13 كانون2 2019

في مكتبة الأسد، وقبل أعوام، عندما زار رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد دمشق، تحدث قائلا «كما للجيش هيئة أركان من كبار قادة الوحدات العسكرية تقوده وتخطط له، فإن الاقتصاد أيضا يحتاج إلى هيئة أركان اقتصادية تقوده وتخطط له».

اليوم وبعد أعوام من الحرب على سورية، وفي الوقت الذي يعد فيه بعض المسؤولين أن الاقتصاد السوري لم يولد بعد حسب ما صرح بعضهم مؤخرا، يأتي مسؤول آخر ليعرب عن تفاؤله الشديد بتوقعات مجلة «الإيكونومست» التي تنبأت بأن سورية ستكون من أكثر الدول نموا خلال عام 2019، وأما سبب هذا التفاؤل فلا يزال مجهولا، ربما تناقض تصريحات المسؤولين الاقتصاديين يعكس تناقض النهج الاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار، إن كان هذا النهج موجودا.

أولوياتنا الاقتصادية بعد دمار كبير لا تزال غائبة، وبحسب رأي عدد من أساتذة الاقتصاد فإن السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى غياب فريق اقتصادي حكومي قادر على الإبداع، فحتى اللجنة الاقتصادية المشكّلة في مجلس الوزراء يرأسها وزير المالية المختص في المحاسبة وليس في الاقتصاد، ولذلك رجح كثيرون ضرورة وجود نائب للشؤون الاقتصادية.

آراء اقتصادية

أجمع عدد من الخبراء على أن تحديد الأولويات الاقتصادية، يعدّ من أهم المهام الاستراتيجية لإدارة اقتصاد الدولة، وفق خصوصيتها وظروفها والتي ينبغي أن يخصص لها كادر بشري مؤهل وإمكانات مالية وتحليلية وفيرة.

بالإضافة إلى أن تحديد الأولويات يحتاج إلى خبرات طويلة وتراكمية، فردية وجماعية، وإدارة مركزية للملف الاقتصادي، لا يعتمد على الحلول المؤقتة.

ورأى اقتصاديون أن «الإخفاق في ترتيب الأولويات في مختلف الدول لا ينفصل عن المفاهيم السائدة للأفراد والمجتمع ككل، وهو من السمات الأساسية للدول المتخلفة والأقل نمواً، ولذلك فهي تهدر بسبب ذلك الموارد الاقتصادية للدولة بسبب غياب استراتيجيات لإدارة الاقتصاد، وعدم وجود أنظمة حاكمة لإدارة الاقتصاد وأزماته معاً.

واعتبر خبراء آخرون أن «سوء التخطيط هو المحرك الأساسي للأزمات الاقتصادية، التي تحوي في جنباتها عددا من الأزمات الفرعية المتراكمة، التي تم إغفالها أو عدم الاعتراف بها، أو حتى التقليل من أهميتها باعتبارها أزمة عابرة أو غير حقيقية».

تجارب دول

لا بد من السؤال مراراً عن كيفية تحوّل بعض الدول مثل سنغافورة... من دولة مستنقعات إلى معجزة اقتصادية، وكيف تحولت دولة كانت تعيش فيها مجموعة من متواضعي التعليم والصحة والإمكانيات والكفاءات، ينخر فيها الفساد، ويقطن معظم شعبها الصفائح المتهالكة، وينتشر فيها الفقر بأسوأ أشكاله على الإطلاق، إلى دولة عصــرية تعدّ محط أنظـار رؤوس الأموال والمستثمرين، ويقترن اسمها دائما بالرفاهية والتميز والإبداع والكفاءة والجودة في كل ركن من أركـانها.

الأستاذ في جامعة تشرين سنان ديب قال في حديث لـ «الأيام» إن «كل الدول التي خرجت من الأزمات مثل ألمانيا واليابان، كانت تملك خبرات معرفية فقط، وأما الذي جعلها من قادة الاقتصاد فهو أنها بنَت إدارة صحيحة».

وأضاف «لا ينقصنا المعرفة ولا الإمكانات وإنما تنقصنا الإدارة الصحيحة، وغياب الإدارة يعني أننا سنحقق نموا ولكنه لن يكون نموا مستمرا ولا حتى نموا تنمويا».

الحدث الأهم مهملا

من جهته، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة دمشق عدنان سليمان يقول في حديثه لـ «الأيام» إن عملية إعادة الإعمار والتي هي الحدث الأهم في تاريخ سورية، تمر بكثير من السطحية والسهولة لدرجة الابتذال، وحتى إن المصطلح هو وليد المنظمات والمؤسسات والدولية، لم يستوقف أحدا من المشتغلين عليه كي يدققوا في مدرجاته، ويروا أن عملية إعادة الإعمار على طريقة ما تراه الدول والمؤسسات الغربية، لم توصل لبنان والعراق بعد عشرات السنين إلا إلى المزيد من اضمحلال الدولة وفدرلة الجغرافيا، وتطييف المجتمع المترافق مع فقر تنموي.

ورأى أن «عملية تاريخية بحجم إعادة بناء ما دمرته الحرب في سورية، تستحق رؤية استراتيجية أفضل من الرؤية الحالية».

خيارات تنموية

يؤكد سليمان أنه «على الحكومة أن تعمّم على مسؤوليها مصطلح جديد وهو (إعادة البناء والتنمية) كي تحتل الخيارات التنموية أولوية مركزية، بدءا من هوية الاقتصاد إلى الرافعة التنموية، وأقطاب التنمية، وصولا إلى الخطط القطاعية التنموية».

ولفت إلى أنه «في حالة كحالة سورية اليوم، ينبغي أن تأخذ الصناعة أولا والزراعة ثانيا الأولوية التنموية، لأن إعادة إطلاق عجلة النمو الاقتصادي يحتاج إلى فروع الإنتاج المادي، والتي هي الزراعة والصناعة، ليس لتلبية الاحتياجات المحلية فقط بل أيضا للتصدير، ومن ثم تأتي قطاعات خدمية أخرى لاستمرار عملية إعادة الإنتاج».

وأشار إلى أن «من فهم عملية إعادة البناء على أنها عمارات برجية وفلل سياحية، مقلوب على رأسه، لأنه تجاهل للعدد الكبير من السوريين الذين فقدوا مساكنهم ومدارسهم وحدائقهم».

سياسات لم تتغير

يوضح الخبير سليمان «السياسات الحكومية اليوم لم تختلف عن سابقاتها أثناء سنوات الحرب، فثمة استعجال ورؤى أحادية مجتزأة، ومعالجة طارئة لمشكلات الاقتصاد والمجتمع اليومية، وليس ذلك المجتمع الذي ينتظره اقتصاديون، لأنه لم يقم على قاعدة وضوح الخيارات التنموية وهوية الاقتصاد المستقبلية، فما كان يصلح لمرحلة الحرب لا يصلح لمرحلة إعادة البناء والتنمية، خاصة وأن فرصة اليوم لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع وفقاً لخيارات المزيد من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية فرصة لن تتكرر، قد يترتب على عدم الإمساك بها، تكلفة تنموية ستكون أكبر من كلفة الحرب ذاتها».

قوانين تنتظر التحديث

يرى عدد من الاقتصاديين أن المرحلة القادمة تتطلب تشريعات جدية تتناسب مع طبيعة المرحلة القادمة، بشكل تكون فيه هذه القوانين أكثر مرونةً لتكريس قيم العمل ونبذ أخلاقيات الفساد واحترام التعليم والقضاء وحرية الإنسان وكرامته.

وأشار المحامي عارف الشعال أنه «من المفترض في المرحلة القادمة أن تضع الحكومة خطة، خاصة بالنسبة للاستثمارات الأجنبية التي ستأتي، بشكل يتم فيه تسهيل التشريعات خاصةً الضريبية منها والمالية».

ولفت إلى «ضرورة وضع تشريعات خاصة لمن يريد الاستثمار في البناء في المناطق المدمرة أو المنكوبة، بشكل يتم فيه إعفاءات ضريبية بنسبة أكبر من باقي المناطق».

وأضاف «يجب أن يتم حصر المناطق التي من الممكن أن تتم العودة إليها حاليا، فإذا أردنا الابتعاد عن الارتجال من المفترض تقسيم المناطق التي كانت ساخنة إلى قسمين، الأول هو القسم «أ» والتي هي مناطق من الممكن أن يعاد بناؤها من دون إعادة تنظيم، والمناطق «ب» وهي المناطق التي تحتاج إلى تنظيم».

ورأى الشعال أن «شركات إعادة الإعمار أو البناء يجب أن تحصل على تراخيص ميسرة، بالإضافة إلى ضرورة تعديل القانون الذي يسمح بفتح فروع لشركات أجنبية في سورية».

 حكومات تتعثر

يرى رئيس قسم الاقتصاد في جامعة دمشق إن «الحكومة الحالية وكل الحكومات السابقة، تعثرت وتتعثر في تنفيذ خطط اقتصادية متكاملة بسبب عدم وجود خطط اقتصادية تنموية، تمثل جزءاً من مسارات تاريخية مستقبلية تحظى برضى وقبول المجتمع والفاعلين الاقتصاديين في السوق، بالإضافة إلى أنها تتعثر حين يغيب التمويل أو الاستثمارات اللازمة لتنفيذ الخطط، وهو الأمر الذي كان يصعب تأمينه خلال فترة الحرب».

وأوضح أنه «إذا كان يراد لسورية أن تنهض تنمويا وتبني اقتصادا قويا، يملك مقومات إعادة إنتاج ذاته من دون تبعية! فينبغي امتلاك رؤية تنموية للاقتصاد والمجتمع».

خطط متوازية

الأستاذ في جامعة تشرين، سنان ديب يرى أنه «من المفترض اليوم أن يتم السير بشكل متوازن بين التعافي الاقتصادي وترميم الجراح الاجتماعية والتي هي أخطر، خاصة وأن الأزمة الاجتماعية الحقيقية في سورية لم تبدأ بعد في ظل وجود ملايين النازحين خارج سورية، وتدمير اقتصادي تصل قيمته إلى 500 مليار دولار، ولذلك من المفترض الانتقال إلى الخيار الوسطي الذي يعني التعاون بين الواقع الاجتماعي والآخر الاقتصادي بما يحقق كفاءة أكبر للمواطن».

ويؤكد ديب على «ضرورة الانطلاق في القطاعين الزراعي والصناعة، خاصة وأن هذين القطاعين لم يتم إيلاؤهما الأهمية الحقيقية المناسبة، بحيث ينعكس هذا على تأمين الأمن الغذائي الضروري لأي مواجهة».

ويلفت إلى «ضرورة الانطلاق بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، مع تقديم قروض ميسرة وإعادة تفعيل دور الجمعيات الفلاحية والوحدات الإرشادية، خاصة وأن المحصول الوافر ينعكس على المواطن ويعطي صناعات غذائية مرتبطة بالأمن الغذائي، الأمر الذي يعد من ثغرات الأزمة».

وأما الأمر الثالث الذي يجب النظر إليه فهو السياحة، حيث من المفترض بعد عودة الأمان أن يزدهر هذا القطاع، خاصة أن السياحة في سورية عانت من عدم الاهتمام بجودة الخدمات.

قبل الأزمة

يعود ديب إلى ما قبل الأزمة، فيوضح «قبل الأزمة تمت محاولات لجر البلاد إلى كل ما هو ريعي وخدمي وسياحي، وهو أمر خاطئ أدى إلى تضليل المواطن».

ويضيف «اليوم من الأفضل أن نخطط للتنمية التي يجب أن تمر على القطاعات كافة».

وأكد ديب أن «الثغرة الأكبر في سورية هي الإدارات والعقلية الموجودة حالياً»، لافتاً إلى أنه «لا يمكن أن يكون هناك إعادة إعمار إلا بجهود حكومية إصلاحية قوية ذات صلاحيات عالية، تعتمد على الكفاءة لأن سبب البلاء هو الفساد الذي ازداد خلال الأزمة أضعاف ما قبلها».

«وأما في ظل وجود الطريقة الحالية! فلن يكون هناك إعمار إلا عبر جُزُر لا تنعكس على المواطن».

وأضاف ديب أنه «لا يهمنا النمو الاقتصادي إن لم ينعكس على التنمية، وإذا لم تكن العقول السورية هي التي تدير إعادة الإعمار، حيث سيكون الخلل كبيرا، ولذلك يجب الاعتماد على كافة القطاعات (العام والخاص والمشترك)».

 إذاً، وعلى الرغم من ضخامة مصطلح إعادة الإعمار الذي أصبح متداولا بشكل كبير، فإن الإدارات التي تضع أولويات الإعمار لا تزال تائهة ومتخبطة، لا تدرك بعد من أين ستنطلق.

ولذلك لا بد من القول إن من المفترض أن تبدأ الحكومة بوضع إدارة اقتصادية شاملة، كي يستفيد الجميع من التنمية في المرحلة القادمة، وإلا ستكون تكلفة إضاعة فرص التنمية كبيرة جداً.

لجين سليمان

23 كانون1 2018

بقيت تجربة دمج المؤسسة العامة الاستهلاكية والمؤسسة العامة للخزن والتسويق والمؤسسة العامة لتوزيع المنتجات النسيجية في مؤسسة عامة واحدة باسم المؤسسة السورية للتجارة «السورية للتجارة»، مثالاً سيئاً للدمج، فلم تحقق الأهداف المرجوة منها، وما زالت فكرة دمج المصارف العامة قائمة وقيد البحث، فهي تخفف من حجم الترهل والنفقات غير المبررة، وهنا يتبنى فريق حكومي فكرة تحويل المصارف العامة إلى شركات مساهمة مغفلة مملوكة كاملة للدولة، بينما يذهب فريق آخر لإحداث قانون خاص لإدارة المصارف العامة يطور آلية عملها.

المحافظة على المصرف الزراعي

يستعرض عابد فضلية (أستاذ في كلية الاقتصاد - جامعة دمشق) في لقاء مع «الأيام»، فكرة دمج المصارف العامة، فهي ليست المرة الأولى التي يتم طرحها  للمصارف الحكومية الستة، إذ اقترح البعض فكرة دمج المصرف العقاري مع (الصناعي )، أو(الصناعي) مع (التجاري)، و(التوفير) مع (التسليف الشعبي)، ومن يقرر ذلك فنياً هم إدارات المصارف، فيمكن أن يصبح عدد المصارف مصرفين أو 3 بدلاً من 6، إذ إن التوزع الجغرافي لـ 3 مصارف يفيد العمل المصرفي، كما أن سيولة هذه المصارف تغدو أقوى، ويكون هناك توحد في الإدارة والرؤى.

ويطرح فضلية إنشاء مصرف لذوي الدخل المحدود مع تقديم كل أنواع الخدمات المصرفية سواء توفير أو تسليف شعبي، دون أن يشمل الدمج المصرف الزراعي بسبب طبيعته الخاصة، وكونه يتعامل مباشرة مع الفلاحين، ويعطيهم قروضاً جماعية، ويمول السماد والبذور، فهو تمويل سلعي وليس تمويل مالي، لذا فإن دمجه مع أي مصرف سيعيق عمله ويقلل من شأنه، وتبقى المطالب هنا بتقوية المصرف وتوسيع توزعه الجغرافي بشكل أكبر، لذا يمكن أن يكون لدينا في المرحلة الأولى 4 مصارف مستقلة، زراعية وعقارية ولذوي الدخل المحدود، ومصرف تجاري صناعي، بحيث تتشكل قاعدة لمرحلة ثانية من الدمج.

كما يقترح فضلية دمج مصرفين بهدوء وروية كتجربة أولى حتى لا يحدث ضغط على الجهات المشرفة على المصارف، فالدمج مكلف لكنه ممكنٌ ويعطي نتائج على المدى المتوسط والبعيد، وإذا صار الدمج السليم يفترض أن يقدم إيجابيات، ولن يؤدي إلى استفادة المصارف الخاصة، ومن الممكن أن تكون المصارف شمولية، أي أن يصبح المصرف الصناعي والعقاري مصرفان شاملان.

إحداث مصرف للتنمية الصناعية

من جهته، يطرح علي كنعان (الأستاذ في كلية الاقتصاد – جامعة دمشق)، بقاء المصرفين التجاري والعقاري على حالهما، ويظل المصرف الزراعي كذلك على وضعه مقابل دعم مالي كبير له، في حين تدمج المصارف الثلاثة الأخرى في مصرف واحد كالصناعي والتوفير والتسليف الشعبي، يسمى مصرف التنمية الصناعية ليأخذ دوراً في تمويل الأنشطة الحرفية والصناعية وذوي الدخل المحدود، وأكثر دول العالم التي سبقتنا وتطورت في هذا المجال ركزت على مصارف التنمية الصناعية، مثل كوريا وماليزيا وتركيا.

تجارب فاشلة للدمج

يشير فضلية إلى أن الدمج يغدو سيئاً إذا كان غير مدروس، فتنتقل سلبيات المصرفين المندمجين إلى المصرف المحدث، لذلك يفترض حل مشاكل المصارف قبل دمجها مع بعضها البعض، مستبعداً أن تعيق القروض الدمج، لأن الأشخاص سيبقون دائنين إلى المصرف الجديد، لكن المخاوف من تضخم المصرف بما يحدث مستويات إدارية وبيروقراطية متعددة، وهو ما يتطلب دراسة عميقة من قبل مجالس إدارات المصارف لآلية الدمج.

ما يمنع الدمج بحسب وجهة نظر كنعان هو التجارب الفاشلة السابقة التي نفذتها الحكومة في القطاع العام مثل دمج مؤسسات التجارة الخارجية ومؤسسة الخزن والتسويق مع مؤسسة التجارة، وكانت عمليات الدمج عشوائية وسريعة من دون أخذ الأوضاع السابقة بعين الاعتبار، فأبقوا كل شركة على وضعها وأصبحت هناك إدارة مشتركة للجميع، أما الدمج الناجح فيفترض دمج القطاع الوظيفي كاملاً وإحداث هيكل هرمي جديد، فيتم تحديد مسؤولية فروع المصرف الجديد المرتبطة بهذا الهيكل، نافياً أن يلعب التضخم دوراً هنا، وإنما الأساس هو تحديد المسؤوليات والصلاحيات.

تطوير المصارف أهم من الدمج

يرى علي كنعان بأن الحل الأفضل من دمج المصارف وإبقاء المصارف الحكومية هو تحويلها إلى شركات مساهمة يكون للدولة حصة كبيرة فيها (أكثر من 30)، ويكون لها دور فاعل في إدارة هذه المؤسسات المالية، على أن يدخل فيها القطاع الخاص بملكيته وإمكانياته الكبيرة، بحيث تبقى الدولة موجودة، وهنا يمكن أن ينطلق المصرف التجاري السوري ويتخلص من القيود الروتينية والإدارية، وعادة ما تكون غير مشجعة، في حين يحتاج المصرف إلى أنظمة بعيدة عن الروتين.

ويطالب مدراء مصارف التقتهم «الأيام» بتطوير المصارف العامة من دون دمج، من خلال طرح قانون خاص بالعمل المصرفي خارج قانون العمل، فلماذا المصارف العامة مطالبة بالتفتيش؟ من قبل الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية، ومديرية مفوضية الحكومة لدى المصرف المركزي، ومديرية الرقابة الداخلية، ومديرية التدقيق الداخلي في المصرف، في حين تتبع المصارف الخاصة لجهة واحدة فقط هي مديرية مفوضية الحكومة، ومن جهة أخرى يشتكي الوزير المعني من سيطرة المصارف الخاصة على السوق، وضعف المصارف العامة، إذ لا يوجد مقارنة بين المصارف العامة والخاصة، من حيث رواتب الموظفين والمدراء.

كما يقترح خبراء في المصارف العامة بإيجاد قانون عمل مصرفي خاص خارج قانون العمل الموحد، بمزايا وتعويضات مالية وصلاحيات لمجالس الإدارة سواء بالتعيين أو فصل الموظفين.

 فكرة الدمج أتت لصالح المصارف الخاصة

مصادر مصرفية مطلعة ذكرت لـ «الأيام»، أن فكرة الدمج أتت لسحب حصة السوق من المصارف العامة لصالح المصارف الخاصة بشكل أو بآخر، ففي عام 2003 استولت 5 مصارف عامة على حصة السوق كلها، وفي عام 2004 دخلت المصارف الخاصة، وحتى يحقق المصرف الخاص أرباحاً أكثر سيبحث عن قطاعات جديدة ليدخلها.

وتوضح المصادر بأن الحجة في الدمج هو تشابه عمل المصارف مثل التوفير والتسليف، وتكبير رأس المال، فليست هناك مشكلة في المصارف لتكبير رأس مالها، لكن الحكومة لا تريد ذلك، إذ تم رفع رأس المال إلى 15 مليار ل.س، لكن الحكومة لم تسدد هذه القيمة التي ما زالت اسمية فقط بمعظمها. ورأى المسؤولون بأنه طالما كانت المصارف حكومية فإن طرح هذه الأموال للاستثمار أفضل من تجميدها في الخزينة، لكن بالمقابل رأس المال الاسمي صغير ولا يستطيع أن يغطي القروض الكبيرة، ومن هنا طرحت فكرة الدمج بين التسليف والتوفير بسبب تشابه العمل، وإذا كان الهدف هو زيادة رأس المال، فكيف ستسدد وزارة المالية رأس مال المصرفين بينما لا تستطيع رفع رأس مال مصرف واحد؟

المالية فكرت بإلغاء المصارف العامة

ويعتبر كنعان أن المصارف العامة هي الركيزة المالية الأساسية في الدولة، وخاصة منذ تأميم المصارف عام 1966 وحتى 2004، حيث كانت المؤسسات الوحيدة في سورية التي تجمع المدخرات والودائع وتعيد إقراضها للقطاع الخاص والعام في آن واحد، كل هذا قبل أن يسمح للمصارف الخاصة العمل في سورية، مع العلم أنها مصارف صغيرة وليست كبيرة، والحال نفسه بالنسبة للمصارف العامة التي لم تنتقل إلى خطوات أكبر كما حصل في الجزائر ومصر، حيث تم زيادة حجوم تلك المصارف الحكومية وبالتالي تميزت بدورها رغم وجود المصارف الخاصة.

ويؤكد كنعان بأن المصارف العامة لم تتوسع، باستثناء «التجاري»، وبقيت متخصصة تعمل في قطاعاتها فحسب، لكن الحاجة اليوم أصبحت ماسة للانتقال إلى المصرف الشامل، فنحن أمام حلين لا ثالث لهما: إما أن تقوم وزارة المالية بزيادة رساميل المصارف كما حصل للمصرف التجاري الذي تمت زيادة رأسماله من 4 مليار إلى 70 مليار ل.س قبل الأزمة، أو دمج هذه المصارف لتشكل كتلتين أو ثلاث كتل مصرفية كبيرة.

ينوه كنعان إلى أن القدرة على زيادة الرساميل كانت متوفرة قبل الأزمة، لكن طموحات وزارة المالية أن تلغي المصارف الحكومية وأن تنتقل إلى المصارف الخاصة كلياً، ما يفسر إبقاء الوزارة على رساميل صغيرة جداً لكل مصرف من المصارف العامة.

 القروض لـ «هوامير» العقارات

ويضيف مصرفيون حكوميون بأن البنك السعودي الفرنسي يشبه بنك عودة وبنك التجارة والتمويل! فلماذا يرخص لهم للعمل في السوق؟؟ في حين نحتج بتشابه العمل لدمج مصارف عامة، وترفض المصادر أن يكون هناك أي إيجابيات للدمج كون بيئة العمل في مصرف التوفير تختلف عن التسليف من حيث طريقة حساب الفوائد وطبيعة التعامل مع المصرف، والبرامج المصرفية المعتمدة تختلف عن بعضها، كما لا يعقل دمج مؤسسة نسبة ديونها 4% مع مؤسسة أخرى تبلغ ديونها 80%، ناهيك عن تجارب سابقة للدمج لم تفلح مثل «السورية للتجارة».

ويعتبر خبراء في المصارف الحكومية  بأنه من الخطأ أن نهدم بناء ونشيد آخر للمصرف المدموج بنفس المواصفات الموجودة، وبدلاً من ذلك يمكن تغيير اسم المصرف الصناعي فقط، وإعطاؤه المزايا للعمل في القطع والاستثمار والتوفير والقروض السياحية، لكي ينافس المصارف العامة والخاصة الأخرى، فعندما تأسست المصارف الحكومية بالمرسوم كانت مصارف متخصصة، وأصلاً تأسس المصرف العقاري في بدايته باعتبار أن أصحاب الدخل المحدود يلجؤون إليه للحصول على قروض ليعمروا بيوتهم، لكن الآن أصبحت هذه القروض موجهة لـ «هوامير العقارات» فقط، فماذا سيصنع الفقير بـ 5 ملايين ل.س لشراء بيت عقاري؟؟ وهنا تغير هدف المصلحة من المصرف بحسب الخبراء.

تأتي جميع الاقتراحات المتعلقة بعمل المصارف العامة في إطار إعادة هيكلة معظم الجهات العامة، لكن هل يمكن أن تنجح المصارف سواء بدمج أو من دون دمج؟؟ دون تطوير آلية عملها، ومحاربة الفساد الإداري والروتين القاتل وتحسين رواتب الموظفين والمدراء، الذين لا يتجاوز سقف رواتبهم بعد سنوات طويلة من الخدمة 50 ألفاً، في حين يحصل مدراء في مصارف القطاع الخاص على أكثر من 500 ألف ل.س!!

محمد الواوي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…