09 كانون1 2018

سكان الأرصفة، تسمية يمكن إطلاقها على عدد ليس بقليل من سكان العاصمة تحديداً، والمحافظات السورية عموما، وغالباً ما تضجّ مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أخذت من على هذا الرصيف لامرأة نائمة في ساعة متأخرة من الليل، أو من تلك الحديقة لعجوز تلتف بما تيسر لها من أغطية، من دون أن يكون ثمة دور فاعل لجمعية خيرية أو مؤسسة حكومية، لمعالجة أي من الحالات التي تم تداولها على الأقل، وفي مقابل ذلك، ثمة حكايا غريبة، أبطالها أناس بسطاء اختارتهم الظروف ليكونوا على رصيف ما في مشهد بائس، لم تأتِ به أي رواية أدبية متخيلة بعد... فهل بؤسنا فاق التخيل...؟

التسول... مهنة تحتاج لـ «إبداع»

ببدلة أنيقة وحذاء ملمع يطوف «أبو عبدو» شوارع دمشق بحثاً عن زبائنه، ليطلب منهم المال بحجة أنه مواطن لبناني تعرض لـ «النشل» أو «ضياع محفظته بما فيها من نقود وثبوتيات، ويضحك الرجل الخمسيني من حيلته ليقول: «اللهجة اللبنانية تجعل الناس تعاملني على أنني من الأكابر، لم يعطني أي شخص أقل من ألف ليرة»، وفي حين أنه يرفض الكشف عن قدر المبلغ الذي يتحصل عليه يومياً من التسول بهذه الطريقة، إلا أنه يكشف أنه لا يبقي أكثر من ألفي ليرة في جيبه كـ «مصروف شخصي» والباقي يرسله فوراً لأولاده في إحدى مناطق ريف حلب الشرقي.

«الرزق يحب الخفية»، بهذه الجملة يبرر «أبو عبدو» ممارساته، ولا يعتبر أنه يحتال على الناس لأنهم لن يتعاطفوا معه إن لم يقم بهذه الحيلة، ويطيب له أن يسمي «البدلة السوداء والقميص السماوي» بـ «عدة الشغل»، التي ما إن ينهي ساعات طوافه حتى يخلعها ويهتم بتنظيفها وكيها لتكون جاهزة لليوم التالي، وقبل أن يعود إلى غرفة الفندق الذي يسكن فيه بشكل دائم، يطيب له أن يجلس إلى كرسي الخشب الصغيرة تحت «جسر الثورة»، ليشرب قدحا من الشاي المخمر.

بذات الأسلوب تتكسب «أم مريم» المال من خلال دفع بناتها الجميلات الثلاث للتسول، فهي تعتني بـ «نظافة ثيابهم وتسريحة الشعر»، ليطفن على المقاهي والناس في محيط ساحة المرجة بحثاً عن المال، وغالباً لا تعود أي من الطفلات اللواتي لم تبلغ أكبرهن سن 11 عاماً بـ «غلة» تتراوح بين 7-10 آلاف ليرة سورية، وتقتصر مهمة الأم بمراقبة البنات وحمايتهن من الخطف والتحرش.

تدفع الأم من المال المحصل مبلغا للفندق الذي يعيشون فيه وليس ثمة إمكانية لإرسالهم إلى المدرسة، فالحاجة للمال أهم من التعليم من وجهة نظر الأم التي «اختفى زوجها»، منذ أربع سنوات ليتركها وحيدة في مواجهة الظروف المعاشية القاسية، وتقول: «بس يصير عندنا بيت ملك وشي نستند عليه ساعتها أكيد رح أدرسهم»، وبرغم أن المبالغ المالية التي تحصل عليها تعدّ «عالية» نسبياً، بعد أن يتم جمع «غلة البنات الثلاث»، إلا أن «أم مريم» تقول إن «المصاري تطير مثل البنزين».

الأمر نفسه تقوم به سحر (اسم مستعار)، فهي تعتمد على ثيابها الأنيقة للغاية حين تقف على قارعة «اتوستراد المزة»، لتطلب من المارة المساعدة بكونها فقدت حقيبة يدها، ولم تعد تمتلك وسيلة للعودة إلى منزلها المفترض في إحدى ضواحي العاصمة، وترفض بشدة الحديث عن تجربتها في «التسول» لكنها تختصر الكلام بالقول: «يلعن أبو الحاجة».

والتشرد... مهنة أيضاً!

ترفض «جميلة» ترك زاويتها في إحدى حدائق دمشق لتنام في بيت، فهي لا تعرف من أين يمكن أن تحصل على إيجاره، كما أنها تخاف من أن تفقد تعاطف الناس معها في حال باتت تمتلك منزلاً، وتقول إنها «تعودت على البرد، أو البرد تعوّد عليها فلم يعد يؤثر بعظامها»، وبقليل من «بطانيات المعونة» التي اشترتها من بائع كان «مبسط بالفحامة»، تلف جسدها النحيل لتنام في الحديقة تحت درج في الحديقة القريبة من أحد أفخم الفنادق في دمشق.

تجاوزت جميلة الثلاثين من عمرها، هي لا تحب لفظ «مشردة»، وتتعرض للتحرش الجنسي من قبل «المشردين» بشكل مستمر، لكنها لا تقبل «إلا بالحلال»، ولا يوجد رجل جدي في كل الدنيا وفقاً لمفاهيمها، وحكايتها مع التشرد بدأت بعد أن تجاوز زوجها السابق كل الحدود معها، من «ضرب وتعنيف»، قبل أن يطلّقها ويرميها في الشارع، ليسافر إلى لبنان بهدف العمل ثم يختفي بشكل نهائي، ولحسن حظها كما تقول: «ما عندي أولاد، وإلا كانت المصيبة أكبر».

تخاف جميلة من الشرطة كثيراً، تعتبرهم خصومها في الحياة بكونهم يمنعونها من التسول والنوم في الحديقة، كما أنها تستغرب حين سؤالها إن كانت الجمعيات الخيرية أو أي جهة كانت، قد حاولت تقديم المساعدة لها، وتقول ساخرة: «ليش الجمعيات تعرف أنو في مشردين بالشام»، وإن سألت جميلة عن مهنتها لقالت: «متشردة».

في مكان آخر من العاصمة، وتحديداً في الحديقة التي نشأت مكان السوق الذي كان يعرف شعبيا بـ «سوق التبن»، والذي كان قائما بالقرب من «جسر الثورة»، ثمة الكثير من المشردين الذين ينامون على أرصفة أو عشب الحديقة المكتظة بـ «الجرذان»، ولا تخاف «فادية» التي حملت مرتين بصورة غير شرعية من القوارض، وتقول: «تعودوا علينا»، ولا تخجل الفتاة البالغ من العمر 20 عاماً فقط، من الحديث عن ممارستها للدعارة مع أصحاب البسطات في «سوق الحرامية»، مقابل مبالغ مالية لا تصل ألف ليرة في أحسن الأحوال، وتقول بأنها ولدت مرتين، فمولودها الأول خطفه مجموعة من الشبان الذين التقتهم في ساحة المرجة وعرضوا عليها مبلغ 15 ألف ليرة سورية مقابل ممارسة الجنس معهم، وفي الطريق إلى البيت الذي قالوا إنه في «الحسينية» جنوب دمشق، اعتدوا عليها بالسكاكين بعدة ضربات على وجهها قبل أن «يخطفوا الطفل» ويختفوا بشكل نهائي.

تقول فادية إنها تعتبر «التشرد» عملها وسكنها، هي تحصل على المال بطرق متعددة، فبعض كبار السن «يتحننون» عليها ببعض من المال، بعد أن تقول بأنها بحاجة لغذاء لطفلها الذي «لا تعرف من هو أبوه»، كما أن غالبية أصحاب البسطات هم من زبائنها، ولا تفكر حالياً في مصير «ابنها» الذي أسمته «أحمد»، فهو غير مسجل في القيود المدنية، ولا تفكر حالياً في مستقبله أو إنها ستدخله المدرسة، وتسخر من السؤال لتقول: «أي شو بدو يطلع دكتور يعني...؟»

تهرب «سوسن» من كل الأسئلة التي توجه إليها بكلمة «الله يفرج»، وبعد إلحاح عليها تخرج عن صمتها لتقول: «ليش في مسؤولين بالبلد تروح تشكيلهم حالك»، وتلف طفليها اللذين يقاسمانها ما تمتلكه من «بطانيات» على رصيف في منطقة الصالحية وسط العاصمة، لكنها تشتكي من الملهى الليلي الموجود في منطقة نومها، فالضجة «ما تتركها تنام، والسكرانين يخوفوا بالليل».

تبقى المرأة الأربعينية طوال الليل متيقظة من العابرين، وتخاف أن تفقد أحداً من ولديها بالخطف أو الضياع، وتعتبر أن حصولهما على مبادئ القراءة والكتابة كاف لهما، والأهم أن يتعلما «صنعة» يكسبان من وراءها لقمة عيشهما في المستقبل، ولا تفكر نهائياً بإمكانية حصولها على منزل في المرحلة الحالية، فالرصيف أرحم من أن تدفع ما تجمعه من مال بالتسول لـ «صاحب بيت ما بيخاف من الله»، وتضحك وهي تشعل سيجارة لتقول: «التشرد أحسن من الدعارة، نحن ما بدنا نعيش على الرصيف، بس الناس عينها حتى على الرصيف اللي ساكنين عليه».

نحن «مو شحادين»...

تصنّف عملية بيع الورد أو الخبز أو العلكة على أرصفة المدن على أنها «تسوّل مقنّع»، الأمر الذي ترفضه «أم ربيع» التي تبيع الخبز على رصيف في منطقة «الشيخ سعد»، لتقول: «عم طلع رزقي بعرق جبيني»، فهي تقف لوقت طويل في طابور الحصول على بضع ربطات من الخبز، تفرده وتغلفه، لتبيعه للمارة بسعر 100 ليرة للربطة الواحدة. وهي لا تعتبر أنها تقوم باستغلال الناس، فالمشتري منها هو من لا يريد الوقوف في «طابور الخبز»، وبالتالي هو يدفع الزيادة كثمن للوقت الذي توفّره عليه.

«أم ربيع» التي دخلت العقد الخامس من العمر تعيل من عملها هذا أسرة تشكّلها مع أربعة أطفال في عمر المدرسة، وهي مهتمة للغاية بمتابعة أطفالها للدراسة. ولا تعتبر أنها تقوم بشيء يسيء لسمعة ابنتيها المتزوجتين، وتقطنان في الضواحي، وتقول: «اشتغل أحسن ما أمد أيدي وأشحد».

ويقول فواز (اسم مستعار)، إنه تعرض لإصابة خلال سنوات الحرب، وهذه الإصابة أجبرته على الاتكاء على عصا ليتمكن من السير أثناء طوافه في «حديقة تشرين»، ليبيع الورد للعشاق الذين يجلسون على كراسي الحديقة، ويشرح بالقول: «أكيد بيكون الشب بحاجة وردة ليقول للصبية قديش بيحبها، وانا بجيب هي الوردة لعندو، وباخد اللي فيه النصيب»، ولا يعتبر أنه يتسوّل منهم، فهو يصف العملية بـ «التجارة»، إذ يتجه إلى مشتل ليشتري منه الورد الجوري بسعر الجملة، ثم يتجه إلى البيت لتغليف الورد كلّ واحدة على حدة بشكل أنيق يناسب زبائنه من العشاق.

على أرصفة المدن يعيش الكثير من الناس، منهم من يتخذ من الرصيف سكناً، ومنهم من يتخذه مكاناً للعمل، ومنهم من يجمع بين الاثنين، لكن المضحك المبكي أن الأرصفة في غالبية الأحيان لا تكون رحيمة بهم، فمن السهل أن تتشكل برك الماء على الأرصفة بعد كل زخة مطر، ووسط تقصير واضح من المؤسسات والجمعيات المعنية بتقديم العون للمحتاج بشكل جدي، يكون ثمة حالات تمتهن التسول والتشرد عن سبق إصرار، الأمر الذي يجعل مسألة التعاطف مع هذه الحالات مقرونة بالكثير من الأسئلة التي قد لا تجد إجابات، فمن أين تبدأ المشكلة وكيف يمكن معالجتها بجدية وبشكل نهائي؟! سؤال يوضع برسم وزارة الشؤون الاجتماعية قبل أي مؤسسة أو جمعية خيرية!!

محمود عبد اللطيف
 
02 كانون1 2018

«باشا بازي» مصطلح أفغاني شعبي يعني عشق الأطفال واستعبادهم جنسيّاً، وهو واحد من السلوكيات المجتمعية القديمة المتفشية في أفغانستان، والتي مازالت مستمرة. يرتدي الأطفال زي الرقص، ويضعون المكياج ويتمايلون أمام الكبار، لإرضاء أهوائهم الجنسية.

الأمر مقزز قد لا يستوعبه العقل، «ولكنه يحدث في أفغانستان وليس في سورية!

إذاً لا داعي للقلق». كان يمكن أن تكون هذه العبارة صحيحة قبل أن تغزو الحرب الشوارع السورية، وتدمّر البنية المجتمعية والقيم في مناطق عدّة فيها، لتكسر حاجز الرهبة، وتطلق العنان لـ «الرغبة»، خالقة مزيجاً غريباً بين «باشا بازي» الأفغاني بصورة جزئية، والقتل كأحد أساليب المتعة في مجتمع هش تحكمه مفاهيم خاطئة، وقيم مشوهة. فالطفل الضحية محكوم عليه بالموت، سواء قتل فعلاً، أو بقي على قيد الحياة، لتغدو الصورة الأكثر دقة لحالة الطفل ضحية الاغتصاب، بأنه فريسة بين مجموعة من الذئاب، الكل ينهشه.

 ضجّت وسائل الإعلام السورية ومواقع التواصل الاجتماعية خلال الفترة الماضية بأخبار عدة متلاحقة حول جرائم اغتصاب وقتل تعرض لها أطفال، أشهرها حكاية الطفل الذي نجا بعد إقدام مجرم على ذبحه على سطح أحد الأبنية في المدنية، قبل أن يتم إلقاء القبض على الجاني الذي اعترف بإقدامه على تنفيذ جرائم اغتصاب وقتل عدة، بحق الأطفال بالتعاون مع شركاء له. كذلك ضجت وسائل الإعلام بحكاية طفل في حمص تعرض للاغتصاب والقتل ورميت جثّته في بئر. هذه الأخبار وتواترها المطرد، يفتح الباب أمام الحديث عن ظاهرة بدأنا نلمسها بشكل واضح في المجتمع السوري، الأمر الذي قد يمكّن من البحث فيها بشكل أعمق من مجرد خبر عن حادثة اغتصاب.

 لا يعدّ اغتصاب الأطفال، أو الاعتداء الجنسي عليهم حدثاً طارئاً على المجتمعات الإنسانية عموماً، إلا أن تبني المنظمات الدولية لحملات مناهضة للاعتداء على الأطفال ربما قد ساهم في تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه القضية، لتظهر بين حين وآخر إحصاءات عن نسب حالات التحرش بالأطفال أو الاعتداء عليهم، الأمر الذي من المفترض أن يساهم في زيادة الوعي المجتمعي حول هذه القضية ومخاطرها على الأطفال والمجتمع ككل، كوسيلة لمكافحة هذا النوع من الجرائم.

 الأرقام في سوريا

تسبب خروج مناطق عن سيطرة القانون، وانتشار مئات الفصائل المسلحة والعصابات بحالة فلتان أمني وانهيار للقيم المجتمعية في بعض المناطق السورية، بالتوازي مع عمليات تجنيد الأطفال، وانتشار المخدرات وغيرها، الأمر الذي شكّل تربة خصبة لنمو الظواهر الشاذة بعيداً عن أية رقابة أو محاكمة، ومن دون وجود روادع أخلاقية أو قانونية.

 مع بدء عودة المناطق إلى سيطرة الحكومة، بدأت بعض ملامح التغيرات التي طرأت على المجتمع تظهر، كما بدأت تظهر آثار الحرب وانهيار منظومة القيم التي كانت تمثّل حالة ردع في الفترة السابقة للحرب، بشكل واضح.

قبل أيام، كشفت هيئة الطب الشرعي في سورية عن أرقام يمكن أن تكون صادمة لحالات الاغتصاب التي تم توثيقها. مدير الهيئة العامة للطب الشرعي في سورية زاهر حجو ذكر أنه تم توثيق 363 حالة اعتداء جنسي على ذكور وإناث في ست محافظات في البلاد، لنساء وأطفال ومراهقين، من دون وجود رقم دقيق عن حالات الاغتصاب التي تعرض لها الأطفال بالتحديد.

 رغم ذلك، تكشف أرقام الطب الشرعي أن حلب احتلت الصدارة في ظاهرة الاغتصاب، حيث تم توثيق 165 حالة فيها، تليها دمشق التي سجلت فيها 110 حالات، في حين تتذيل السويداء وحمص القائمة بست حالات موثقة في كل منها.

 الدكتور حجو رأى أنه «رغم ارتفاع عدد الحالات خلال الحرب - وهو أمر طبيعي كإرهاص للوضع الراهن- إلا أنها تبقى من أقل النسب بين دول العالم، حتى تلك التي تعيش حالة سلم ورخاء، ونادراً إن لم نقل من المستحيل أن يفلت الجاني بفعلته وهي نقطة إيجابية تسجل للدولة»، وفق تعبيره.

 محاولة البحث في مقدار مقاربة هذه الأرقام للواقع، تصطدم بحقائق عدّة أبرزها أن المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة لم تشهد عملية توثيق للحالات فيها، كذلك يلعب تستّر نسبة كبيرة من الأهالي على حالات تعرض أبنائهم للاغتصاب، دوراً في عدم المعرفة الدقيقة لمدى انتشار هذه الظاهرة. في هذا السياق، يقول حجّو «نسبة كبيرة من حالات الاعتداء التي يتعرض لها الأطفال لا يتم الإبلاغ عنها، قد تصل هذه النسبة إلى أكثر من 80%»، موضحاً أن النسبة العالمية للحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها تبلغ نحو 68%.

 مرض اسمه «عشق الغلمان»

الطبيب النفسي جميل ركاب أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين، أوضح خلال حديثه إلى «الأيام» أن هناك أمراضا نفسية عديدة قد تدفع الشخص لارتكاب جرائم الاغتصاب بحق الأطفال، أبرزها مرض اسمه «عشق الغلمان» (بيدوفيليا)، وهو مرض مشخص، ويكون عند الرجال الذين لا تشكل لهم المرأة قضية جنسية، وإنما يميلون جنسياً إلى الأطفال. كذلك تساهم أمراض نفسية أخرى في ارتكاب الرجال جرائم اغتصاب الأطفال مثل الاضطرابات الذهانية، والفصام، والشخصيات السايكوباتية المعادية للمجتمع.

 يشرح الطبيب النفسي أن فكرة أن يكون الشخص مصابا بمرض نفسي يدفعه لارتكاب جريمة بحق الطفل لا يعفيه من العقوبة، فالأمر هنا يتعلق بحقوق الأطفال، لذلك فإن هذه الأمراض يجب معالجتها، كذلك تتم معاقبة مرتكب هذه الجرائم.

 في الفترة التي سبقت الحرب، كان المجتمع السوري أكثر تماسكاً، وكان الرادع الأخلاقي والديني والقانوني له سطوة أكبر على المجتمع، هذا الرادع ومع استمرار الحرب بدأ بالتلاشي تدريجياً، كذللك بدأت الأسر تشهد حالات من التفكك وعدم الرقابة الأسرية على الأطفال، الأمر الذي وفّر فرائس جاهزة يسهل اصطيادها.

 يرى أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين، أن الأهل والمجتمع يلعبان دوراً هاماً في عدم ردع هذه الظاهرة، عن طريق عدم الإبلاغ عن حالات الاعتداء بداعي الخوف من الفضيحة، والنظرة التي ينظرها المجتمع للطفل، ويشرح «هذا الأمر يساهم في استمرار انتشار حالات الاغتصاب، فالمجتمع يحمّل الطفل بعض المسؤولية، أو ينظر إليه نظرة دونية أو كأنه ارتكب فعلاً معيباً».

 نظرة على القانون السوري

يشدد القانون السوري على عقوبات مرتكبي جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، ويقول المحامي علاء السيد لـ «الأيام»: «تعتبر المحاكم السورية اغتصاب الأطفال أو ما يطلق عليه الفعل المنافي للحشمة جناية، وتشدد العقوبة بشكل عام على هذا النوع من الجرائم، ولا يخلى سبيل من يثبت اعتداءه على قاصر». وتنص المادة ٤٨٩ من قانون العقوبات السوري على أنه من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد، على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة ١٥ سنة على الأقل ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه قاصرا.

 كذلك، لحظ القانون السوري مسألة التحرش الجنسي كمداعبة الأطفال أو لمسهم، أو حتى التحرش اللفظي، يقول المحامي السيد «تصل العقوبة في حالة التحرش الجنسي كاللموس والمداعبة إلى عام ونصف من الحبس، كما يعاقب بالحبس لثلاثة أيام أيضاً من وجّه للأطفال كلاماً يخل بالحشمة».

 وفي حال كان القاصر الذي تعرض لاعتداء يعاني مرضاً نفسياً أو جسدياً، يشدد القانون السوري العقوبات على مرتكب الجرم بشكل كبير.

 قانون رادع... ولكن!

نظرة على القانون السوري توضّح وجود نصوص قانونية من المفترض أنها رادعة، فعقوبة الحبس لمدة تفوق 20 عاما هو حكم مشدد، إلا أن هذه العقوبات لم تقف عائقاً أمام مرتكبي هذه الجرائم.

 ترى الناشطة المدنية هبة شيّا أن الحرب وما رافقها من انتشار كبير للسلاح، وانتشار لفصائل مسلحة خارجة عن سلطة القانون ساهمت في ارتفاع عدد حالات اغتصاب الأطفال، موضحةً أن «شعور الجاني بحتمية إفلاته من العقاب ساهم في ارتفاع الحالات»، مشيرة إلى أن معظم حالات الاغتصاب وقعت في الأوساط الخارجة عن سيطرة القانون.

 ترى شيّا أن من أسباب انتشار هذه الظاهرة أيضاً الجهل، والعادات والتقاليد البالية بالتعامل مع هذه القضايا وتحميل الطفل مسؤولية الاعتداء، وتضيف أن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب جهداً حكومياً من قبل المؤسسات المسؤولة، في القضاء والسلطة التنفيذية، عن طريق ملاحقة المجرمين وتقديمهم للمحاكم المدنية العادلة، وجهداً من منظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات الحقوقية والمنظمات المعنية بقضايا الطفل، والتي ينبغي عليها أن تولي رعاية خاصة بالأطفال، ضحايا العنف الجنسي، وتعمل على إعادة تأهيلهم ودمجهم بالمجتمع، وتقديم الرعاية اللازمة لهم، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية المجتمعية للأسر والأطفال بمخاطر التحرش والعنف الجنسي وكيفية الوقاية منه والإبلاغ عنه».

 الطفل الضحية... من يرعاه؟

بعد تعرض أي طفل لاعتداء، تبدأ معاناة من نوع آخر بالنسبة له، سواء تم كشف الأمر أو لم يتم، حيث أشار كل من أمين سر الرابطة السورية للأطباء النفسيين الطبيب جميل ركاب، والناشطة المدينة هبة شيّا، كل على حدة، إلى عدم وجود «مراكز خاصة بالدعم النفسي والاجتماعي لحماية الأطفال الذين تعرضوا لاعتداء ورعايتهم». وترى الناشطة المدنية أن عدم معالجة الطفل ومتابعة حالته تؤدي إلى «صعوبة اندماجه لاحقاً بالمجتمع، الأمر الذي يتسبب فيما بعد بمشاكل اجتماعية كثيرة منها المخدرات والتسول»، وتضيف «من أخطر الحالات تكرار حدوث الاغتصاب، من قبل الأطفال الضحايا على أطفال آخرين».

بدوره، يقول الطبيب النفسي «على الرغم من وجود قانون يشدد العقوبات على المجرم، يلاحظ كثيراً تحميل الشرطة جزءاً من المسؤولية للطفل الضحية، الذي يتعرض خلال التحقيق معه لمعاملة مسيئة، حيث ينظر له كشريك في الجرم، في ظل عدم وجود منظمة تحمي هؤلاء الأطفال وترعى حقوقهم وتتابع حالتهم النفسية والاجتماعية».

وينصح الطبيب الأهل ببناء الثقة مع أطفالهم، وتصديقهم، وتقديم الشرح لهم حول أجسادهم، وحدود الآخرين التي لا يجب أن يتعدوها، كذلك ينصح من تعرض ابنه لاعتداء أن يحاول معه تجاوز الأمر، وعدم الخوض معه في تفاصيل ما حدث بشكل مفصّل لعدم ترسيخ هذه الواقعة في ذاكرته، ومساعدته على تجاوز الأمر، موضحاً أن الأطفال الذين تعرضوا لاعتداء جنسي ولم يتلقوا العناية اللازمة، أو لم يقم أهلهم بمساعدتهم يعانون من أمراض وأزمات نفسية واجتماعية لاحقة، كالاكتئاب، والتراجع الدراسي وغيرها.

تمثّل الأسرة بالنسبة للطفل مصدر الحماية الأول في المجتمع، ما يعني أنه مع تفككها سيصبح الطفل عرضة للمخاطر، وهو ما أظهرته الحرب بشكل جلي سواء عن طريق تجنيد الأطفال، أو استغلالهم بشتى الوسائل، وصولاً إلى الاستغلال الجنسي. اليوم هدأت الحرب في مناطق كثيرة من سورية، ما يتطلب إعادة بناء فعلي للمنظومة الأسرية المتضررة، وإعادة بناء مفاهيم صحيحة تحمي الأطفال، وتشرح لهم حقوقهم، وتبني جسراً من الثقة مع ذويهم، وإعادة بناء مفاهيم مجتمعية صحيحة، كل ذلك يقع على عاتق الحكومة ومؤسساتها أولاً، وعلى المنظمات التي تعنى بالأسرة والمجتمع ثانياً، وعلى الإعلام كشريك رئيسي في نشر المفاهيم التي قد تساعد على حماية الطفل من التحول إلى فريسة

علاء حلبي 
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…