طباعة
كيلا تتحول سورية إلى دولة فاشلة: خبراء يجمعون على ضرورة سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية بعيداً عن الخصخصة!
14 نيسان 2019

كيلا تتحول سورية إلى دولة فاشلة: خبراء يجمعون على ضرورة سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية بعيداً عن الخصخصة!

لم يتفوّق القطاع الخاص عندما تسلّم إدارة البنى التحتية على القطاع العام سوى بجني الأرباح، وتحميل المواطن أعباء إضافية.

ففي الوقت الذي عدّت فيه الكثير من دول العالم أن الاتجاه نحو "الخصخصة" سيفتح لها صفحة جديدة نحو أفق أكثر اتساعا، لم تلبث أن وجدت نفسها في أزمة أخرى، ناتجة عن عدم القدرة على إدارة الأزمة التي سبقتها.

ويجمع خبراء أنّ النجاح في الخصخصة يتوقف على نوعيّة القطاع، فلن تنجح الحكومة على سبيل المثال في إدارة معمل للمحارم المعطرة، إلا أنه من الضروري أن تنجح في إدارة قطاعات البنى التحتية كالاتصالات والمياه والكهرباء والنفط.

كما يرى الخبراء أن انسحاب القطاع العام من واجبه في إدارة قطاعات استراتيجية تؤمن الاحتياجات الأساسية للمواطن، سيؤدي إلى مزيد من التدهور والفقر.

 

وظائف الدولة

يُجمع اقتصاديون أنّه من واجب الدولة أن تمارس وظيفتها الاجتماعية، من خلال إدارة عدد من شركات ومؤسسات البنى التحتية، وعدم تركها للقطاع الخاص، ورأوا أن الأمر يتعلّق بهويّة الاقتصاد بشكل عام.

الأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد في جامعة دمشق عدنان سليمان رأى أن "تمسك الدولة بوظائفها يأتي طبقا لتصنيف الدولة لذاتها، (رأسمالية، عالم ثالث، نامية، تنموية اجتماعية) خاصة وأن وظائف الدولة تتحدد عبر مستويات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية واجتماعية".

ويضيف "ثبت أن الدولة تمارس المهام التنمويّة اقتصاديا واجتماعيا بقصد تحقيق أهداف اجتماعيّة بالدرجة الأولى، لكن طبيعة الدولة الرأسمالية المحكومة بتآلف أحزاب سياسية يخفف من أهمية وظائفها الاجتماعية، وتنحصر مهامها في الجانبين العسكري والأمني".

ويلفت سليمان إلى أن "بعض الدول الرأسمالية المحكومة بسيطرة المجمعات الصناعية العسكرية، تتقلص لديها الوظائف حتى الأمنية والعسكرية".

 

أسباب

يتساءل كثيرون عن الأسباب التي تدفع الحكومات إلى الاتجاه نحو "خصخصة" قطاعاتها.

وحول هذا الأمر تقول الخبيرة الاقتصادية د.نسرين زريق إنّ السبب الذي يدفع الدول إلى خصخصة قطاعاتها عادة هو "الرغبة بالانتقال من مرحلة الاقتصاد الاشتراكي أو اقتصاد السوق الاجتماعي أو كليهما إلى مرحلة الاقتصاد الليبرالي، أي الاقتصاد الحر المحكوم بأدوات الاحتكار في القطاع الخاص"، بينما رأى معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين أن "الدول عادة تلجأ إلى هكذا حلول عند ظهور عجز بالموازنة لديها، أو لإعادة تنشيط القطاعات من خلال انتقالها إلى قطاعات مساهمة مشابهة للقطاع العام".

 

اقتصاد كسول

توضح زريق أن بوادر الاتجاه إلى الخصخصة قد بدأت منذ توجه القطاع الحكوميّ لتأجير واستثمار العديد من أبنية القطاع العام، مقابل مبالغ مادية معينة، وظهر هذا الأمر بشكل أبرز عندما أُعلنت الموازنة برقم متواضع للاستثمار، وبدأ يتوضح أكثر عبر استقطاب شركات القطاع الخاص لإنشاء محطات توليد كهربائية بالطاقة الشمسية مثلا".

وتضيف أنه "مع الوقت تطلب الحكومات في هكذا حالات مبالغ، أو نسب على أرباح القطاع الخاص المتدخل بقطاعاتها الاقتصادية الاستراتيجية، بناء على طلبها المسبق، وبذلك توفّر جهدا لا بأس به، بدلا من أن تقوم بأعمال استثمارية تتعرض للفشل، وتستلم أيضا حصتها المقطوعة من عمل القطاع الخاص من دون بذل مجهود سوى التوقيع ومنح التسهيلات، ثم التحصيل نهاية العام".

ولفتت إلى أن هذا الاقتصاد الكسول يسمى "الليبرالي الحر" ومن أسوأ مزاياه هو ارتفاع التضخم والأسعار لعموم السلع، حيث يحكم الأسواق الاحتكار والمنافسة غير الكاملة من جهة، وهيمنة الشركات الكبرى وطحنها للمشاغل الصغيرة والمشاريع المتوسطة من جهة ثانية".

 وأكدّت أن "الميزة الوحيدة في هذا الاتجاه هي أن القطاع الخاص الذي يحكم السوق حينها يمكن أن تفرض عليه الحكومة مستوى رواتب عالٍ يقدمه لموظفيه من ذوي الخبرة وبهذا تكون أنقذت بلدانها من الفقر".

 

القطاعات الحساسة

من جهته، يرى وزير الاتصالات السابق عمرو سالم في حديثه لـ "الأيام" أنه "إذا أخذنا قطاع الاتصالات كمثال على القطاعات الاستراتيجية الخاضعة للخصخصة، نرى بالتأكيد أن خصخصته غير سليمة لسببين: الأول أنّ القطاعات الحساسة استراتيجيا، لا سيما في الدول غير المتقدمة، من غير الصحيح أن يتمّ إعطاؤها للقطاع الخاص، لأنه لم يملك الوعي الكافي بعد لإدارة قطاع فيه شقّ أمني كبير، بالإضافة إلى أنه من المعروف في كل دول العالم كانت قطاعات الاتصالات رابحة، وكل قطاع لا يحمل مضمون ربحه نوعا من المخاطرة من المفترض أن يبقى عادةً للدولة، خاصة وأن الدولة تنفق على الخدمات، وتأخذ حصّة هذه النفقة من الضرائب أو من الجمارك أو من استثماراتها، فإذا قمنا بخصخصة أكبر رافد لخزينة الدولة، حتى لو أخذت ضرائب عليه بعد ذلك سينخفض دخلها بشكل كبير، وبالتالي تعجز عن تأمين خدمات وترفع الضرائب مجددا".

وهنا تؤكد زريق أن "الشركات الحكومية محكومة بخسائر وفشل تنفيذ مهمات بسبب الفساد والسرقات، ولذلك في الغالب فإن الحكومات لن تفشل إذا جيرت أعمالها لمختصين، ولكن الوضع المعيشي للشعب هو الذي يفشل بهكذا اختيارات عادة، إن لم يرافقها تشديدات، كحدود مرتفعة للرواتب، ونسبة ضريبية محترمة، وكوبونات لأساسيات الغذاء مقدمة مجاناً أو يعوض عنها بدعم نقدي للأسر ذات الفقر المدقع".

وأضافت أنه "من دون تلك التشديدات سيُدفع الاقتصاد إلى مزيد من التدهور"

كما لفت الدكتور عدنان سليمان أنه "في المجالات الاستراتيجية المتعلقة بالصناعات الثقيلة والنفط والغاز، ثبت أن الدولة تملك قوة تنموية وسيادة بقراراتها الاقتصادية أكثر، إن احتفظت بهذا النوع من الأعمال".

 

تجارب دولية

يقدم عمرو سالم مثالا على الخصخصة في لبنان عندما "كانت لديهم الاتصالات الخليوية كعقود BOT  لمدة 15 عاما، إلا أنه قبل انتهاء تلك المدة، استعادت الدولة هذه الاستثمارات منهم، وطرحت بعضها في مزاد علني لإدارتها فقط، وليس لاستملاكها، وعندها جاءت شركات من خارج البلد، وارتفع العائد لديهم، وبقيت تلك الشركات ملكا للدولة".

وقدمت زريق مثالا على الدول التي اتبعت الخصخصة بالأردن التي وصلت بها الخصخصة لتأجير وزارة الدفاع، حيث صار جيشها يُعامل بالضمان، كأنه بستان تفاح، بالإضافة إلى مصر التي بدأت بتأجير قواتها الاستراتيجية البحرية".

كما لفت سليمان إلى أنه "في كل من لبنان والأردن، تمّ التخلّي عن امتلاك وإدارة مشروعات استراتيجية اقتصاديا واجتماعيا في النفط والغاز والكهرباء والماء، ففقدت الحكومة قدرتها على إدارة وضبط الاقتصاد والمجتمع، وتحولت إلى دولة فاشلة تنمويا لا تملك القدرة على ضبط الإنفاق العام وتحصيل الضرائب، بل تعيش على المساعدات الخارجية، وهذا ما يسمّى خصخصة كاملة".

وتابع: "في أيام حسني مبارك باعت مصر ممتلكات ومشاريع القطاع العام في الحديد والصلب والإسمنت والنسيج للقطاع الخاص".

وحول سبب عدم إمكانية إعطاء بعض الشركات للقطاع الخاص، في الوقت الذي يتم وبشكل تلقائي في الدول المتقدمة منح الشركات الخاصة ميزة إدارة قطاعات استراتيجية، يؤكدّ وزير الاتصالات السابق عمرو سالم أنه "في الدول المتطورة يملك القطاع الخاص إدارات وشركات خاصة قوية ومستقرة، ولديهم قطاع خاص كبير، ويجب الإشارة إلى أنه عند الرغبة بتكبير القطاع الخاص إلى هذه الدرجة يجب أن تكون قدرة الدولة على المراقبة قوية، وهو غير متوفر لدينا".

 

الضرائب العادلة

يرى بركات شاهين أنّه "في حال كانت الشركات التي ستقوم بإدارة القطاعات الاستراتيجية هي شركات مساهمة فلا ضرر في ذلك، لأنه وفي هذه الحالة يصبح الدعم الاجتماعي من مهمة النظام الضريبي العادل، وهو المسؤول عن حماية الطبقات الضعيفة".

وهنا رأى د. عدنان سليمان أن "عزوف الدولة عن جباية الإيرادات، وحصول المزيد من التهرب الضريبي يشير إلى نوع من الانزياح بدور الدولة لصالح القطاع الخاص، وفي هذه الحالة تظهر حجّة للانسحاب من الدعم بسبب كلفته أمام صعوبة التحصيل الضريبي، وفي النهاية ستفقد الدولة وظيفتها التنموية لو تخلت عن أدوات التأثير في الاقتصاد والمجتمع، فإما أن تخسر المجتمع وتربح نخبة السوق وأثريائه، أو تفقد تدريجيا سلطتها على القرار الاقتصادي".

 

قطاعات قابلة للخصخصة

يشير سالم إلى وجود قطاعات قابلة للخصخصة، ومن الأفضل خصخصتها، على سبيل المثال لا تشكّل شركات المنظفات ومعامل البسكوت أهميّة لدى القطاع".

وتساءل "هل من مهمة الحكومة أن تصنّع راحة بالفستق للشعب، خاصةً أنه في جميع دول العالم، لا يُعطى سر تصنيع هذه المنتجات للحكومات، ولن ينتج عن هذا التصنيع سوى إدارات متخمة، فيها عمالة فائضة، وترهّل إداري وفني، بالإضافة إلى غياب المرونة".

وفي هذا السياق، أكدّ سليمان أنه قد "برهنت الوقائع أنّ الدولة مقاول أو تاجر فاشل، بحكم عدم اعتمادها الربح هدفا للمشروع الاقتصادي أو الخدمي، بالإضافة إلى أن الرأسمال الخاص وتحديدا الخدمي لديه المرونة والكفاءة لإدارة المشروعات أكثر من الدولة ذاتها، وفي الغرب ثبت أن إدارة أو امتلاك خدمات الكهرباء والماء والنقل من قبل الدولة فيه استقرار بنوعية الخدمة والأسعار لمتلقي الخدمة أكثر من الإدارة الخاصة التي تبتغي الربح أولا".

 

واجب اجتماعي

يؤكد د. عدنان سليمان أنه "بإمكان الدولة أن تتخلّى عن قطاعات خدمية في المصارف والتأمين والتجزئة والصناعات التحويلية بحكم التكاليف الكبيرة، لكنها لا تستطيع التخلّي عن دعم قطاعات التعليم والصحة والماء والكهرباء والنقل، وكل ما له علاقة بالاحتياجات الأساسية للمواطن، فإن تخلّت عن ملكية هكذا قطاعات فهي تدفع بالمجتمع إلى الجريمة والفقر والاختلال الطبقي، بسبب المصاهرة بين الرأسمال الخاص والقطاع الحكومي".

كما أجمع خبراء أنه "على الرغم من كلفة الدعم الكبيرة لدى سورية، إلا أن التخلّي عن وظائف ومهام تنموية ذات أبعاد اجتماعية يحرم الدولة من قدرتها على ضبط توازنات المجتمع، واتجاهات تطوره لجهة انسحاق طبقي واستقطاب مجتمعي لصالح الأغنياء واتجاهات لهيمنة مشروع السوق الليبرالية".

 

تاريخياً...

رأى سليمان أنه "ثبت تاريخياَ أن كلفة التنمية، أي الاستثمار العام في التنمية، أقل بكثير من كلفة الفقر والجريمة، وبالتالي فإنّ العائد الاجتماعي والتنموي من الإنفاق الحكومي والدعم للخدمات يحقق منافع أكبر بكثير من عائد الإنفاق على محاربة الفقر والجريمة والتحلل المجتمعي، فكلما استطاعت الدولة تعزيز مكانة الطبقة الوسطى وصعود الفقراء إلى مستويات معيشية مرتفعة كلما زادت نسبة الاستقرار والأمان والتنمية في المجتمع".

 بالإضافة إلى أنه "أثبتت التجارب أنه كلما تخلت الدولة عن ملكيتها الاقتصادية والاستراتيجية لصالح الرأسمال الخاص، كلما أصبحت أكثر ضعفا وأقل تأثيراَ في الاقتصاد والمجتمع، وبالتالي تقترب من مشروع الدولة الرخوة والفاشلة التي ستحكمها منظومة الفساد المرتبطة بهيمنة الرأسمال الخاص على مفاصل وقطاعات اقتصادية وخدمية أساسية وكبيرة".

كما أكدّ خبراء أنه "حتى لو كانت كلفة الدعم الحكومي لقطاع الخدمات الاجتماعية كبيرة، وحتى لو ارتبط ذلك بعجز الموازنة، فمن غير الممكن التخلي عن الدعم لصالح تحرير الأسعار والخدمات والمنافسة مع القطاع الخاص".


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…