23 كانون1 2018

يلعب العمل التطوعي دورا مهما وجوهريا في تطوير المجتمع وبنائه والنهوض به، خاصة في فترة الأزمات والحروب التي تُخلف العديد من الكوارث الإنسانية والتوعوية والثقافية، ولا يخفى على أحد الدور الكبير الذي قدّمه المجتمع المدني السوري، ممثلاً بالجمعيات والمنظمات والفرق التطوعية التي تنوعت أسماؤها وأعمالها، وكثُر انتشارها خلال الأزمة، سواءً عن طرق الحملات أو الفعاليات أو الأنشطة التي تقوم بها بهدف تقديم المساعدة والعون وتحقيقِ الخير في المُجتمع عُموماً ولأفراده خصوصاً.

من أحد أهم أسباب تنظيم الحملات التطوعية هو أن يكون لها أثر فعال في تغيير واقع سيء بكل ما يرتبط بهذا الواقع، بدءا من القوانين الناظمة التي تشرّعه، إلى العادات والتقاليد التي تدعم وجوده، وذلك من خلال العمل الميداني والتماس المباشر مع الفئة المستهدفة والجهات المعنية، بالإضافة إلى إقامة الندوات والأنشطة ، الا أنه انتشر في الآونة الأخيرة حملات تطوعية من نوع جديد أطلق عليها البعض اسم حملات «البريستيج» والتي تعتمد على الضجة الإعلامية والمصاريف الباهظة والأنشطة المنمقة، في الوقت الذي تفتقر فيه إلى الميدانية والفاعلية والتأثير الملموس.

حملات البريستيج التطوعية

ولعل أبرز هذه الحملات هي الماراثونات التي أقيمت مؤخراً تحت عناوين مختلفة بأهداف غير واضحة مثل ماراثون «الركض لسوريا السلام»، و»سوريا النا»، الذي يرتادها البعض لمصالح شخصية بحتة بعيدة عن أي جانب تطوعي كون أهدافها غير واضحة أساساً.

 خالد (طالب جامعي) يؤكد لـ «الأيام» أنه يرتاد وأصدقاؤه هذا النوع من الحملات «لتطبيق البنات» وتغيير الجو، بينما يصف أحمد مشاركته بأنها نوع من أنواع الرياضة الصباحية، وتعتبر سارة أن العامل الأساسي لمشاركتها هو البريستيج المجتمعي الذي يتلخص بحسب وجهة نظرها بوضع صور مشاركتها على صفحتها الشخصية على «فيسبوك». 

بالإضافة إلى الحملات التي اعتمدت على توزيع اللوحات البيضاء التعبيرية في الساحات كلوحة «الحلم السوري»، التي لم نر أنها سعت لتحقيق حلم أي مواطن سوري خط حلمه عليها حتى اليوم، وحملة «لكِ» التي واجهت السوريين عند توجههم لعملهم أثناء عبورهم لساحة الأمويين صباحاً، ما أثار فضول المواطنين، ونتوجه للوحة المذكورة لمعرفة سبب وجودها والذي تلخص بعبارة «حملة لمناهضة العنف ضد المرأة».

 أذكر أني أكملت ما تبقى من طريقي يومها وأنا أفكر كيف للوحة بيضاء أن تناهض قضية عالمية كالعنف ضد المرأة؟ الأمر الذي دفعني للتواصل مع المنسق الإعلامي للفريق المنظم للحملة والذي أكد بدوره أن المناهضة ستكون بتوزيع البروشورات التثقيفية وكتابة الكلمات التحفيزية التي تشعر المرأة بقيمتها ودورها الفاعل في المجتمع، وتوزيع الهدايا العينية من شركة «مدار» فقط، مضيفاً أن الجانب المتعلق بتغيير القوانين الظالمة للمرأة يقع على عاتق الجهات الحكومية، وليس على عاتق المجتمع المدني!!

أعضاء مجلس الشعب بعيدون عن الشعب

مسؤول متطوعي جمعية «نور» للإغاثة والتنمية مصطفى أبو الجدايل، أوضح «للأيام» أن الأزمة جعلت الجمعيات تهتم بالجانب الإغاثي فقط، وهو ما أبعد عمل الجمعيات عن الحملات التطوعية المجتمعية الفعالة، مضيفاً أن من أهم المشاكل التي تعيق تحقيق الأثر الملموس في كل حملة، هو قلة الدعم المادي للأعمال التطوعية، بالإضافة إلى تمسك فئة مجتمعية كبيرة بعاداتها وتقاليدها البالية ورفضها لأي تغيير، ما يدفع الجمعيات لتكثيف حملات التوعية والتثقيف. وأضاف أبو الجدايل أنه فعلياً لن تستطيع الجمعيات الضغط باتجاه إجراء أي تعديل قانوني أو دستوري، كون طرح أي تغيير يكون حصراً عن طريق مجلس الشعب البعيد كلياً عن التنسيق مع الجمعيات الأهلية، بتبرير أن قضايا البلاد الخدمية «أهم» حالياً من القضايا المجتمعية.

 ومن جهته حمّل مدير جمعية «ساعد» التطوعية عصام حبال، أعضاء مجلس الشعب المسؤولية في عدم فاعلية المبادرات للمدى البعيد، متسائلاً كيف يمكن للمجتمع المدني وضع استراتيجيات أو خطط، للمشاكل والقضايا الكبرى من دون أي مساعدة أو حتى استماع من أعضاء مجلس الشعب، مؤكداً أن أي مشكلة يجب أن تكون مطروحة على طاولة، تضم ممثّلاً عن المجتمع المدني لطرح المشكلة ومجلس الشعب لتشريع الحل ومجلس الوزراء لتنفيذ الخطة.

كيف تكون الحملات التطوعية فعالة؟

مدير مرصد نساء سورية، بسام القاضي، الذي كان أول من أطلق حملة تطوعية واسعة النطاق في 2006 لمناهضة جرائم الشرف، وأدت إلى إحداث بعض التغييرات المهمة في القوانين المتعلقة بهذه الجرائم، أوضح لـ «الأيام» أن أول ما يجب أن يتوفر في العمل التطوعي هو «التنظيم» الصحيح، الذي يشمل عدة جوانب منها تنسيق العمل بين المتطوعين، وتقسيم الوقت، وتحديد الأهداف، وآليات التنفيذ، وحتى آليات التقييم، والمتابعة بدقة، مبيناً أن هذه الشروط كلها تكاد أن تكون خارج واقع «العمل التطوعي» في سورية، لأن ما يسود لدينا هو ثقافة «عمل الخير» لا «العمل التطوعي».

وأشار القاضي إلى أن آليات العمل المستقل عن الحكومة في سورية متخلفة وسيئة، وتعيق العمل التطوعي، بدءا من القوانين المتعلقة بتأسيس الجمعيات، مروراً بالإجراءات المتعلقة بممارسة النشاط التطوعي المجتمعي، وهو واقع ليس مرتبطاً بظروف الحرب الراهنة، بل هو على حاله منذ خمسينيات القرن الماضي، ولم تنجح محاولات كثيرة لتغيير القوانين ورفع الوصاية المجحفة عن النشاط المدني.

ويختم القاضي بالقول إنه قد لا يكون من العدل مهاجمة بروز ناشطين على الإعلام التقليدي أو وسائل التواصل الاجتماعي. فجانب مهم من العمل التطوعي هو لتغيير نظرة الناس تجاه قضية معينة، وهذا يحتاج إلى قوة وانتشار إعلاميين، ويحتاج إلى إبراز شخصيات متمكنة تكرس صوتاً مهماً في سياق التغيير. لكن المشكلة التي عانينا منها هي أن كثيرا من هذا الظهور كان «برستيجاً» فقط، أي لأجل الشهرة الشخصية من دون أي عمل حقيقي فاعل على الأرض، الأمر الذي أدى إلى نتائج عكسية مثل ابتعاد الكثير من السوريين عن العمل التطوعي، معتبرين أنه طريقة للشهرة المريضة.

بناء الإنسان... أولاً 8 سنوات عانى فيها الشعب السوري الكثير وخاصة في الجانب الإنساني، حيث كان جلياً للقاصي والداني أن أحد أسباب الأزمة السورية هو التصدع الذي ظهر في زوايا كثيرة ببناء المجتمع، لذلك ولإعادة إعمار سورية يجب أن نبدأ ببناء الإنسان قبل بناء الحجر، ولا يبنى الإنسان إلا بتضافر جهود الجميع من مجتمع مدني إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، لوضع استراتيجيات حقيقية بعيدة الأمد ذات أهداف مثمرة وواضحة

ليلاس العجلوني

16 كانون1 2018

لا يزال الجرح مفتوحاً في قلوب الآلاف من دون وعود حقيقية أو موعد يلملم الجراح النازفة ألماً وشوقاً، وحده الانتظار القاتل لرؤية أخ أو أب أو ابن مخطوف يحيا على قيده كثير من السوريين، الذين باتت حالتهم عنوان لـ «الانتظار القاتل». خاصة بعد مشهد المنتظرين يوم تحرير (دوما) الذي أدمى عيون السوريين.

من الضروري جداً أن يوجد الأمل في قلوب الجميع، إلا أنّه لا يكفي لتعيش عليه سنوات عجاف منالانتظار لرؤية أخيك أو أبيك أو ابنك، الذي خطفته التنظيمات الإرهابية في معركة مامضى عليها ما مضى، واستشهد فيها من استشهد، وجرح فيها من جرح، وفُقِد فيها من فقد،ليس هذا فقط، بل تحررت المنطقة وعاد أهلها إليها، فيما بقي المخطوف مغيباً وجرحأهله نازفاً؟

يستحيل على أحد إحصاء عدد المخطوفين من جنود الجيش العربي السوري الذين انقطعت أخبارهم، لكن من المؤكد أنّهم بالآلاف وخلفهم عشرات الآلاف من أبنائهم وذويهم يتجرّعون القهر كل صباح، وقبل النوم، كوجبة أساسية في بلاد يبدو أنّه لا يهم مسؤوليها وإعلامها، ماذا يشعر مواطنها الذي حمل على عاتقه، تحمّل كل ما تتعرض له انطلاقاً من انتمائه الوطني.

يوم المخطوف السوري: يوماً شعبياً وطنياً

لم ينتظر مكسيم منصور الأمل الذي بات خافتاً في عينيه، بعد انتظار سيكمل عامه الخامس منذ يوم سقوط مستشفى الكندي في حلب، بعد المفخخات التي حملت مئات الأطنان من المتفجرات والتي استخدمها إرهابيو «جبهة النصرة» في هجومهم عليها، إذ ارتقى يومها عشرات الجنود وفُقِد آخرون من بينهم أخيه الجندي في الجيش، همام منصور، الذي ظهر في مقاطع فيديو وهو في حالة الخطف بعد إرسالها من قبل عناصر «النصرة» إليه. الأمر الذي دفعه ليكون أحد المنظمين لحملة «يوم المخطوف السوري» ليكون يوم 20 كانون الأول يوما شعبياً ووطنياً، يطالب بعودة المخطوفين مع عدد من أهالي المخطوفين وبعض الناشطين الإعلاميين.

الحملة الأولىمن نوعها

تهدف حملة «يوم المخطوف السوري» كما يقول مكسيم، التذكير بالمخطوفين كعنصر مهم في الحرب على سورية، بل ومأساة حقيقية لذوي المخطوفين، لكن الفارق أنه وعلى سبيل المثال؛ الجريح قادر على المطالبة بحقوقه، وأسر الشهداء تستطيع أيضاً المطالبة بحقوقها، أما المخطوف فلا حول له ولا قوة، ولا يكفي ذويه الانتظار من عدم والوقوف على الهامش. فكان من الضروري وانطلاقاً من دافع وطني، التذكير بهم والمطالبة بحقهم ألا وهو العودة إلى أهاليهم وأبنائهم وعملهم.

المتهم الأول:مجرم الحرب أردوغان

حسب رؤية مطلقي الحملة فإن الدولة التركية متمثلة برئيسها رجب طيب أردوغان، هي المتهم الأول بقضية المخطوفين، عبر أدواته من التنظيمات المسلحة المصنفة على لوائح الإرهاب الدولية، التي تعمل بدعم تركي مفضوح، إضافة للدول التي كانت وما زالت تقدّم الدعم اللوجيستي والسياسي لتلك التنظيمات، مثل السعودية وقطر. كما أن التدخل التركي بات مفضوحاً لما يقدمه من دعم وتمويل، خاصةً اليوم كما هو واضح في أرياف إدلب واللاذقية وحماه، بتبنيها الغطاء السياسي للمسلحين في مؤتمر «سوتشي» الأخير، الذي اتفق فيه كل من الرئيس الروسي والتركي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح.

كيف بدأتالحملة؟

كانت الخطوة الأولى عبر التواصل مع أهالي المخطوفين، عبر منظمي الحملة، والمطالبة بكتابة قصص أبنائهم المخطوفين وإعادة نشرها، وأماكن ومواعيد اختطافهم مع صورهم، وفيديوهات يظهر في بعضها اللحظات الأخيرة من الحصار الذي تعرضوا له قبيل اختطافهم. كي لا تُنسى قضيتهم وسط التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلاد.

ومن ثمّ تحديد يوم شعبي للمخطوف السوري، حيث اختير يوم 20 كانون أول، والذي يصادف اختطاف عدد من حامية مستشفى الكندي واستشهاد عدد آخر. المستشفى الذي كان يقدم العلاج لمرضى السرطان والأمراض الخبيثة بشكل مجاني لكافة المواطنين السوريين. وكان هذا الاختيار من الممكن أن يكون أي يوم اختطف فيه جنود من الجيش على امتداد الجغرافية السورية، إلا أن التعاطف الشعبي الكبير مع مختطفي مستشفى الكندي، ومشهد استشهاد البعض الآخر في مقاطع فيديو موثقة، ومؤثرة إعلامياً وإنسانياً كان السبب الرئيسي في اختياره.

الهدف البعيدللحملة

 إن إثارة الرأي العام الدولي وخاصةً الأوروبي الذي ينادي باحترام حقوق الإنسان والحريات، هو أحد أهم الأهداف البعيدة التي يسعى إليها منظمو الحملة، لذلك صمِّمَت شعارات المطالبة بعودتهم سالمين بعدة لغات كي تستهدف أكبر شريحة ممكنة من مواطني الدول، والتي ستنطلق الأسبوع القادم.

بعد التوجه للرأي العام الدولي يخطط منظمو الحملة وسط تشاورات مع محامين لرفع قضية على الرئيس التركي في المحاكم الأوروبية، لتحميله مسؤولية حياة المخطوفين، وغيابهم، كونه أحد أبرز داعمي التنظيمات التي مارست الخطف بحق جنود الجيش.

تجاوب شعبي...وصمت حكومي!

يقول مكسيم منصور أحد منظمي الحملة أن التجاوب الشعبي جيد جداً، خاصة أن النشر والترويج للحملة تم قبل أسبوعين من اليوم المحدد ليوم المخطوف السوري، كما يوجد التواصل لتقديم المساعدة ولو إعلامياً فقط، من قبل عدد كبير من الفعاليات الشعبية وأهالي المخطوفين، أما بالنسبة للشخصيات الفنية والإعلامية والثقافية فَكان قليلاً، وسط عدم تعليق حكومي رسمي. ولكن يسعى المنظمون للتواصل مع هيئة المصالحة الوطنية التي يرأسها علي حيدر وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية السابق، والتي تحولت إلى هيئة بمرسوم أقره الرئيس الأسد مؤخراً، بهدف بذل أي جهود تصب في عودة المخطوفين سالمين.

لا نريد لمأساة الغوطة أن تتكرر

جلّ ما يريده منظمو الحملة ألا يتكرر مشهد الأهالي، وهم مكلومون على أبنائهم الذين انتظروهم، بعد دخول الجيش السوري إلى بلدات وقرى الغوطة الشرقية، حيث قصد المئات من الأهالي العاصمة دمشق حينها، لاعتقادهم أنّ موعد اللقاء قد حان، ليتفاجؤوا بعدم خروج أي مخطوف سوى حافلتين اثنتين بعد تصريح الوزير علي حيدر بأن هناك آلاف المخطوفين من دوما. إلا أن الأهالي لم يلاقوا سوى الخذلان! ما زاد حرقة قلوبهم ومعها الأمل الذي عاشوا عليه لسنوات.

الحملة لنتتوقف

وفي حال لم يحصل تفاعل من الجهات الرسمية مع الحملة، لن يتوقف المنظمون عن الاستمرار بالمطالبة العام القادم والاحتفاء بأي مخطوف يعود، والتذكير بمن بقي على قيد الخطف.

 ويقول منصور من حق المخطوفين أن نقف معهم وقفات تضامنية وننشئ لهم نصبا تذكارية ونعطيهم حقهم ولو معنوياً فقط، فهم سيبقون خالدين في وجداننا وذاكرتنا أبد الدهر .

رمّاح زوان

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…