22 كانون2 2019

لا يترك المسؤولون الحكوميون على اختلاف مناصبهم منبراً إلا ويصدعون به رؤوس الناس بالدعم الاجتماعي للمشتقات النفطية والطاقة، حتى أن بعضهم بات يمنّن الفقراء والذين تزيد نسبتهم عن 80% من الشعب - بحسب إحصائيات دولية - برغيف الخبز المدعوم، ولكن الغني يزداد ثراء والفقير لا يزال يغرق في المديونية وانعدام الحال دونما حلول، في حين أن أستاذ الاقتصاد ووزير المالية البنغالي محمد يونس (مؤسس بنك غرامين أوبنك الفقراء) كافح الفقر في بنغلادش من خلال منح قروض ميسرة ومن دون ضمانات لمشاريع متناهية الصغر، لتصبح المؤسسة التي انطلقت عام 1976 بقرض قيمته 27 دولاراً أحد أهم البرامج المناهضة للفقر في العالم، حيث أقرض حتى الآن بما قيمته مليارات الدولارات لملايين الفقراء بمعدل استرداد قدره 98%.

يتذرّع مسؤولوالبلاد بقلة الموارد والزيادة السكانية، لكن عدد السكان الكبير لم يشكل عائقاً أمام الحكومة الصينية! عندما قررت أن تصبح ضمن أهم اقتصاديات العالم اليوم، فمن خلال مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، تحول كل منزل في الصين إلى ورشة عمل صغيرة منتجة، فانخفضت نسبة البطالة وأنقذت ربع سكانها من الفقر والتخلف، وهذه التجارب نجحت في الهند واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وغيرها، لكنها لم تطبق في سورية على شكل مشروع وطني ينتشل أغلبية الشعب من براثن الفقر بدلاً من التنظير حول الدعم الاجتماعي.

المشاريع الصغيرة تزيد الإنتاج المحلي

يرى د. عبد الحميد الوليد الصباغ (عضوهيئة تدريسية في كلية الاقتصاد- جامعة دمشق) أن من السمات المميزة للمشاريع الصغيرة استخدامها لنوعية منخفضة من التكنولوجيا، وهوأمر ممكن بعد 8 سنوات من الأزمة بسبب خروج أصحاب رؤوس الأموال، وتوقف العملية الإنتاجية للمشاريع الكبيرة، ما أدى إلى فقدان الكثير من المواطنين العاملين في القطاع الخاص لعملهم ومصدر دخلهم، وهؤلاء لديهم الخبرة الكافية في إقامة مشاريع صغيرة.

كما أن اعتماد الحكومة على دعم المشاريع الصغيرة سوف يؤدي إلى دعم وسد احتياجات المشاريع الكبيرة والمتوسطة، وزيادة الناتج المحلي، الأمر الذي يسمح بزيادة القوة الشرائية للأفراد.

ويستشهد د. الصباغ بالعديد من التجارب العالمية الناجحة مثل الصين والهند وسنغافورة، وهي تجارب حققت معدلات عالية من النموالاقتصادي من خلال الاعتماد على المشاريع الصغيرة، حيث ساعدت في تخفيض معدلات الفقر والبطالة والتي اعتمدت على آليات مختلفة، سواء من خلال إعطاء قروض مباشرة من قبل مصارف التنمية، وبسعر فائدة ثابت وأقل من الأسعار التجارية السائدة، أومن خلال إنشاء هيئة خاصة للمشاريع الصغيرة مهمتها توفير المساعدات الفنية والتمويلية والإدارية والتسويقية.

وخلال لقائه مع «الأيام» يؤكد د. شادي بيطار (أستاذ في كلية الاقتصاد – جامعة دمشق) على أن المشروع الصغير والمتناهي الصغر يحتاج إلى إدارة كي نضمن نجاحه، وتحقيق عوائد تكفي لتسديد أقساط البنك الداعم، إذ أن الفقراء الذين سيطلبون قروضاً لمشاريع صغيرة كالزراعة يتوجب إخضاعهم للتنمية والدورات التدريبية، وخاصة أن بعض المشاريع مثل الزراعة مرتبطة بالظروف المناخية وبالتالي هناك مخاوف من الخسائر والضرر، مضيفاً أن (UN)  قدّمت دعماً لمثل هذا النوع من المشاريع لكن على مستوى حالات فردية، حيث وفّرت الأدوات المناسبة بعد تأهيل الفرد، فالضمان الآن ليس مادياً وإنما نجاح المشروع ذاته، وعندما نقدّم الدعم لعدد كبير من المشاريع دفعة واحدة، فإن ما كان صغيراً سينمو ليصبح مشروعاً متوسطاً. كما نجحت الهند في ذلك، حتى أن غاندي قال حول الموضوع: (كل صغير جميل).

ويضع د.بيطار عدة اعتبارات لضمان تحقيق المشروع لأهدافه أهمها جمع التمويل والإدارة والتدريب في عملية متكاملة، وحينها لن نخشى من تقديم رأس المال للفقير، فالدول الأخرى نجحت في تجاربها لأنها قدّمت قروضاً من دون ضمانات، إذ أن الأهم هو عجلة الإنتاج.

 من جهة أخرى فإن دعم الفقراء سيقضي على نسب الفقر المرتفعة وفي نفس الوقت سينمّي الريف حيث ينتشر الفقر في البلد، أي أننا حينها (نضرب عصفورين بحجر واحد).

ويضيف د.بيطار أن الإدارة يجب أن تشتمل على لجنة مراقبة وليس تلصص لمتابعة التقدم في العمل لكل مستفيد، وفي حال عدم نجاح المشروع خلال الفترة المحددة له يمكن استرداد الآلات.

يوضح د. حسن حزوري ( أستاذ في كلية الاقتصاد- جامعة حلب ) أن المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر تلعب دوراً مهماً في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية فهي بمثابة القاطرة التي تجرّ عجلة النمو الاقتصادي نحو الأمام ، حيث تساهم في الحد من البطالة، وتوفر فرص عمل جديدة وتحافظ على فرص العمل القائمة، وتساهم في التخفيف من حدة الفقر وفي زيادة وتوليد الدخل، وفي كثير من دول العالم هذه المشاريع تمثل عصب الصناعة لكونها تغذي الصناعات الكبيرة باحتياجاتها، ولديها القدرة على التكيف السريع مع السوق ومتطلباته لأنها تتميز بديناميكية عالية.

يصف د.حزوري الجهود التي تبذلها كل من هيئة التشغيل وتنمية المشروعات وهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سورية، بالضعيفة والمتواضعة والمبعثرة، ولا ترتقي إلى مستوى أهمية تلك المشروعات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولاسيما في مرحلة إعادة البناء .

عقبات أمام مشاريع متناهية الصغر

يرى خبير مصرفيّ في القطاع الحكومي أن البيئة القانونية المصرفية التي توجد حالياً لا تدعم مثل هذه القروض، خاصةً وأن تكلفة القرض حالياً عالية جداً من حيث الفوائد والضمانات وشروط التأمين على القرض لصالح المصارف بما يضمن سهولة تحصيل هذه القروض.

وينتقد الخبير المصرفي عدم وجود تشريع خاص حتى الآن في البلد، يضع توصيفاً قانونياً أو اقتصادياً أو مالياً للمشروع الصغير والمتناهي الصغر، رغم المحاولات منذ عدة سنوات.

ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن النقطة المهمة حالياً وهي الأكثر خطورة، تكمن في توجه القائمين على إدارة الاقتصاد السوري ورسم الشكل المستقبلي له، (هل سيبقى مخطّطا أو اقتصاد سوق اجتماعي كما سمّوه أو اقتصاد سوق حر) وهنا يجب أن ننتظر إلى أن يتم إشباع السوق بالشركات التي تحقق هذه السمات، وإذا كانت الدفة تميل نحو الخصخصة واقتصاد السوق الحر، فعلينا الانتظار حتى يتم توزيع الحصص على الشركات الكبيرة، لتغطي جوع السوق أولاً، ثم نتّجه إلى دعم المشاريع الصغيرة أو متناهية الصغر لسد الفجوة للمنتجات التي لا تدعمها هذه الشركات، أوقد تسمح بها لإنتاج بعض المكملات الأساسية أو الثانوية لمنتجات شركاتهم الكبيرة، من خلال هذه الصناعات الصغيرة أو المتناهية في الصغر.

ويتحدث د.حزوري عن عقبات كبيرة، تعيق نجاح هذه المشروعات، أولها التمويل الذي يُعَدُّ من أهم المشكلات التي تعاني منها، سواء من حيث ارتفاع تكاليف التمويل للحصول على قرض، لتكوين رأس مال أوليّ، أو تكاليف الترخيص، ويلي ذلك الإجراءات الإدارية والبيروقراطية المترافقة مع انتشار الفساد، والمتمثل في صعوبة الحصول على التراخيص المطلوبة نتيجة تعدد الموافقات، وتضارب الإجراءات الإدارية، ما يؤدي إلى استغراق مدة زمنية طويلة لإنجاز التراخيص التي ستنعكس سلباً على المشروع.

وخلال حديثه يذكر د.بيطار بأن الإشكالية الكبرى التي تمنع إقامة مشروع وطني لدعم المشاريع المتناهية الصغر، هو أزمة القروض المتعثرة التي واجهتها، وما زالت المصارف السورية تواجهها، فقبل الأزمة كانت القروض مفتوحة أكثر، كما أن المخاوف الأخرى ترتبط بالبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية المتكاملة، لكي يتخذ القرار من عدمه في البدء بإعطاء هذه القروض من دون ضمانات، فعلى الرغم من تحسن الوضع الأمني إلا أن الأزمة لا تزال مستمرة، ويرافقها أزمات ناشئة ذات صلة مثل أزمة عدم توفر المشتقات النفطية.

متطلبات نجاح المشروع

يدعو د.الصباغ إلى الاسترشاد من تلك التجارب العالمية، بحيث يمكن للحكومة أن تعتمد على آلية مناسبة للوضع السوري، ولذلك يتوجب على الحكومة وضع تعريف واضح للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، ثم إصدار مجموعة من الإجراءات والقوانين مثل الإعفاءات من الضرائب والرسوم، وإنشاء هيئة لتمويل المشاريع الصغيرة، ووضع القواعد والأسس التي تنظم آلية عملها بصورة شفافة وبسيطة، وتوعية المواطنين مسبقاً على هذه الخطوة، وكذلك القيام بإنشاء بعض المؤسسات التمويلية لتوفير التمويل الخاص بالمشاريع الصغيرة. وكذلك توفير نظام ضمان القروض الخاصة بالمشاريع الصغيرة، وتأمين مؤسسات التأمين اللازمة لهذه المشاريع وذلك حماية لها من الإفلاس، وإعداد برامج تأهيل وتدريب إداري وفني.

أما المصارف الخاصة فهي مؤسسات مالية هدفها الأساسي الربح، وبالتالي لا تقدم على مثل هكذا خطوة كما يعتقد د.الصباغ، لكن إذا وفّرت الحكومة مؤسسات خاصة لهذا الغرض، ووفرت لها التمويل الكافي فإنها سوف تخلق نوعا من المنافسة مع باقي مؤسسات التمويل سواء الخاصة أو العامة.

ويعدّد د.حزوري متطلبات نجاح المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، التي تحتاج إلى حاضنات أعمال حقيقية وإلى دعم مباشر وغير مباشر عبر ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل احتضان المشروع وخلال الاحتضان وما بعده. ففي مرحلة ما قبل احتضان المشروع يتم تقييم الأفكار والمشروعات المقدمة من النواحي التسويقية، الفنية، المالية والإدارية اللازمة لبدء عمل المشروع، أما خلال مرحلة احتضان المشروع فيتم تقديم الدعم المالي للمشروع، وبأقل تكلفة ممكنة، من خلال أحد المصارف وقد يمنح التمويل بطريقة القرض أو بطريقة المشاركة المتناقصة حتى تسديد كامل مبلغ التمويل مع فترة سماح حسب طبيعة كل مشروع لا تقل عن سنة، كما يجب تولي الإشراف الفعلي والمتابعة القريبة والبعيدة أثناء عملية التنفيذ، وتقديم المساعدة على عملية تسويق المنتجات خلال كامل فترة الحضانة. أما مرحلة ما بعد احتضان المشروع فيتم العمل على إمداد المشروع الصغير بالمعلومات التي تعينه على تطوير قدراته، وتحقيق التوسع الداخلي والخارجي لنشاطه.

خبراء اقتصاديون شددوا على ضرورة إيجاد قروض للمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، فهي حاجة ملحّة وبشكل فوري لأنها تعدّ الحل الأسرع والأفضل في المجتمعات النامية، على اعتبار أن الشريحة الأوسع من الجماهير هي دون خط الفقر، وبالتالي لا تملك رأس المال اللازم لإقامة مشاريعها الخاصة، والتي تحقق لها مصدر الدخل الذي يضمن حسن معيشتها.

البيئة القانونية تعيق المشاريع الصغيرة

 يعتبر مدراء مصارف التقتهم «الأيام» أن أي مصرف سواء أكان حكومياً أو خاصاً يستطيع أن يقدم قروضاً ضمن مشروع وطني، طالما أن البيئة القانونية مؤهلة وتشمل في طياتها شروطاً ميسرة سواء للمصارف عند فتح القروض أو لعملائها حين حصولهم على القروض، لأن بند تكاليف القرض هو الأكثر أهمية عند منح القرض وتحصيله من قبل المصرف، كما أن هناك ضمن القوانين الحالية حالات تجعل العميل يبتعد عن التعامل مع المصرف، بسبب سهولة اقتحام مملكته المالية ومن دون قرار محكمة قانوني مثل بقية دول العالم، إذ أن من السهل إلقاء الحجز الاحتياطي على جميع أمواله وأموال زوجته وأولاده، لمجرد الخوف من عدم قدرته على سداد القرض، وبالتالي يجب إعادة النظر في بيئة العمل القانونية مع المصارف لتشجيع مثل هذا المشاريع.

ويتفق معظم الخبراء الاقتصادين الذين تواصلت معهم «الأيام» أن هذا النوع من المشاريع يعدّ اللبنة الأساسية في بناء الاقتصاد المتنامي وذلك بعد أن لاحظنا أن ضخامة الشركات العالمية الكبرى وضخامة حجم رأس مالها يعيق أحياناً سهولة تعديل وتحديث وسائل الإنتاج، في حين أن المشاريع الصغيرة والمتناهية يمكن أن تصل إلى كل بيت وفي كل منطقة سواء ريفية أو مدنية.

وخاتمة القول إن دعم الفقراء لا يتم بالمال فقط، وإنما من خلال تنمية مشروع صغير جداً لكل محتاج، فـ (بدل أن تعطيه سمكة علمه الصيد).

محمد الواوي

13 كانون2 2019

الاكتئاب، الذهان، الإدمان، وغيرها عوامل عديدة تؤدي إلى الانتحار، شهدت جميعها خلال سنوات الحرب الماضية ارتفاعاً كبيراً في نسبتها، الأمر الذي ينذر بارتفاع عدد حالات المنتحرين، في ظل انسداد الأفق وضيق المعيشة، وهو ما لمسته السويداء بشكل واضح خلال الأيام الماضية بعد سلسلة حوادث مأساوية، آخرها حادثة راح ضحيتها مراهقان، فهل يصبح الانتحار ظاهرة في سورية بالتزامن مع أفول الحرب؟!

ضجّت السويداء قبل أيام بحادثتي انتحار لمراهقين، أقدما على قتل نفسيهما معاً باستعمال القنابل اليدوية بعد أن تركا رسالة مصوّرة وجّها من خلالها التحية لأصدقائهما، وشرحا بشكل مقتضب سبب إقدامهما على هذه الخطوة. حادثة الانتحار المزدوجة فتحت الباب على مصراعيه أمام ظاهرة لم تكن تُلاحظ في الفترة الماضية، خصوصاً أنهما شابان في مقتبل عمريهما، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بين السوريين حول سبب وقوع هذه الجريمة، بين من رأى أن المخدرات هي السبب، وآخرون رأوا أن ضيق سبل العيش والاكتئاب هو السبب.

 إحصاءات الطبابة الشرعية في السويداء حول عدد المنتحرين في المحافظة لا تبدو كبيرة، حيث سجّل بشكل رسمي وفاة 17 شخصاً العام الماضي في المحافظة، إلا أنه ومع بداية العام الحالي كثر الحديث عن حالات الانتحار في المحافظة، خصوصاً أن 5 حالات وقعت في السويداء في الفترة الماضية بشكل متتابع، الأمر الذي دفع رجال الدين في المحافظة إلى إصدار بيّان مطوّل حول الانتحار من وجهة نظر الدين، بهدف الحدّ من هذه الحالات عن طريق تنمية الوازع الديني.

 البحث في الانتحار كظاهرة قد لا يفضي إلى نتيجة واضحة، في ظل غياب الأرقام الدقيقة لعدد الحالات التي شهدتها سورية في فترة زمنية محددة، بسبب خروج مناطق عن سيطرة الحكومة، من جهة، وغياب المعلومات الحقيقية حول دوافع الانتحار الأكثر انتشاراً. رغم ذلك، يكشف الطب النفسي أن المجتمعات التي شهدت حروباً شهدت ارتفاعاً في عدد حالات الانتحار بسبب ارتفاع عدد المصابين بالاكتئاب، حيث يعدّ الاكتئاب أحد أبرز الأسباب المؤدية للانتحار.

 الطبيب النفسي والاستشاري في منظمة الصحة العالمية، د. تيسير حسون شرح خلال حديثه إلى «الأيام» أن الانتحار كظاهرة عالمية بدأ يثير القلق بشكل كبير، حيث تفيد إحصاءات منظمة الصحة العالمية بأن نحو 800 ألف إلى مليون شخص يموتون سنوياً بسبب الانتحار، في حين يشهد العالم حادثة انتحار كل 40 ثانية.

 ضغوط الحياة وانسداد الأفق

 يؤكد د. حسون أن الحرب ترفع نسبة المصابين بالاكتئاب بشكل كبير. وفي وقت لا توجد فيه إحصاءات دقيقة حول عدد المصابين بالاكتئاب في سورية، تقدر مصادر رسمية سورية عدد المصابين بأمراض نفسية حادة جراء الحرب بنحو مليون شخص.

 يشرح الطبيب النفسي أن نحو 10% من المصابين بالاكتئاب يقدمون على الانتحار عادةً، ويتابع «تسببت الحرب بضغوط معيشية كبيرة، وانسداد للأفق، ويمكن ملاحظة ذلك في الوقت الحالي في سورية، من ناحية نسب البطالة، وانخفاض الدخل، وفقدان بعض المواد والسلع الأساسية، كل هذه العوامل تؤدي بمجملها إلى زيادة عدد المصابين بالاكتئاب، وبالتالي ارتفاع نسبة الأشخاص الذين قد يقدمون على الانتحار».

 ويعدّ الذهان (الفصام) بدوره أحد الأمراض التي تدفع صاحبها للانتحار، حيث تفيد الدراسات أن نحو 10% من المصابين بالذهان يقدمون على الانتحار بطرق وحشية.

 المخدرات والمراهقون

إضافة إلى ذلك، تعدّ مواد الإدمان واحدة من أسباب الانتحار. وتسببت الحرب التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية بانتشار الإتجار بالمخدرات، سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، أو المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، حيث تسعى وزارة الداخلية عبر أجهزتها إلى مكافحة هذه الظاهرة التي لا يكاد يمر يوم دون أن تعلن وزارة الداخلية، عن ضبط كميات من المواد المخدرة أو القبض على مروجين لها.

 وذكرت وزارة الداخلية في بيان لها أن عدد الأشخاص المقبوض عليهم من قبل دوريات فروع مكافحة المخدرات في خمس محافظات (دمشق، ريف دمشق، حمص، درعا، واللاذقية) منذ تاريخ 17/11/2018 وحتى تاريخ 24/12/2018، بلغ /35/ شخصاً، إضافة إلى ضبط عشرات الكيلوغرامات من الحشيش وآلاف الحبوب المخدرة.

اللافت أيضاً في ظاهرة الانتحار التي تشهدها سورية، إن صحّت تسميتها ظاهرة، انخفاض معدّل أعمار الأشخاص الذين أقدموا على الانتحار. في هذا السياق يؤكد الطبيب النفسي تيسير حسون أن انخفاض معدّل أعمار الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار هي ظاهرة عالمية، موضحاً أنه «في السابق كانت النسبة الأكبر للأشخاص الذين يقدمون على قتل أنفسهم من كبار السن، الذين يعانون من الوحدة أو ما يسمى متلازمة العش الفارغ، أما في الوقت الحالي فيلاحظ انخفاض معدّل الأعمار على المستوى العالمي»، وتابع «كذلك فإن معدلات الانتحار تزداد عادة عند الشباب في المجتمعات التي تشهد حروباً».

 بثلاثة مستشفيات فقط لمعالجة الأمراض النفسية، و75 طبيباً نفسياً في سورية، يواجه الطب النفسي موجة الاضطرابات التي خلقتها الحرب، والتي مازالت تخلقها آثار الحرب المستمرة على جميع الأصعدة، المعيشية والتربوية والمجتمعية، الأمر الذي نستطيع من خلاله استشراف مستقبل لن يكون مشرقاً بالتأكيد، في حال لم تتحرك الحكومة لتنمية وتحسين الواقع المعيشي للمواطنين، ولم تنشط الجمعيات والمنظمات الأهلية والمدنية من نشاطها التوعوي والنفسي، خصوصاً أن الوازع الديني لم يعد مؤثراً، وأن الحرب خلقت مجتمعاً مفككاً يعاني فيه المواطنون من أزمة تواصل مع محيطهم، الأمر الذي من شأنه أن يرفع من حالات الاكتئاب، أحد أبرز مسببات الانتحار، وينميها.

علاء حلبي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…