الفنان التشكيلي في ذيل لوحته.

السطوح المائلة

في المثال الأول يأخذ الدكتور صالح دروس الرسم خلال المراحل الدراسية الأولى حيث التلاميذ يرسمون بيوتاً بأسطحٍ قرميدية مائلة عندما يكلّفهم مدرسّوهم برسم بيوت يعرفونها، والتلاميذ لا يتذكّرون أنهم أبصروا بيوتاً شبيهة بتلك التي يرسمونها، وهم على وجه العموم، عاجزون عن تعليل اختيار السطوح المائلة للبيوت المرسومة، وهو ما يصفه الباحث بالاستلاب الشامل تجاه المنتج الثقافي الأوروبي، بوصف البيوت في معظم اللوحات الأوروبية ذات أسطح قرميدية مائلة خلافاً لمعظم البيوت التي تزحم مدننا وقرانا، وهي بيوت ذات أسطح مسطّحة، أو مقببة في بعض مناطق الأرياف الشمالية، ويرى في هذا التوجه نوعاً آخر غير الاستلاب، يتمثّل في أن (الثقافي يتأسّس على ثقافي من نوعه)، وهذا ما يدفع التلاميذ، حتى وهم صغار، إلى تأسيس محاولاتهم الأولى على نماذج ثقافية مرئيّة بطرق شتّى.

 ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على الصغار، بل يتعدّاه إلى فنانين كبار من جيل الروّاد الذين تلقّوا تعليمهم التشكيلي في أكاديميات الغرب على وجه العموم، فعندما يرسم أحدهم قرية طينية بقبب مخروطية كبلدة (تلبيسة) المعروفة شمال حمص، يقرّ في ذهن المشاهد أنّه يتأمّل قرية واقعة في إحدى ضواحي موسكو، ويفترض الباحث صالح أن فكرة التغريب، والانزياح البصري بالمشهد إلى آفاق أخرى، عنصران يطرحان جماليات فريدة متشكّلة من المواءمة بين البيئة الناشفة في بعض مناطق سورية والمناطق الأوروبية التي تشكل مرجعية مزدوجة، بصرية وثقافية لدى غير فنان تخرّج هناك. والمؤكّد برأيه أن بيئتنا السورية ذات خصوصية بصرية مدهشة مغمورة بفرط الإضاءة الطبيعية التي تبدو عزيزة في معظم مناطق الشمال الأوروبي، ولا يقتصر الأمر على مجرّد الإضاءة الوفيرة بل يتعلّق أيضاً بالخصوصية اللونية، التي يفترض أنّ الفنان المبدع يستطيع اكتناه خصوصيّتها، ويستطيع تبيئتها بما يعينه على إنتاج منظومات بصرية، وأنساق وتكوينات تشكيلية منتمية إلى البيئة، وقادرة على طرح أصالتها وفرادتها البصرية المبتغاة.

في ذيل اللوحة

المثال الثاني الذي يُلفت إليه الناقد صالح: هو توقيع بعض الفنانين التشكيليين أعمالهم بالأحرف اللاتينية لاسيما بعض المبتدئين منهم، مع الإشارة إلى أن مفهوم (المبتدئ) لا يتعلّق فقط بالناحية الزمنية المنصرمة على البدء بالرسم، بل يعني أيضاً أولئك الذين أمضوا عقوداً في التجربة التشكيلية، من غير أن يستطيعوا تجاوز ذواتهم، ومغادرة مراهقتهم التشكيلية. ويُضيف صالح ربما كان من المستهجن معاودة طرح مسألة تواقيع الرسامين السوريين على أعمالهم بالأحرف غير العربية، لكن مدى انتشار الظاهرة بين الخريجين الجدد من كليات الفنون الجميلة، وبين الطلبة الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة، مسألة تستدعي معاودة الطرح، بوصف التخلّي عن التوقيع باللغة القومية واللجوء إلى لغة الآخر تعني بكلّ بساطة تخلّياً عن الذات، بمستوييها الفردي والجمعي، وتخلّياً عن احترامها أيضاً، ويعني تمسّحاً بالآخر الذي لا يحترم مَن يتخلّى عن احترام نفسه... ويردف: نتفهّم أن الدارسين  والمهاجرين في بلدان الغرب مضطرون إلى كتابة أسمائهم وتدوين تواقيعهم بالأحرف المستعملة في تلك البلدان، أمّا أن يجري ذلك في الوطن الأم الذي يؤكّد دستوره أن لغته الرسمية هي العربية، فالأمر عندئذ مدعاة للتساؤل والاستهجان... ويُفسر صالح الأمر فيما يقرّ في أذهان المبتدئين من أن استعمال الأحرف التي يستعملها الغرب يعني أنهم صاروا فنانين عالميين، وأنّهم يتوجّهون بأعمالهم حصراً إلى ذلك الغرب الذي يُخيّل إليهم أنه سيأخذهم بأحضانه الاقتصادية والاعتبارية، بمجرّد أن يستطيع الغرب قراءة أسمائهم الموقّعة على تلك الأعمال الساذجة التي لن تجد من ينظر إليها، ناهيك عمّن يقتنيها. ويختم الناقد صالح: من بديهيات بلوغ فكرة (العالمية) في الفنون قاطبة أنّ ما يحجبه عنك قومك، لن يمنحك إياه الآخرون، وأنّ العاجز عن التألّق في مجتمعه الخاص، وبيئته، لن يستطيع إطلاقاً أن يتجاوزها إلى آفاق وبيئات أخرى.

علي الراعي

23 كانون1 2018

حكاية «الربيع والخريف» في معرضي وزارة الثقافة، واللذين هما أقرب إلى معرضين سنويين؛ جاءا بعد غياب طويل على المعرض السنوي الذي كانت تُقيمه الوزارة منذ سنين بعيدة، وجاء المعرضان تقليداً لحالة فنية فرنسية، حيث معرض الربيع للفنانين التشكيليين دون الأربعين عاماً، ومعرض الخريف للفنانين فوق الأربعين عاماً... والمعرض الأخير -الخريف- هو الأهم والذي انطلق ببداية جميلة، غير أن جمالها لم يصمد طويلاً، فقد ألمّ به ما ألم بمؤسسات الوطن من محن الفساد، ولعلّ أكثرها وضوحاً معرض الخريف الأخير الذي تُقيمه وزارة الثقافة هذه الأيام في خان أسعد باشا بدمشق.

 عن محنة هذا المعرض يتحدث الفنان المُتابع للحركة التشكيلية السورية نقداً وتوثيقاً الناقد أديب مخزوم فإلى التفاصيل:

خط البيان

غياب العديد من الأسماء المهمة عن معرض الخريف 2018 أدى إلى انكسار واضح في الخط البياني، هذا الخط الذي يرى مخزوم، أنه بدا صاعداً في مراحل سابقة، فقد وجدنا لوحات ضعيفة لأسماء جديدة وغير معروفة، وقد تكون طارئة على الحركة التشكيلية السورية، والأسوأ من ذلك -برأي مخزوم- أنها معروضة بين لوحات بعض الفنانين المخضرمين والبارزين.‏

معرض الخريف أو المعرض السنوي، كان يأخذ أهميته الأساسية، في سنوات سابقة من قدرته على جمع أكبر عدد ممكن من الأسماء المخضرمة والمعروفة، والتي لها تاريخها الطويل في الإنتاج والعرض، وهذا لا ينطبق على العديد من التجارب الاختبارية المشاركة هذا العام 2018. فهناك أسماء مشاركة لم نسمع بها من قبل. (لا في دورات معرض الربيع، ولا في إطلالات معارض الخريف السابقة)، أي أن الوحي الفني هبط على أصحابها فجأة كما يوصّف الناقد مخزوم.

بعيداً عن النزاهة

ويردف: لا يحق لأحد أن يقول إن معرض خريف 2018 كان عادلاً ونزيهاً، وذلك لعدم وجود معايير ثابتة ومتفق عليها في الفن الحديث والمعاصر، ولاسيما في هذا العصر الذي انقلبت فيه المعايير الجمالية رأساً على عقب. ويمكن أن يفرض العمل ذاته نوعية المقاييس والمعايير التي يجب أن تستعمل في تقويمه، وعلى هذا تصبح لوحة تجريدية قوية من حيث تأليفها التكويني والتلويني لا تقل جودة عن لوحة واقعية تبرز قدرة صاحبها في معالجة الموضوع عبر تجانس النسب والحيوية ولعبة الظل والنور والأداء الذاتي.‏..  ومن ناحية أخرى كان معرض الخريف أو المعرض السنوي، يعطي في الماضي صورة حقيقية عن آخر ما توصلت إليه الحركة الفنية التشكيلية خلال عامٍ مضى، وبمشاركة الفنانين الرواد والمتميزين، أما الآن فالمعرض فقد أهميته، وأصبح بؤرة للفساد والفوضى وللمحسوبيات و»الواسطات»، وإلا كيف نفسر تسلل شابات وشبان بأعمار لا تسمح لهم أصلاً بالمشاركة.

خرق الشروط

فبعد أن انقسم المعرض السنوي منذ سنوات إلى معرضين: معرض الربيع لما تحت الأربعين عاماً، ومعرض الخريف لما فوق الأربعين، التزمت الجهة المنظمة بهذه الشروط عدة دورات، إلا أنها ومنذ سنوات قليلة، قامت بكسر هذا البند فقط من أجل إدخال هذه الشابة أو ذلك الشاب في معرض الخريف (بعضهم من الخريجين الجدد)، حتى تفاقم الوضع وأصبح معرض الخريف لهذا العام يحتوي العديد من أعمال الشباب، التي يجب أن تكون في معرض الربيع. وبالرغم من وجود بعض الأسماء المخضرمة والمهمة في خريف 2018، إلا أن هناك نسبة كبيرة من الأسماء المهمة غائبة عنه، هرباً من رعونة التحكيم أو بسبب الهجرة، ولصعوبة نقل الأعمال من الأماكن البعيدة عن دمشق بسبب الظروف الأمنية وغيرها، ولهذا فالمعرض لا يعطي إلا صورة ناقصة ومبتورة ومهزوزة وغير واضحة، عن اتجاهات التشكيل السوري الحديث والمعاصر.

الصورة الناقصة

وأما أكثر ما يُثير مشاعر الاستهجان والاستنكار؛ فيقول الناقد مخزوم: إن هناك أعمالا لأسماء عندها أكثر من (30) معرضا داخل وخارج سورية، ومن ضمنها مُشاركات في معرض الخريف السنوي في دوراته السابقة رفضت أعمالها، والذين يعرفون قوة لمساتهم وعفويتهم وخصوصيتهم وارتباطهم بأجواء التراث العربي، يدركون جيداً أن الذين يدورون في فلك الاتجاهات الغربية، بعيداً عن خصوصيات التراث والبيئة، هم أسياد دورات معرض الخريف في سنواته الأخيرة، فبعض الأعمال التي عرضت ليست أفضل من بعض الأعمال التي رفضت، ولهذا السبب أثار المعرض هذا القدر من ردات الفعل السلبية والسجال الحاد، كونه يُكرّس الفوضى، ويعمل على خلط الأوراق بين المبدعين والهواة، وهنا يكمن جوهر المشكلة.

تساؤلات عديدة

هكذا يطرح معرض الخريف السنوي 2018 تساؤلات عديدة، وفي مقدمة تلك الأسئلة يذكر مخزوم: كيفية وصول هذه الأعمال الضعيفة إلى أروقة خان أسعد باشا، وتزداد وتيرة التساؤلات، لمعرفة ماذا يجري في كواليسه، ومعرفة من يقف وراء قرار رفض أعمال أخرى في اللحظة الأخيرة، بعد أن كانت الجهة المنظمة قد أبلغت أصحابها أنها قُبلت، وحين حضروا الافتتاح لم يجدوا أعمالهم معروضة! والمشكلة المستجدة منذ عامين، يجدها مخزوم: إن التحكيم أصبح عن بعد وبالاعتماد على صورة العمل على C D، وهنا يمكن القول إن الصورة لا تنقل تضاريس المادة اللونية وتقنية تركيب الطبقات اللونية وغيرها.

العودة إلى السنوي

ولتفادي هذه الصورة الناقصة و»المرتجة» لمعرض الخريف يرى مخزوم أنّ: الأفضل إلغاء معرضي الربيع والخريف والعودة إلى المعرض السنوي للفنانين السوريين، وهذا يخفف الأعباء المالية على وزارة الثقافة، ويساهم في تنظيم المعرض، ويقلل من تسلل الهواة، على حساب تغييب الأعمال الجادة. ويتساءل مخزوم: لماذا لا تعتمد اللجنة المنظمة للمعرض التسلسل العمري والزمني في ترتيب اللوحات المعروضة، وفي استعراض الأسماء الواردة في الدليل، أليس ذلك أفضل من وضع كبار الفنانين والفاشلين في خانة واحدة (صفحة لكل مشارك) مع الإشارة إلى أن الفنان الذي يريد أن يعرض في معرض الخريف، لابد أن يكون قد اجتاز مرحلة طويلة، وتمتع بإمكانيات تشكيلية مختلفة، وهذه الميزة تنطبق أيضاً على العديد من التجارب المشاركة في أهم تظاهرة سنوية. هذا بالإضافة إلى أن المطالبة بعرض أكثر الأعمال قوة تكاد تكون من المطالب الصعبة، ومع كل ما يمكن أن يقال في هذا المجال تبقى هذه المطالبة ممكنة في حدود نسبية تساعد على التماس المعطيات الابتكارية المتجددة، فهناك مقاييس أولية لا خلاف عليها، من ضمنها قدرة الفنان على إبراز سحر وحساسية اللمسة اللونية والسيطرة على الخطوط والإتقان والتوازن والحيوية.‏

علي الرّاعي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…