03 حزيران 2018

لودي علي

تغيرت نظرة المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة لعمليات التجميل، من الرفض أو الخجل على الأقل، إلى التباهي والقبول، ولم تعد هذه العمليات حكراً على طبقة معينة أو عمر معين، إنما دخلت أغلب البيوت، كما لم تعد حكراً على الإناث فقط، فالذكور اليوم باتوا في مقدمة من يلجؤون لمثل هذه العمليات.

 

(بوتكس، مواد مالئة، شفط، فينير)، وعمليات تجميل الأنف هي العمليات الأكثر شيوعاً اليوم، وهي بالطبع لمختلف الأعمار، فالشباب في مقتبل العمر يفكرون أولاً بتجميل أنفهم ورسم ابتسامة ساحرة على وجوههم، بينما من يكبروهم سناً سيعملون على إخفاء القليل مما تركه الزمن على وجوههم من تجاعيد.

اللافت أن الوضع المادي المتردي الذي يعيشه السوريون لم يقف عائقاً أمام لجوئهم إلى هذه العمليات، بل كانت بمثابة المتنفس لهم خلال سنوات الحرب.

الحرب أظهرتنا أكبر سناً

العديد ممن خضعوا لعمليات التجميل قالوا لـ «لأيام» أن هدفهم كان أن يروا أنفسهم أجمل، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويحسن مزاجهم.

إضافة إلى أن الكثير منهم يعتقدون أن سنوات الحرب رسمت على وجوههم تجاعيد كان من المبكر لها أن تظهر، ولابد من إزالتها ليحصلوا على عمر حقيقي لشكلهم.

الأسباب مختلفة للجوء إلى التجميل منها الاكتئاب والأمراض النفسية المختلفة التي خلفتها الأزمة، إضافة إلى ترمّل الكثير من النساء وغياب أزواج أخريات، وارتفاع نسب العنوسة وغيرها من الأمراض الاجتماعية.

النتيجة عيادات ومراكز تجميل مكتظة بطالبي الجمال، مئات المرضى يومياً يقفون في طوابير أمام هذه العيادات المتزايدة، حيث يصل عدد أطباء التجميل المختصين والمسجلين رسمياً لدى نقابة الأطباء إلى حوالي 80 طبيباً يملكون عيادات معروفة، بينما يتجاوز عدد المراكز التي تمارس المهنة المئات، وخاصة من النساء اللواتي يمتلكن مراكز تجميلية تزدحم بالزبائن، فكثرة الطلب على التجميل لم يتركه محصوراً بعيادات الأطباء.

ولا يجيز القانون ممارسة مهنة جراحة التجميل إلا للأطباء الحاصلين على شهادة اختصاص بالتجميل والمرخصين على أساسها من وزارة الصحة، فيما تسمح القرارات الصادرة عن وزارة الصحة للطبيب الجراح العام بممارسة اختصاص الجراحة التجميلية، كما تسمح لطبيب الجلدية بممارسة بعض اختصاصات التجميل للبشرة والشعر واستخدام تقنيات الليزر وغيرها، أما ما يحدث على الأرض فيتجاوز أحياناً القيام بالعمليات التجميلية البسيطة مثل البوتكس والليزر من قبل مراكز تجميل، من دون وجود الطبيب المختص في كثير من الأحيان، ما يعرض صحة زبائن تلك المراكز للخطر، هنا لابد من تطبيق حملة للحد من الجراحات التجميلية غير الصحية، وخاصة التي يقوم بها خبراء في مراكز التجميل الخاصة.

 التجميل سبيل للترفيه عن النفس

 يقول الطبيب «حسان أ «، أخصائي تجميل، لـ «الأيام» إن عمليات التجميل زادت خلال سنوات الأزمة بشكل ملحوظ، ويرجع الطبيب السبب، حسب وجهة نظره، إلى عدم وجود مجالات متاحة للترفيه كما قبل الأزمة، فيلجأ الناس إلى الترفيه عن أنفسهم عبر تجميل شكلهم، حيث باتت المبالغ المخصصة للترفيه تصرف غالباً على التجميل.

ويوضح أخصائي التجميل بأن أكثر العمليات التي تشهد إقبالا شديدا هذه الأيام هي العمليات الصغيرة مثل حقن البوتكس الفيلر، حيث تكون تكلفتها حوالي 30 ألف ليرة وهو مبلغ «مقدور عليه» عند الأغلبية.. وبالنسبة للفئات العمرية التي تلجأ للتجميل يقول د. حسان إن ذلك يختلف حسب العملية، فمثلا عمليات تجميل الأنف أغلب المقبلين عليها هم من الفئات الشابة وخاصةً طلاب الجامعات، بينما العمليات الأخرى فهي لمن هم أكبر سناً، مضيفاً هناك إقبال من كلا الجنسين على عمليات التجميل إلا أن النساء ما زلن في المرتبة الأولى.

تقبل المجتمع

في سياق آخر يقول أخصائي التجميل أن المجتمع بات يتقبل موضوع التجميل للجنسين أكثر من قبل على الرغم من وجود بعض أساليب التجميل غير المستحبة للذكور حتى الآن.

ويشير د حسان إلى أن الغرض من التجميل بالشكل الطبيعي هو تصحيح تشوه ما أو عدم توازن في الوجه أو غيرها من المشكلات الخلقية، أو التي تكون نتيجة حادث ما، إضافة إلى تخفيف علامات التقدم بالسن قليلا، إلا أن ما يحدث مع الأسف عند البعض هو السعي لتغيير ملامح الوجه، وهنا واجب الطبيب أن يمتنع عن إجراء تلك العمليات وأن ينصح مريضه بعدم الخضوع للعمليات التي لا داعي لها، لكن هذا لا يحدث في مرات كثيرة، فالهدف عند بعض الأطباء هو الربح فقط.

 تجميل بأسعار تناسب الجميع

 من جانبه يؤكد الدكتور أنور الزير (طبيب أسنان) لـ «الأيام» أن الإقبال على تجميل الأسنان كبير نسبياً، وازداد بالشكل الطبيعي نتيجة تطور العلم وزيادة أساليب وتقنيات التجميل الفينير والابتسامة الهوليودية وغيرها، واللافت حسب الزير أن الحالة الاقتصادية السيئة التي تعيشها البلاد لم تؤثر أبداً على إقبال الناس على التجميل، ما يثير الاستغراب، فهم يعتبرون التجميل حاجة أساسية كما إصلاح الأسنان، وفي المقابل هناك تجميل لكل فئات المجتمع فهناك تقنيات مكلفة للغاية وهناك بالمقابل تقنيات تجميل ليست مكلفة وكل مريض من الممكن أن يختار ما يناسبه منها.

وبالنسبة للأعمار التي تسعى للتجميل أكثر يقول الزير كل الناس على اختلاف أعمارهم، يلجؤون إلى تجميل الأسنان من عمر 18 عاما، لكن الشريحة الأكبر هي بين 40-50 وهم من الجنسين إناثا وذكوراً واللافت فعلا لجوء الشباب لتجميل الأسنان بنفس نسبة الإناث تقريباً.

 سياحة تجميلية

الإقبال على عمليات التجميل ليس محلياً فقط حسب ما أكده الزير، وعلى الرغم من قلة المرضى غير السوريين في بداية الحرب إلى أن العدد عاد إلى الارتفاع خلال السنتين الماضيتين، حيث يقصد الكثير من الراغبين في التجميل، سورية للقيام بهذه العمليات لثقتهم بأطبائها أولاً، ولأن أجور هذه العمليات أقل بكثير من الدول الأخرى فالعملية تكلف في سورية 200- 1000 دولار أميركي، بينما تصل تكلفتها في الخارج إلى 1500 -3000 دولار.

وسياحة معالجة الأسنان وتجميلها كانت معروفة قبل الأزمة وعادت اليوم لتنتعش من جديد وعلى سبيل المثال زرع السن الواحد يكلف محليا بين 600 و1000 دولار، بينما يكلف في الدول المجاورة بين 2000 و3000 دولار، كما تبلغ تكلفة الجسور والتركيبات الثابتة بين 40 و200 دولار أما في الخارج 400- 1500 دولار.

كما تشير الإحصائيات إلى أن الأطباء السوريين أجروا خلال السنوات الماضية مئات من عمليات تجميل الأنف في العيادات والمشافي السورية، لفتيات عربيات دفعن أجورا مرتفعة.

 حالات نفسية غير مستقرة

وبالنسبة للحالة النفسية للمقبلين على عمليات التجميل والمهوسين بها تقول الاخصائية النفسية رشا نوري، الحالة النفسية هامة جداً في موضوع العمليات التجميلية، وكثير من العمليات التجميلية يكون سببها أن الشخص الذي يُجري العملية، يُعاني من اضطراب نفسي أو حالةٍ نفسية غير مستقرة.

والمشكلة أن العمليات التجميلية تُجرى من دون فحص نفسي لمعرفة إذا كان الشخص الذي يُريد إجراء العملية يُعاني من أي اضطرابات نفسية، على الرغم من أن هناك كثير من المستشفيات تقوم بإجراء فحوصات لمعرفة ذلك.

مؤكدة أن هناك ارتباطا وثيقا بين العمليات الجراحية التجميلية وبين الحالة النفسية للشخص الذي يُريد إجراء تلك العمليات، فبعض من يرغب بإجراء عمليات جراحية تجميلية يُعاني من اضطراب نفسي، ومن هذه الاضطرابات المعروفة، هي عدم تقبّل الشخص لأعضاء معينة في جسده، ولعل الأنف هو الجزء الأول والأكثر الذي يزعج بعض الأشخاص الذين يُعانون من اضطراب نفسي معروف اسمه باللغة الإنجليزية (Dysmorphopobia) ، وهذا الاضطراب قد يكون اضطراباً بحد ذاته أو عرضاً لمرض أو اضطرابا نفسيا أو عقليا مثل مرض الفُصام أو أحياناً اضطراب الاكتئاب.

وتوضح الأخصائية النفسية أن دوافع ومبررات إجراء الجراحة التجميلية أمر يختلف من شخص لآخر فهناك من يتمتع بشكل جميل ويريد أن يصبح أكثر جمالا وتناسقا، وهناك من يحتاج فعلا لإجراء هذه الجراحة لوجود عيب ظاهر فيه.

 مضيفة: الدافع الأساسي هو نفسي بحت خاصة بعد التطور الذي حدث في مفهوم الجمال واهتمام الناس المتزايد بتحسين صورتهم الخارجية للحصول على فرص أفضل في الحياة..

ولاحظت الأخصائية من خلال الحالات النفسية التي تطلب المساعدة أن ما يحدث من هوس في إجراء عمليات التجميل فيه مبالغة شديدة، إذ أصبحت الثقة بالنفس مرتبطة بالجمال الخارجي سواء للرجل أو المرأة وأصبح تقييم الإنسان يتبع شكله الخارجي، ويعود هذا لنمط الترويج الإعلامي للصورة المثالية للشكل، وهذا المعنى تعمّق في العشرين سنة الماضية. هذا لا يعني الامتناع عن إجراء عمليات التجميل في حالات الضرورة، أما ما يحدث الآن من محاولات لتغيير الأشكال أمر لابد من التوقف عنده، وبحث أسبابه النفسية أولا والجمالية الضرورية ثانيا.

وعن تأثير الحرب التي تعيشها البلاد على زيادة عمليات التجميل تقول النوري: لقد أثرت الأزمة في البلد على عمليات التجميل التي لجأ إليها العديد من الأشخاص لتحسين نفسيتهم، ولكن ذلك ليس حلاً مثالياً أبداً، لا بل على العكس من الممكن أن تكون سبباً للشعور بالراحة لمدة قصيرة فقط، فبعد انقضاء هذه المدة من الممكن أن تسوء الحالة...

خطرٌ محتمل

التجميل ضروري في بعض الأحيان ويسهم في تصحيح المزاج السيء، خاصة خلال الحرب، لكن عندما يتحول إلى تجارة لتغيير الشكل وأولوية على الطعام والشراب يصبح الأمر خطيراً، ودليلا واضحاً على أنه ليس إلا انعكاس حقيقي لأمراض نفسية كثيرة غذّتها الأزمة وانتشرت بين جميع فئات المجتمع.. طبعا الحديث لم يتطرق إلى التشوهات الحاصلة نتيجة إصابات الحرب، فهذه حاجة ملحة لكنها رغم أهميتها، قليلة في عيادات التجميل مقارنة بباقي العمليات.

 مال ودماء

التجميل لم يعد بضعة مساحيق توضع أمام مرآة، إنما أصبح بحاجة إلى غرفة عمليات باردة والكثير من المقصات الحادة والدماء، والمال طبعاً... في النتيجة لابد من الإشارة إلى الأسباب الكامنة وراء اللجوء إليه للتخفيف من العمليات غير اللازمة من جهة وضبط المتاجرة فيه من جهة أخرى


مقالة ذات صلة : هل سنشهد أسماء أطباء التجميل في شارات الأعمال الدرامية القادمة؟ .. السيليكون والفنير والماكياج أبطالاً لدراما الوجوه البلاستيكية!
08 نيسان 2018

أثار حديث معاون وزير الصحة للشؤون الصيدلانية والدوائية الدكتور حبيب عبود، على إحدى المحطات الإذاعية، زوبعة من ردود الناس الذين استمعوا للحديث. فمعاون الوزير أصر خلال حديثه على أن فعالية الدواء السورية جيدة جدا، لكن ما أثار ردود فعل مستهجنة هو حديثه عن أنه بالرغم من رفع سعر الدواء الذي أُقرّ مؤخراً في سورية فهو مازال أرخص من أي دولة مجاورة.

صوت الناس داخل السرفيس طغى على ما تبقى من حديث معاون الوزير ليتحدث كل واحد عن معاناته مع أسعار الدواء وفعاليته، خلدون صالح موظف وأب لثلاثة أطفال، يقول: وصف طبيب الأطفال دواء السعال لابني الصغير، بحثت عنه في ثلاث صيدليات في ذات المنطقة، وفي كل مرة كان السعر يرتفع أو ينقص من عشرة إلى عشرين ليرة حسب الصيدلية، وعند سؤال الصيدلاني كان يقول لنا «هيك الأسعار»، وغالباً ما كان هناك شطب السعر الموضوع على العلبة وكتابة سعر جديد بخط اليد.

أما زوج ماجدة سلوم فيتلقى علاجاً كيميائياً منذ ثلاث سنوات، تقول ماجدة: يخضع زوجي للعلاج في المستشفيات الحكومية، ومن المفترض أن يكون الدواء متوفراً، لكن مع الأسف نضطر في معظم الأحيان لشراء الدواء من خارج المستشفى، وعندما لا نملك ثمن الدواء نقوم بتأجيل الجرعة لحين توفر الدواء وهذا خطأ، فهو يؤثر سلباً على صحة زوجي. وتضيف: «نحن لا نفهم كيف يتوفر العلاج لدى صيدليات معينة ولا يتوفر داخل المستشفى».

من جهته، يتساءل منصور عبد الله: عن أي فعالية يتحدثون فعند زياراتنا إلى أي طبيب يخبرنا وهو يكتب لنا الوصفة الدوائية بأننا نستطيع شراء الدواء الأجنبي، أو الوطني وإذا كنا نريد شفاءً أسرع فعلينا أن نشتري الأغلى وهو الأجنبي، كي نتعافى بشكل أسرع، فإذا كان الطبيب نفسه لا يثق بفعالية دوائنا الوطني، كيف لنا أن نقتنع نحن بها؟

تعديل الأسعار قائم

توجهت "الأيام" إلى نقيب صيادلة سورية محمود الحسن الذي تحدث عن رفع أسعار الأدوية وواقع الصناعة الدوائية السورية، معتبرا أن ما يحدث هو تعديل طفيف على أسعار بعض الزمر الدوائية، «كل زمرة بزمرتها» ويضيف: إن هذا التعديل ليس تعديلاً جديداً، بل هو تطبيق لقرار اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء الذي اتخذ في العام 2015، حيث تتم الدراسة حسب تكاليف الإنتاج لكل زمرة دوائية، وخصوصاً مستلزمات الإنتاج وهذا يحدث بطريقة علمية وتقنية وبشكل متكامل.

وعن فعالية الدواء السوري يرفض الحسن الادعاءات، التي تتحدث عن تراجع فعالية الدواء السوري مؤكداً أن الدواء الذي يتم إنتاجه داخل سورية، تتم مراقبته بشكل دقيق، حيث لا تخرج أي طبخة دوائية إلا بعد فحصها في مخابر الرقابة الدوائية، وهذه المخابر تعد من أفضل المخابر في الشرق الأوسط بحسب شهادة الخبراء العالميين. وأضاف بأن فعالية الدواء السوري عالية، والحديث عن عدم فعاليته هو بهدف محاربة الدواء السوري. الحسن أشار إلى أنه يتم تصنيع معظم الدواء في سورية، حيث كان يوجد في سورية 69 معملاً دوائياً منتجاً يغطي93% من احتياجات السوق المحلي، وبفعل الحرب خرج نحو 24 معملاً، ليتم إعادة تفعيل 14معملاً بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 50%، وهذا بحسب الحسن خلال السنتين الماضيتين، لكن خلال سنة 2018 قمنا بتغطية حاجة السوق المحلي بحدود 85%، واتجهنا إلى استيراد 15% من حاجة السوق المحلي. ويلفت نقيب الصيادلة إلى أن هناك معامل جديدة دخلت مرحلة الإنتاج، وهي بحدود 7 معامل، وأصبح عدد المعامل المرخصة 86 معملاً، المنتِج منها 73 معملاً، ما انعكس بشكل إيجابي على السوق المحلية. وتابع الحسن بأن النقص الذي عانينا منه في الفترة الماضية، كان نتيجة العقوبات والحصار الاقتصادي على سورية، والتأخر في استيراد المواد الأولية اللازمة لصناعة الأدوية. أماعن أدوية السرطان التي يشتكي المرضى من ندرتها، فقد أكد الحسن أن وزارة الصحة تقوم بتوزيعها على كافة المرضى وبشكل مجاني.

نحن بحاجة لتصحيح الأجور

في الجانب الاقتصادي من موضوع الاستثمار الدوائي، التقت "الأيام" الخبير الاقتصادي سامر أبو عمار، الذي أكد أن ارتفاع عدد المعامل المستثمرة في القطاع الدوائي هو أمر إيجابي، مضيفاً: «علينا أن نعود إلى الخلف قليلاً، لنرى أهمية هذا القطاع الذي بدأ الاستثمار فيه، منذ بدايات خمسينيات القرن الماضي بشكل فردي، ثم دخلت الحكومة هذا المجال في أواخر ستينيات القرن الماضي، عبر معملي تاميكو والديماس، ولكن هذا الإنتاج لم يكن يغطي سوى 10% من حاجة السوق المحلي، لتكون النقلة الكبيرة بداية التسعينيات مع صدور قانون الاستثمار رقم 10، حيث قدّمت الحكومة العديد من التسهيلات ليتم بعد ذلك التأسيس لمرحلة الأمن الدوائي حيث وصل عدد المعامل إلى أربعين معملاً بموصفات عالمية. وانتقلت المعامل الدوائية من السوق المحلي إلى دول الجوار، ثم التصدير إلى الدول العربية فالعالمية، حيث كانت سورية تصدر بقيمة إجمالية بلغت 10 مليار ليرة سورية قبل العام 2010. وأضاف أبو عمار، مع الأسف لا توجد إحصائية حقيقية توضح حجم الخسارة التي لحقت بقطاع تصنيع الأدوية، إلا أنها بكل تأكيد خسارة هائلة، حيث كانت تتركز هذه الصناعة في كل من محافظات حلب وحمص وريف دمشق، وتم مؤخراً افتتاح عدد من المصانع في المدن الساحلية. وأضاف أبو عمار أن الاستثمار في هذا القطاع سيكون مربحاً للمستثمرين، لأن هذه الصناعة ترتكز على تاريخ من النجاحات المتواصلة، حيث وصل متوسط الربح في هذا القطاع قبل الحرب إلى 25%، وأعتقد أن الدولة ستشجع المستثمرين الجدد للمضي قدماً في استثماراتهم، مما يشكل أهمية كبيرة على صعيد الأمن الدوائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وعلى قوة العمل. وعن رفع أسعار الدواء، يقول أبو عمار إن رفع سعر الأدوية هو أمر منطقي كي يتمكن المصنع من استرداد كلف التصنيع، وهو يدفع هذه الكلف بالعملة الأجنبية، وأيضاً كي يحقق المصنع هامش ربح مرضٍ كي يستمر في عملية التصنيع. لكن ما يجب على الحكومة اتباعه إلى جانب تصحيح الأسعار، هو اتباع إصلاحات متوازية على صعيد الدخول، وقيمة قوة العمل، كي يتحقق التوازن في السوق وتستمر العجلة الاقتصادية.

من الواضح أن هذا الكلام لن يهدّئ من استهجان «ركّاب السرفيس»، ومعهم معظم السوريين الذين سحقتهم الحرب، ووصلوا إلى الحد الذي بات شراء علبة دواء وطنية يرهق ميزانياتهم المرهقة أصلاً. لن يقنعنهم التأكيد على فعالية الدواء السوري، طالما أن الطبيب والصيدلي والمستشفى مازالوا ينصحوهم، بشراء الأجنبي إن أرادوا شفاءً سريعاً، كما لن يعنيهم لو وصل عدد المعامل الدوائية الوطنية إلى الآلاف، طالما يبقون غير قادرين على تلمّس نتيجة مباشرة لهذه الاستثمارات، إلا في الارتفاعات المتتالية لأسعارها على حساب جيوبهم «المبخوشة» أصلاً.

نسرين علاء الدين مقالة ذات صلة: تصنيف التربة «يقتل » مشروعين لأغذية الأطفال وأدوية السرطان!  

الصفحة 18 من 18
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…