22 كانون2 2019

بات مصطلح «هجرة العقول» أكثر شيوعا في الألفية الثالثة، مع ازدياد أعداد المهاجرين من أصحاب الكفاءات من سورية إلى الدول الغنية، التي بدورها تبدي ترحيبا أكبر بذوي الكفاءات عن غيرهم من المهاجرين، ويثير هذا النوع من الهجرات جدلًا مستمراً حيث تناولت وكالات الأنباء، ومواقع التواصل، أخبار الإبداعات السورية في دول الغرب، واستقبل عدة قادة عالميون المبدعين السوريين تكريما لهم.

 لم تكن تلك الاستقبالات مراسم للشفقة على السوريين، بل هي تكريم لاستيقاظ العقول السورية التي كانت موؤودة في سورية.

السوري يبدع في الخارج

عبد الرحمن الأشرف، مثلًا، ابتكر نظام بث للإنترنت قد ينافس “واتساب” في اعتماده على الشبكات الضعيفة، أو قد يرفده للانتشار أكثر في المناطق الفقيرة والمحرومة من الإنترنت، مثل بلدان العالم الثالث، وسكان القرى النائية، والعاملين في الأنفاق والمتنقلين في “المتروات».

وقامت السيدة زينة عبود بالطبخ لملكة هولندا، إذ أطعمتها الأكل الحلبي اللذيذ، رغم أنها غرقت بـ «البلم»، وعاودت العبور بعد رحلة تهجير مأساوية قبل سنة واحدة فقط من وصولها إلى هولندا.

هذه أمثلة بسيطة من الابتكارات والإبداعات السورية التي تتفتح وتبدع، وسيكون المستقبل ملكها، وحتما سنجد المزيد من الشباب يبدعون في عالم الفن، والأدب، وبرمجيات الكمبيوتر، واللغات، وما إلى ذلك من مجالات الابتكار.

الحكومة لا تهتم...

بعد مرور سبعة أعوام على الحرب، لم نلاحظ أي اهتمام من قبل الحكومة للنظر بموضوع هجرة العقول التي ستساهم في إعادة الإعمار، في حال تم الاستثمار الصحيح لهم، ولكن على ما يبدو أن همّ الحكومة كان احتساب حجم القطع الأجنبي الذي يخرج مع المهاجرين.

حيث لم ينظر وزير الاقتصاد، إلى حجم الخسارة السورية جرّاء خروج هؤلاء، الذين تستقطبهم دول الغرب بكلّ ما أوتيت من مالٍ وقوّة، إلا من زاوية استنزاف المهاجرين للقطع الأجنبيّ. مقدّراً أن كلا منهم يسحب من البلد 7 آلاف دولارٍ، كاشفاً عن الخسارة التي تكبّدها اقتصاد البلد جرّاء الهجرة، والتي وصلت -حسب تصريحات الوزير- إلى 420 مليون دولارٍ، نظراً إلى أن غالبية المهاجرين باعوا ممتلكاهم وبيوتهم وسياراتهم ومصاغهم واشتروا دولاراتٍ لدفع تكاليف الهجرة، وهو نزيفٌ آخر لموارد الدولة.

وتُعدّ سورية من البلدان الطاردة للكفاءات العلمية، وهي تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية حسب مؤشر هجرة الأدمغة المعتمد ضمن منهجية قياس المعرفة للبنك الدولي بنسبة 2.3 %، للمؤشر المتدرج من 1 إلى 7 حسب التقرير العربي عن المعرفة.

الأرقام تتحدث...

تشير أرقام المكتب المركز للإحصاء في سورية والذي حصلت «الأيام» عليها، أن الاقتصاد خسر خلال سنوات الحرب 5 مليون عامل في القطاعين العام والخاص. وبينت الأرقام أن عدد العاملين عام 2010 زاد على 8 ملايين في القطاعين، متراجعاً بنسبة 63% علماً أن عدد الخريجين من الجامعات والثانويات المهنية ومراكز التدريب والعائدين من الإيفاد، يقل عن 100 ألف خلال 2018، أي نحو 5% فقط من الخسارة في القوة العاملة.

وكانت دراسة صادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد» ، أكدت أن الموجة الكبيرة من الهجرة واللجوء إلى خارج سورية منذ 2011، شملت لأول مرة شباباً وأطباء ومهندسين وعلماء وفنانين وأساتذة جامعات ومهنيين من مختلف المناطق. ووفق الدراسة التي حملت عنوان “هجرة الكفاءات والعقول السورية نزيفٌ تنمويٌّ مستمرٌ”، فإن أكثر من 900 ألف سوري استقروا في ألمانيا حتى العام 2017، يوجد أكثر من 40 % من هؤلاء من أصحاب المؤهلات العالية، إضافة إلى أعداد أقل اتجهت إلى بقية البلدان الأوروبية والولايات المتحدة وكندا.

وذكرت الدراسة، أن القطاع الصحي خسر نسبة كبيرة من كوادره التي كانت أحد أسباب نقص الخدمات الطبية في أثناء الحرب، منوهة بأن التقديرات الصادرة عن النقابات المعنية تشير إلى هجرة نحو ثلث الأطباء، وخمس الصيادلة (أي 33% و20% على التوالي)، ما أدى إلى ارتفاع متوسط عدد السكان لكل طبيب بشكل كبير في سنوات الحرب، من 623 مواطناً لكل طبيب عام 2010، إلى 730 مواطناً لكلّ طبيب عام 2015.

وتحاول النقابات والجامعات والمؤسسات البحثية تقدير أعداد الكفاءات التي غادرت سورية في مرحلة الحرب، إذ يقدّر عدد الأطباء، ومن مختلف التخصصات، الذين غادروا بـ 584 طبيباً، إضافة إلى 2250 طبيب أسنان، أما أساتذة الجامعات، ومن مختلف الكليات، فقد بلغ 1220 أستاذاً، إلى جانب نحو 150 من حملة الدكتوراه الذين يعملون خارج الجامعة، أي في المؤسسات والوزارات المختلفة، ويقدّر عدد المهندسين بـ8521 مهندساً على تنوع تخصصاتهم، إلا أن الرقم الأكبر كان لحملة الإجازة الجامعية (المجاز) تجاوز 21480، إضافة لأعداد كبيرة جداً من الموفدين السوريين إلى الجامعات العالمية للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، وتقول الإحصاءات: إن نحو 70% منهم لا يعودون إلى سورية.

 ويبدو الحديث عن هجرة الصناعيين  أخطر على الاقتصاد من هجرة الطبقات المتوسّطة أو الفقيرة، فهم يغادرون وفي جيوبهم أموال تكفي لفتح معامل ومشاريع كبرى، ويخلّفون وراءهم كمّاً هائلاً من البطالة.

الحكومة تخذل أصحاب الكفاءات ...

 يؤكد رئيس غرفة صناعة حلب، فارس الشهابي، على تقصير الحكومة مع الصناعيين، معتبراً أن عدم تعامل هذه الحكومة مع هذه الشريحة على أساس أنهم متضرّرون جعلهم يغادرون.

مبيناً أنه تم تقديم الدراسات والاقتراحات حول الموضوع، بما يضمن الحفاظ على الحياة والعمل، ويطلق مشروع إعادة الأعمار، بغرض تعويض الناس عن أضرارهم وعن مخاطر حياتهم، وتحفيزهم للعمل والإنتاج تحت ظروفٍ قاهرة، ولكي يتمكنوا من إصلاح حالهم وحال مدنهم وبالتالي إصلاح قاطرة النموّ الاقتصاديّ في البلاد

وأضاف الشهابي فيما يخص حلب: لم نطلب أموالاً بل طلبنا الرعاية والاحتضان، تلقينا الوعود وانتظرنا، ولم يحدث شيء، حتى أُفرغت حلب من أهلها تدريجياً، وأصبحت الآن المدينة الأكثر تشرّداً في العالم.

ولا يرى الشهابي أن وراء الهجرة أسباباً سياسية، بل يؤكد أن معظم مَنْ هاجر هم مِن فئة الموالين، لأنهم غادروا الآن وليس في بداية الحرب. وعزا هجرتهم إلى أسباب الخوف وغلاء الأسعار وانعدام الثقة بالمستقبل وانتشار الفساد وسيطرة تجار الحرب، مضيفاً  أن الحكومة خذلت هؤلاء السوريين الذين حزموا حقائبهم ولم تستطع توفير العمل لهم رغم كلّ الوعود، بل عمدت إلى حجز أموال الصناعيين والمواطنين المتعثرين ضريبياً ومصرفياً، ولاحقتهم وعاقبتهم على صمودهم وبقائهم في البلاد.

لا يوجد بيانات...

يتواجد في بلاد الاغتراب أعداد كبيرة من المغتربين السوريين يعملون بمختلف مجالات الحياة كالتجارة والطب، ويساهم الأطباء المغتربون بنقل خبراتهم في المجال الطبي إلى سورية عبر مشاركتهم لخبراتهم مع الأطباء المحليين.

يؤكد حسن يونس الحسن، المحلل الاقتصادي في تصريح لـ «الأيام» أن تيارات الهجرة السورية اتجهت إلى الجوار الجغرافي القريب بالدرجة الأولى، ومن ثم إلى بلدان مختارة حسب شروط العمل والتسهيلات المقدمة للمهاجرين، مشيراً إلى أنه من واجب الحكومة مواجهة الظاهرة وليس تجاهلها لأن النظرية الاقتصادية ونظريات التنمية تؤكد على الدور المهم الذي يلعبه رأس المال البشري في النمو طويل الأمد والمستدام، منتقداً في الوقت نفسه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لعدم امتلاكها أية بيانات عن توزع قوة العمل السورية سواء في الدول العربية والأجنبية.

ويقول الحسن إن من أبسط ما يجب القيام به إذا كنا نريد لهذه الكوادر أن تبقى على أرض بلادها وأن تساهم في تنميتها، توفير المناخ المناسب الذي يساعدها على البقاء، سواء في المجال العلمي الذي يساعدها على استمرار العمل والإبداع، أو إعطائها ما تستحق مقابل الجهد الذي تبذله، وأيضاً لا تبعدها عن المجال الذي يجب أن تعمل فيه.

فئات أخرى هاجرت...

هناك شريحة أخرى مُكمّلة غادرت سورية، وتتمثل في الحرفيين والمهنيين، كالنجارين والحدادين وعمّال الصيانة على اختلاف اختصاصاتهم، وبات نادراً أن تجد في المدن السورية من يقوم بهذه المهن، وهؤلاء يُشكّلون الموقع الوسط بين المختصين والعمال العاديين.

 ففي دمشق يقول الحرفي مصطفى البرهان في تصريح لـ «الأيام» عندما تحتاج الآن لإصلاح أي عطل في المنزل، عليك أن تترجى المهني وتدفع له أضعاف الأجرة المتعارف عليها، وتحتمل شروطه حتى يقبل تقديم الخدمة لك، فقد أصبح نادرا وجود الحرفيين حيث هاجروا من سورية، ونقلوا عملهم وخبراتهم إلى تركيا ومصر ودول أوروبية تحتاج لمهارتهم اليدوية، وهذا سيخلق مشاكل مستعصية عند بدء إعادة إعمار سورية.

10% من الحرفيين هاجروا...

في سياق متصل بين رئيس «اتحاد الحرفيين» «ياسين السيد حسن» في تصريحه أن القطاع الحرفي تعرّض إلى نقص كبير في اليد العاملة ذات الكفاءة نتيجة الحرب القاسية، فهناك من تعرّض للخطف والقتل أو لإعاقات دائمة، بالإضافة إلى نخب من أصحاب الحرف السورية الذين هاجروا إلى دول عربية وأجنبية حيث تصل نسبتهم إلى 10%، أما ما تبقى منهم هنا فهم من دون عمل نتيجة الأوضاع الاقتصادية القاسية من عقوبات وارتفاع الأسعار، وعدم وجود أسواق لمنتجات الصناعات التقليدية، ويؤكد حسن أن هجرة الحرفيين السوريين إلى تلك الدول التي قدّمت كل التسهيلات، لتستقطب اليد العاملة السورية والاستفادة من خبراتها وحرفيتها في الصناعات التقليدية، كحرفة صياغة الذهب وصناعة الرخام والشرقيات والحلويات والأطعمة، أدّت إلى نقص كبير في الخبرات المحلية، ما يحتّم علينا إعادة تلك الصناعات واستقطاب أصحاب الحرف والمهن وإعادة تشغيلهم بالتوازي مع إعداد كوادر جديدة، للحفاظ على استمرار تلك المهن، وصناعة جيل جديد يرث تلك الحرف والأشغال التقليدية ويعمل بها، بالإضافة إلى إعطائهم شهادات خبرة بعد حصولهم على دورات تأهيل وتدريب في تعلّم صناعة ما، أسوة بالدول الأوروبية التي تُخضع الحرفي إلى الكثير من الاختبارات للحصول على ترخيص وافتتاح ورشة تصنيع خاصة به.

بلدان تحترمهم وتقدر إمكانياتهم

لم يكن واقع هذه الحرف في أفضل أحواله قبل الأزمة، هذا ما أكده دكتور الاقتصاد عبد الله رزق في تصريحه لـ «الأيام» مشيراً أنه في مثل هذه الحالة الأخيرة يمكننا وفي كل الدول العربية من دون استثناء أن نجد الكثيرين في غير مواقعهم التي تخصصوا بها، لذلك يفضلون الهجرة، بل الهرب إلى بلدان يتم فيها احترامهم وتقدير إمكانياتهم، وتوفير الظروف التي تساعدهم على الاستمرار في الإبداع والإنتاج.

ويضيف أنه إذا أردنا استعادة نظرية المؤامرة في هذا المجال فيمكننا إضافتها كسبب آخر وإسقاطها، بالتالي على حالات الهجرة العديدة القائمة، حيث توفر دول الغرب الكثير من عوامل الإغراء والجذب للكفاءات العربية وسواها من كفاءات الدول النامية لإبقائها متخلفة علميا وبالتالي تنمويا، وفقيرة تستمر تتطلع إلى دول الغرب لإمدادها بالتكنولوجيا وما تحتاجه من أجل البقاء على الأقل.

وفي النهاية ما لم يتم وضع استراتيجية واضحة ومحددة لمعالجة هذا الاستنزاف، فإن الأدمغة السورية العلمية سوف تجد نفسها مكرهة على الهجرة بحثًا عن بيئة أرقى وأكثر حرية واستقرارًا، وأجدى ماليا وأكاديميا، من دون أن تتكلف عناء النظر للخلف حيث تقبع الخطط التنموية المتعثرة، ويقف التاريخ هرما عند أمجاد لا يمكن استعادتها.

نور ملحم

13 كانون2 2019

في الحادي عشر من الشهر التاسع للعام الفائت انهار مبنى سكني مؤلف من ستة طوابق في حي الروضة التابع لمدينة جرمانا

الانهيار لم يسفر عن أضرار بشرية واقتصرت الأضرار على الماديات فقط، ومن الخبر يمكن أن تعرف أيضاً أن القضية انتهت «بتبويس الشوارب»، حيث تشير المعلومات إلى أن السكان المتضررين اتفقوا مع المتعهد بالتعويض عليهم بسكن جديد، من دون ذكر إذا ما كانت ستتم محاسبة من سمح بالبناء، أو من راقب جودة البناء من مراقبين وغيرهم من المكتب الفني للبلدية والمحافظة.

رحلة البحث عن مسكن

يبحث عبد الله (من سكان مخيم اليرموك) فضل عدم ذكر اسمه الكامل عن منزل، لأنه كما يقول تعب من الإيجار وتعب من انتظار العودة إلى بيت المخيم.

يقول عبد الله (39 عاماً): أبحث منذ سنة تقريبا عن منزل يضمني مع عائلتي المؤلفة من خمسة أشخاص، لكن الأسعار باتت خيالية جدا لذلك نصحني أصدقائي بالتوجه إلى مدينة جرمانا أو جديدة عرطوز، ربما أجد منزلا يناسب دخلي.

ويتابع عبد الله: معظم المنازل التي عرضت عليّ كانت قيد الإنشاء أو لاتزال رسماً على الورق، وأقل سعر للمتر من دون إكساء طبعاً كان يتراوح بين 60 ألف ل.س إلى 75 ألف ل.س، هذا طبعا في المناطق التي هي بالأصل مناطق مخالفات، ليرتفع السعر كلما اقتربنا من العاصمة.

المخالفات والانهيارات... سبب ونتيجة

عن خطورة الأبنية المخالفة من الناحية الهندسية، يقول المهندس الإنشائي أيهم محمود لـ «لأيام»: تفتقر الأبنية المخالفة إلى الكثير من قواعد الهندسة الداعمة لحياة قاطنيها، مثل التباعد الصحي بين الأبنية الذي يسمح لنور الشمس وللتهوية الصحيحة بالمرور، إضافة إلى عدم مراعاة طرق الإنشاء السليمة من ناحية الزمن اللازم لفك القوالب بسبب خشيتهم من ضبط المخالفة واستعجالهم إزالة مظاهر الإنشاء بسرعة.

ويضيف محمود بأنه لا يوجد توثيق لتصميم البناء وتنفيذه، وبالتالي يتم إضافة طوابق فوق البناء المخالف من دون دراية بنتائج هذا التصرف على سلامة البناء، وحتى لو تم الاستعانة بخبرات هندسية فلن تستطيع هذه الخبرات معرفة حالة أساسات البناء وكمية فولاذ التسليح في مختلف العناصر الإنشائية لغياب الوثائق الخاصة بها، وبالتالي أي قرار متخذ في مسألة إضافة طوابق للبناء القائم سيحمل نسبة كبيرة من الخطأ، وهذا سبب تواتر حالات انهيار الأبنية العشوائية بالمقارنة مع الأبنية المرخصة النظامية.

ويشرح محمود كيفية التلاعب بالبناء من الناحية الهندسية أثناء إشادة المباني، فيقول: فك القوالب قبل اكتمال مقاومة «البيتون» يعرضه لتشوهات أكبر من الحدود المسموحة، إضافة إلى تخفيض تسليح العناصر الإنشائية لتحقيق أرباح لجيوب المتعهدين، تُعدّ ضئيلة إذا ما تمت مقارنتها بما يتم هدره من عمر البناء، وصولاً إلى خسارته في حال انهياره.

ويضيف محمود: المهندس يصمم البناء على أحمال محددة بدقة ويتجنب المبالغة بها من أجل ضبط الكلفة، ولذلك لا يمكن إضافة طوابق أو تغيير في تصميم الغرف ووظائفها، من دون الإضرار بشكل كبير بتصميم البناء وقابليته للوصول للعمر المتوقع منه، وهو بحدود 70-80 عاما في الحد الأدنى، وعندما لا نلتزم بالمعايير الهندسية الصارمة في الدراسة والتنفيذ والاستثمار، ينخفض عمر البناء ليصل إلى النصف، وهذا يعني سرقة نصف المبلغ المرصود لسكن مالك العقار من أجل تحقيق أرباح بسيطة لمتعهدي الإنشاء، وفي حال كان المالك هو الذي يقوم بالإنشاء فإن الجهل بالأصول الهندسية يجعله يخسر نصف عمر عقاره، من أجل توفير بسيط في كلفة الإنشاء.

«غابات» المخالفات!

وعن لجوء السوريين إلى البناء في المناطق المخالفة، يقول محمود: تم وضع اليد على الأراضي الزراعية لتحويلها إلى عقارات معدة للبناء، بعد صدور المخطط التنظيمي لها، والذي تأخر سنوات بل عدة عقود، الحياة لا تنتظر أحداً وخاصة في دولة مثل سورية، فيها معدلات الخصوبة مرتفعة للغاية وتشكل أزمة حقيقية لأي حكومة في عمليات التخطيط والتنظيم.

ويتابع محمود: المسألة الأخرى هي عدم تنمية الأرياف وتطويرها أسوة بالمدن مما فاقم مسألة الطلب على السكن في المدن، وحوّلها إلى غابات من المخالفات، في غياب مخططات تنظيمية تستطيع استيعاب كل هذا الطلب على السكن في المدن، لا أحد يرغب إطلاقاً في سكن بناء مخالف إن قدمنا له البديل الصحي والقانوني الذي يحمي حقوقه فيه. تراكمت العوامل التي ذكرتها سابقاً وتفاعلت لإنتاج كارثة حقيقية، في أغلب المدن السورية، إلى درجة أن علاجها أصبح مسألة شبه مستحيلة.

في حلب... ضحايا

انتشلت فرق الدفاع المدني قبل أيام جثة سيدة خمسينية من تحت أنقاض أحد المباني المنهارة في مدينة حلب. لم تكن هذه الحادثة التي وقعت في «الصالحين» هي الوحيدة من نوعها، حيث تتالت الانهيارات في الأبنية التي تصدعت نتيجة الحرب، ليكون خطر الموت من الانهيار هو الرفيق الجديد لساكن المدن السورية.

يتساءل ماجد السعيد – وهو من سكان حلب – لـ «لأيام»: أين نذهب وأين نسكن، فمراكز الإيواء ليست بأحسن حال من هذه الأبنية التي تتكئ على بعضها البعض.

ويضيف: لم أخرج مع أسرتي المؤلفة من أربعة أشخاص طيلة فترة الحرب، وصمدت لأنني لا أملك في هذه الحياة سوى منزلي، وماكينة خياطة نجت من ورشتي التي احترقت، فكيف أتخلى عنهم لصالح المجهول، البقاء في منازلنا هو الحل الوحيد حاليا خاصة أنه لا يوجد سكن بديل ولا قدرة لنا على دفع الإيجار.

يقول الباحث في القطاع العقاري عمار اليوسف لـ «للأيام» أن ظاهرة بناء المخالفات أو مناطق العشوائيات هي ظاهرة قديمة، وكانت الملاذ الأفضل والأرخص للمواطن السوري في فترة ما قبل الحرب. يحيل بذلك السبب الرئيس لهذه الظاهرة للحكومات المتعاقبة وذلك لعدم إيجادها البديل السليم.

ويضيف اليوسف: لابد من التفريق بين فترة ما قبل الحرب وفترة أثناء الحرب، فيما يتعلق بمخالفات البناء. ففي بداية الحرب على سورية ونتيجة خروج عدد من المناطق عن سيطرة الدولة السورية، انتشرت ظاهرة العشوائيات وبناء المخالفات بشكل غير مسبوق وأصبحت مورد مهم للجهات التي كانت تسيطر على تلك المناطق، من خلال إشرافها على بناء تلك المناطق، وفرضها للإتاوات على من يريد البناء في ظل غياب تام للدولة.

يضيف اليوسف: في المقابل ظهر في المناطق الآمنة طبقة تجار المخالفات. وهم مجموعة من الذين يعتبرون أنفسهم حماة تلك المناطق، وبالتعاون بين هؤلاء المتنفذين والبلديات والمكاتب التنفيذية، تم إعلان ما يشبه شراكة استراتيجية بين الطرفين، وكان الهدف من هذه الشراكة هو ابتزاز المواطن الراغب بالبناء بمبالغ كبيرة، كانت توزع بين هذه الدوائر (البلدية والمتنفذين). ويضيف اليوسف: كان من المتوقع أو الطبيعي أن تنتشر هذه المخالفات في المناطق التي هي بالأساس مناطق مخالفات، لكن الخطير أن هذه المخالفات كانت تمتد إلى المناطق المنظمة، موضحاً أن هذه العملية كانت تتم إما بدفع الرشاوى للجهات التنفيذية (بلديات ومكاتب تنفيذية)، أو كانت تتم وفق استثناءات من أصحاب القرار، للبناء في تلك المناطق تحت ذرائع مختلفة، بدعوى أن فلان مدعوم والمستثنى مدعوم، وتم التوجيه بالسماح بهذه المخالفة وهذا البناء.

ويؤكد اليوسف أن هذا الانتشار السرطاني لهذه المخالفات، أدى إلى وصول أرقام الفساد فيها إلى ما يقارب 15 مليار ليرة سورية وفق تقدير مبدئي.

مرض قانوني واجتماعي

إلى جانب الأضرار البشرية التي تتسبب بها انهيارات الأبنية، تتسبب المخالفات بأضرار اقتصادية كبيرة. حيث تذهب الرسوم والضرائب التي من المفترض أن تدخل خزينة الدولة، إلى جيوب الفاسدين والمتنفذين على حساب المواطن والدولة. كما تولّد لدى المواطنين الإحساس بعدم وجود عدالة اجتماعية، فمن يقوم بدفع الرشاوى يتم السماح له بالبناء ومن ثم تتم تسوية مخالفته واعتبارها بنى نظامية. ومن لم يدفع تقوم الجهة الإدارية بهدم المخالفة وإحالة صاحبها للقضاء وكأنه هدم اقتصاد البلد.

ويرى الخبير اليوسف بأن وجود هذه المخالفات يؤدي إلى إضافة كمية هائلة من العقارات المريضة قانونياً واجتماعياً، إضافة إلى الحجم الهائل الموجود سابقا، حيث تعدّ هذه المخالفات غير قابلة للتملك ولا تضمن حق الشاري فيها، إضافة إلى أننا لا نعرف التركيبة الاجتماعية والوضع القانوني والسياسي للفئات التي ستسكن في هذه المناطق.

لا حل جذري...

 المهندس أيهم محمود يتحدث، عن أهم الحلول التي يمكن اتباعها من قبل الحكومات لعلاج البناء المخالف، خاصةً بعد فشل عدد من مشاريع السكن الشبابي وغيرها، فيقول إن العلاج يبدأ بنقض الأسباب التي أدت إلى حدوث هذه الظاهرة، فيجب تنمية الأرياف خدمياً وتحويلها إلى مراكز إنتاج وعمل لإحداث هجرة معاكسة إليها، كما يجب إخراج مسألة المخططات التنظيمية من دائرة نفوذ تجار العقارات، ويجب أيضاً ضبط قضية البيوت الفارغة التي لا يسكنها أحد، وهي عبارة عن مدخرات مالية لأصحاب الأموال، ويضيف محمود: لا بد من خلق آليات واضحة لعودة العقارات في مراكز المدن إلى ملكية الدولة، وبالتالي وقف تدمير الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن وتطوير مراكز المدن عقاريا لتستوعب أعداداً أكبر من المواطنين، من دون تدمير البيئة المحيطة بالمدن وتحويل الأراضي الزراعية إلى غابات اسمنتية، يجب إعادة النظر بشكل كلي بنظام ضابطة البناء في المدن والاتجاه لشقق صغيرة مساحتها بين 30-50 مترا مربعا تخدم قطاع الشباب من دون هدر المساحات في شرفات وتفاصيل معمارية أخرى لا تتناسب مع النمو السريع لسكان المدن، لا يوجد حل وحيد وسريع لأزمة البناء المخالف بل يوجد سلسلة من الإجراءات المترابطة والذكية تبدأ حتماً بتنمية الأرياف تمهيداً للهجرة الطوعية الاختيارية نحوها. أما الباحث عمار اليوسف يقول: لا يوجد أي حل لظاهرة المخالفات والعشوائيات في حال استمرار الفساد والرشاوى، وغياب البديل الذي تقدمه الحكومة من تأمين مساكن نظامية للمواطن، وإصدار المخططات التنظيمية المطلوبة لإنشاء تجمعات سكنية جديدة، تحقق حاجة سورية الفعلية للسكن في ظل ما تم تدميره في 8 سنوات من الحرب، إضافة لما نحتاجه نتيجة التزايد السكاني والذي يصل في حدوده الدنيا إلى ما يقارب أربعة ملايين مسكن

نسرين علاء الدين

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…