22 كانون2 2019

الاحتفاء ببعض الأنواع الإبداعية من المؤسسات المعنية في وطننا الحبيب، تبدو أقرب إلى «الصحوة» تماماً كمن يكون غافلاً، ثم على أثر من يدلق في وجهه دلو ماء، يقوم مُسرعاً لإتمام واجبٍ كان قد نسيه خلال نومه الطويل، لكن ما أن يستيقظ حتى يغلبه النعاس من جديد.

ومن مثاله «أيام التشكيل السوري» الفعالية التي دعت إليها وزارة الثقافة أواخر هذه السنة الماضية، إذ فجأة تمّ الحشد لإشغال صالات المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة في مختلف المحافظات السورية بإقامة المعارض على أنواعها: فردية وجماعية مشتركة، إضافة للندوات التي تتحدث عن مسيرة الحركة التشكيلية في سوريّا ورصد تجارب بعض الفنانين، أو قراءة الظواهر الفنية في المشهد التشكيلي السوري... فعالية سرعان ما انضمت إليها الصالات الفنية الخاصة وحذت حذو المراكز الثقافية، وهو ما تزامن مع إقامة الوزارة لأحد أهم معرضيها السنويين «الخريف».

لاشك أن مثل هذا الحراك التشكيلي يُثلج قلوب الكثيرين من المهتمين بالشأن البصري الجمالي في سورية، الذي لايزال يعاني من الهجمات البربرية الظلامية التي كادت من خلالها أن تقضي على كل جمال سوري في بيئة – من أسف- ميزته «الأمية البصرية»، لكن رغم كل هذه الأهمية لهذا الحراك التشكيلي، إلا أنه مثل الكثير مما يحصل في حياة السوريين أصحاب «الفرحة الناقصة»، أو الفرحة التي تصر على عدم اكتمالها، وذلك لأسباب كثيرة، وإذا ما حصرنا الأمر في «أيام التشكيل السوري» فلابد أن نتساءل ما قيمة ندوة عن التشكيل، يغيب عنها المعنيون بأمر الجمال البصري في سورية، ثم لماذا يبدو هكذا حراك -وهو هنا يحدث للمرة الأولى- وكأنه منقطع، وكأنه يحدث للمرة الأولى والأخيرة، بمعنى لماذا لا يكون ضمن منهجية تُرسخ تقاليدها ومن أجل إمكانية الوصول إلى غاياتها الجمالية – إن كان لها ثمة من غايات كهذه – وما هي المعايير التي أقيمت عليها معارض التشكيل؟ ودعوة المنتدين والباحثين والفنانين الذين يتكررون في كل مناسبة كهذه، فلاتزال الخيبة بادية على وجوه الكثيرين من المهتمين بالفن التشكيلي من المعايير والمحكمين الذين قبلوا بموجبها الأعمال التشكيلية في معرض الخريف، وقضايا أخرى كثيرة مع الأسف لا يتسع حيز زاوية صحفية لها، ومن ثم للكلام أكثر من بقية.

علي الراعي

22 كانون2 2019

ربما كان التصوير الضوئي؛ هو الإبداع الأشهر، أو على الأقل أكثر ما عرفه الناس عن الفنان التشكيلي السوري جورج عشي، غير أنّ ما لم يعرفه الكثيرون عن الفنان عشي، ربما قد يكون مفاجأة... منها على سبيل المثال؛ أن الأغاني التي لاتزال تُطرب الكثير من «ذواقة» الاستماع للغناء؛ هي من كلماته... هنا سيتفاجأ – ربما – الكثيرون أيضاً بهذا الرجل الذي يُمكن أنهم التقوه في أكثر من مكانٍ ما في دمشق، يحمل كاميرته كمن يحمل طفلاً يخاف عليه البرد، وهو يلتقط الصور لأماكن أو أشخاص، وحتى مشاهد قد نمرُّ أو مررنا بجوارها من دون أن ننتبه إما للحالة الدرامية التي تُجسدها، أو للقيم الجمالية العالية التي تحملها في الكثير من تفاصليها.

أقول: ربما الكثيرون قد يتفاجأ أنّ أجمل ما صدح به المطرب اللبناني ملحم بركات، أو اللبناني الآخر المعتزل الغناء اليوم ربيع الخولي، وغيرهما كانت مما أجاد به جورج عشي كشاعر غنائي استثنائي، من هذه الأغاني على سبيل المثال: «أه لو فييّ» التي أدّاها الخولي، أو هذه الأغنية التي سمعناها بصوت عشرات المطربين، لعلّ أبرزهم الفنان موفق بهجت:

«ياما رحنا ومشينا وفرحنا وبكينا/حتى على قلوب الناس انحفرت أسامينا/كل ما يمرق يوم نقول يا حبي انتهينا.../أتاري لاء لاء يا حبيبي لاء لسا ما ابتدينا...»

جورج عشي الذي قدم للأغنية العربية ما يُقارب من الألف أغنية، لحن بعضها كبار الموسيقيين والملحنين في العالم العربي منهم سيّد مكاوي، وغنى من كلماته أهم المطربين، وهذا ما يفرح له، ويحزن أيضاً، لأن كتابته للأغنية أخذته من فنٍّ جميل لم يعطه حقه كما يليق به، وهو الشعر المحكي.

ولم يكتفِ جورج عشي بكتابة الأغاني والتصوير الضوئي وحسب، بل إن الرجل خوّض كثيراً في مجال التصوير التشكيلي لاسيما في مجال التلوين الزيتي حتى كانت له بصمته الخاصة في هذا المنحى، وذلك من خلال أكثر من علامة فارقة...

ومناسبة الحديث عن الفنان جورج عشي المتنوّع الاهتمامات الإبداعية؛ هو معرضه الذي يُقيمه هذه الأيام في صالة مركز ثقافي أبو رمّانة بدمشق، هذا المعرض الذي يُكثف من خلاله الفنان العشي هذه المرة تجربته في المجال الذي طغى فيه على اهتماماته الإبداعية الأخرى -مع أنّ الأخيرة لا تقلُّ أهميّة عن شغله في التصوير الضوئي إن لم تفوقها- فقد نوّع عشي في هذا المعرض الذي أزحمه في الكثير من شواغله الفنية، لدرجة غطت معها كل جدران صالة مركز أبو رمّانة. هذا المعرض الذي أطلق عليه «في حُب دمشق» يكاد المُتلقي أن يجد فيه «معارض» في معرضٍ واحد، وذلك لأكثر من اتجاه ذهبت فيه الأعمال المصوّرة، سواء لجهة التقنيّات، أم لجهة شواغل اللوحة، أو لجهة الأسلوب. رغم أنّ اللوحات كافة كانت ضمن فن التصوير الضوئي، لكنه لم يُقدم الصورة التسجيلية إلا ما ندر، وقدّمها لتوثيق تراث هو في مهبّ الاندثار، أو ربما اندثر فعلاً أو قاب قوسين من ذلك.

ذلك أن العشي؛ اعتمد أكثر من أسلوب لإخراج الصورة من التسجيلية، منها مثلاً اعتماده على الحركة، لاسيما في لوحتين تبدوان خارجتان عن سرب لوحات المعرض، وهما لوحتا الماعز والأغنام، عندما اشتغل خلالها على الحركة في الصورة وهو الأمر الذي أضاف للوحة حالة من التجريد اللوني حتى بدت اللوحة وكأنها مشغولة بالألوان الزيتية... في مستوى آخر اعتمد العشي على تقنية الأسود والأبيض، وهو الأمر الذي ساعده على إبراز لعبة الضوء في اللوحة وهنا كانت لعبته التشكيلية، أو الغواية الفنية التي شدّ المتلقي ليتمم قراءة اللوحة حسب ما يُمكن أن تساعده ذائقته الفنية على التأويل في قراءة لعبة الضوء، التي تفتح المجال واسعاً للخيال ليخوّض المتلقي في القراءات المتعددة عن الغايات الجمالية للضوء لاسيما عندما -وهو كثيراً ما نوّع عليه- يأخذ اللقطة في شارعٍ دمشقي ضيق وعتيق، هنا للضوء أكثر من غاية أو هدف، فهو إضافةً لما يوحي بالضوء الذي يأتي من آخر النفق، يُساعد في إبراز تكوين مُعيّن في اللوحة كنافذتين متقابلتين في حديثً هامس، أو شرفة خاوية تنتظر من يطلُّ منها، أو مشربية تضعك في دائرة التخمين لتحذر من يقف خلفها... وعشرات البؤر الضوئية التي كانت لعبة الفنان عشي التشكيلية، وهو ما تجاوز – من وجهة نظري – شغله في اللوحات التي كانت ملونة أو استخدم فيها التلوين واشتغل عليه طويلاً لإبراز قيم جمالية في اللوحة الملونة، غير أن الضوء ساعده في هذه الغاية في لوحات الأسود والأبيض أكثر، لاسيما في إضفاء هذه الحالة الشعرية والرومانسية لتفاصيل اللوحة... بقي أن نُشير إلى اتجاه ثالث في أعمال هذا المعرض، وهو الشغل على الحياة اليومية لناس الشام، والناس الذين يغوون الفنان عشي لتثبيت لحظتهم الدرامية في اللوحة؛ أو الذين كانوا هدفاً لعدسته؛ هم ناس قاع المدينة، من حمّالين ومتسكعين، وفقراء متعددو المنابت والاتجاهات، هنا تمسي الحالة الدرامية التي يشتغل عليها العشي في معظم أعماله، وقد بلغت ذروتها في نظرة العيون الحزينة والقهر الذي ينز من الخواطر المكسورة المرسومة على الوجوه بألف ملمحٍ وملمح.

وحتى لا أطيل كثيراً في شغل جورج عشي في مجال التصوير الذي يعرفه عنه معظم متابعي أعماله، سأعود لإبداعه الذي يكاد يكون مجهولاً وهو كتابة الشعر المحكي، وككاتب أغنية من نوع استثنائي، فقد أصدر العشي مجموعتين في وقت متقارب من الشعر المحكي منذ نصف قرن «كلمتين صغار 1963، والجوع والحب 1970» أشعار تأخذ نسغها من مفردات الطبيعة: الليل، والغيم والضباب والريح والصباح... كلها تحضر بقوة في نص جورج عشي، وفي عناوين النصوص وثناياها مُشكّلاً قاموسه الشعري بمفردات سهلة مفهومة تصل إلى القارئ بكل يسر، كلغة الحياة اليومية، وهو في كل ذلك جورج عشي الشاعر الذي لا ينفصل عن جورج عشي المصوّر والرسام، فمفردات اللوحة والريشة حاضرة في نصوصه، وهو يكتب بعين المصوّر والرسام المهتم بكل التفاصيل، كما يُصوّر بعين الشاعر الباحث دائماً عن المتفرد والمتميز مؤرخاً للحالة واللحظة الشعوريتين في نصه الغنائي وفي نصه المصوّر ولوحته المرسومة، يفعل كل ذلك في وحدته مع همومه وأفكاره وخيالاته التي تأخذه بعيداً:

«قديش صعبة تعيش لوحدك/إنسان متلي وما حدا حدّك/كيف ما التفت بتلمحو للهم وبتسألو: يا هم شو بدّك»؟

علي الراعي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…