14 نيسان 2019

الفنان التشكيلي جميل قاشا يُفجّر الطاقات الجمالية الكامنة للحجارة السوريةِ القديمة

للأشياء القديمة؛ ثمة ذاكرة تختزنُ في أدراجها الكثير الكثير... لكن إذا ما أزحنا غير الجميل من هذا المخزون؛ فيُمكن للقيم الجماليّة المُخزنة أن تُعطي فنّاً عالياً إذا ما استثمرها فنانٌ مبدع... فما بالك إذا كان هذا "الشيء" حجراً عمره من عمر المكان الذي وجد مُلقىً عليه، أو كان المكان يُخبئه في زاويةٍ ما، كقاع نهر، أو تحت تُراب وادي أو جبل...

حجرٌ كان شاهداً على وقائع المكان؛ وقائع مرّت بحزنها وفرحها، فكان أن امتلك هذا الحجر؛ كلَّ هذا الغنى الذاكري – من الذاكرة، وما كان على جميل قاشا النحات السوري الذي اعتاد على إقامة حواراته الطويلة مع الحجر؛ إلا أن يطلب من حجارته التي اختارها من مكانٍ أصرّ أن يكون قلب سورية – سهول حمص وجسر الشغور؛ المكان الذي يمرُّ منه السوريون كلهم في تنقلاتهم بين جهات سورية كلها، والذي يشرف أيضاً على ساحل وبادية وجبال وأنهار تصرّ هي الأخرى أن تجري عكس سير المياه بكل شقاوة "عاصيها"، وجماله الذي يُقدم التحية المائية لسورية من جنوبها لشمالها...

كان على جميل قاشا، أن يُقيم مثل هذه الحوارات الطويلة مع هذه الحجارة "الكائنة" في هذا المكان، ليجعلها في سيرورةٍ طويلة تحكي كل ما لديها من ذاكرة بعيدة للمكان بناسه وحيواناته وطيوره ليصل بها إلى "صيرورةٍ" جمالية، وقد كثف كل تلك الذاكرة البعيدة بكتلةٍ تُحاور هي الأخرى متلقي في فضاء صالةٍ فنية...

ربما من هنا؛ كان أن وسم الفنان جميل قاشا معرضه "من الكينونة إلى الصيرورة" الذي يُقيمه لهذه المنحوتات الحجرية في صالة تجليات بدمشق هذه الأيام... منحوتات تراوحت بين المتوسطة والمنحوتة الصغيرة، فيما كثُرت شواغل المنحوتة، وتعددت تقنياتها...

فمن نهري العاصي والكبير الشمالي؛ غاص قاشا في البداية؛ ليستخرج كنوزه الحجرية، فاختار منها تلك الحجارة التي تدخلت فيها يدُ الطبيعة لتقوم بواجبها النحتي أولاً، أو لتقدم للفنان الماكيت أو البروفا الأولى لذلك "الكائن" الذي صمت طويلاً، ولجعله ينطق بكل هذا الجمال، ثم ليخرج من مجرى النهر فيما بعد، ويُفتش لتلك الحجارة التي تفاعلت مع عوامل الطبيعة من اتحادات وتجمعات كلسية ومعادن على حجارةٍ صلبة ربما تكون صواناً أو تُقاربه، ومن ثمّ ليُقشر تلك التراكمات، أو ليُبقيها في مطارح أخرى ليحصل على تكوينه النحتي الذي تكون الطبيعة قد أشارت له إليه، أو دلتّه عليه... بمعنى سيُقيم الفنان قاشا "شراكة" فنية مع الطبيعة لإنتاج عمله النحتي، شراكة تكاد تكون مُناصفة بين الفنانين -الطبيعة وقاشا- في مسيرة الحجر من كينونته إلى صيرورته الجمالية الأخيرة...

ربما؛ من هنا، استطاع قاشا؛ أن يُسجّل منحوتته في المشهد التشكيلي السوري بعلامة فارقة، علامة لها خصوصيتها بغير مستوى... سواء لجهة تعامله مع الحجر، والذي غالباً ما يترك فيه بعضا من عمل الطبيعة السابق، بمعنى أنّ الفنان هنا، لم ينتظر بمن يأتيه بحجر الرخام البارد من إيطاليا أو غيرها حتى من مقالع الرخام في سورية، ليقدّ ويصقل من ذلك الحجر الضخم منحوتته أو عمله النحتي، وإنما ذهب بنفسه يُفتش عن حجارة لها ذاكرة المكان، وقد أضافت الطبيعة بعواملها النحتية الكثيرة من تعرية وصقل للرياح والمياه وتفاعلات كيميائية وفيزيائية كثيرة على الحجر نفسه، حتى أنه يستثمر كل تلوينات الطبيعة التي أضافتها على الحجر من ألوان توحي بكل هذا العتق الجميل، ومن ثمّ ليستثمر الفنان قاشا كلَّ ذلك في تكوينه النحتي الجديد، يبدأ ذلك من الحصاة الصغيرة وصولاً إلى الحجرة التي لها شأنها في الحجم... حتى أنه يُضيف إلى كل تلك الإجراءات النحتية الكثير من الأسلاك والحلقات والخرز ليزيد في القيم الفنية والتزيينية للعمل النحتي...

تلك الأعمال التي ذهبت بغير منحى؛ المنحى الأول الأشكال التي نوّع عليها الفنان قاشا بين حيوانية وإنسانية، وإن كان أنسن الكثير من التكوينات الحيوانية، كما لجأ إلى الكثير من "حيونة الإنسان"، واللافت في هذا المجال منحيان آخران أيضاً؛ هما لجوؤه إلى "التحوير" والاختزال فيما يتعلق بالمنحوتات البشرية، والتي اختصرها على الوجوه، أو الرأس البشري فقط، فيما جاءت المنحوتات الحيوانية شبه واقعية وبأقل ما يُمكن من التحوير والاختزال... واللافت الآخر في كل هذه المناحي؛ أنه عوّل على المنحوتات الحيوانية لتكون الساردة للحكايا الفنية والجمالية بالدرجة الأولى، لاسيما الميثولوجيا القديمة، قِدَم الحجارة نفسها في هذا المكان الضاربُ في القدامة، والمفعم بالميثولوجيا... فالإنسان هو المتلوّن الذي يأتي بأقنعة كثيرة، وبوجوه مُتعددة، ومن هنا كانت هذه الحدّة النازلة من الجبهة مروراً بالأنف والمواربة، والمائلة لجهةٍ ما في الوجوه البشرية التي اشتغل عليها قاشا، سواء كانت نسوية، أو ذكورية، وجوه ترفض أن تفتح عيونها، وإنما هي في حالة من الإغماض، وكأنها تصرُّ على هذه الحالة حتى لا فضحُ هذه النوافذ إذا ما فُتحت جوانياتها... ومن هنا أيضاً كان هذا الاحتفاء الكبير بطائر طالما نُسجت حوله الحكايات والقصص، وأقصد بذلك طائر "البوم" الذي كثُرت تكيوناته وتعددت تموضعاته وحجومه في مُختلف زوايا صالة تجليات... مرة يظهر بحجمٍ كبير، أو يتلوّن بحجوم صغيرة، أو قد يأتي قابعاً على رأس امرأة أو على كتفها... وما على المُتلقي إلا أن يقرأ تاريخاً من الحكايا التي رافقت طيران هذا الكائن من أعلاها مرتبةً كالحكمة، إلى أدناها كالتطيّر والشؤم ونذير الخراب...


 

Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…