11 شباط 2018

لاتزال آثار تجمّع الليلة الماضية على يمين طريق العودة من بيروت إلى دمشق واضحة، بقايا طعام وشراب، والقليل من الحطب المحترق يوحي بأنهم كانوا هنا، أمس قبل أن تقبض عليهم دورية للأمن العام اللبناني.

خطوات السوريين تمحو آثارها أطماع المهربين، فلا يختلف الوضع بين الشمال أو الشرق، جنوباً أو غرباً، هي أحلام بسيطة وأماني بالهرب من الموت إلى الموت أحياناً، قد تكون الوجهة حياة جديدة، وقد يكون الهرب بهدف الهرب فقط، ليكون السوريون صيداً سهلاً أينما ولّوا الأدبار.

الحلقة الأضعف

لم تتمكن زهرة من اللحاق بالمهرّب الذي تركها في منتصف الطريق، فأعادتها قوات الأمن اللبناني إلى الجهات السورية. تنتظر زهرة في نقطة "جديدة يابوس" الحدودية التابعة لدائرة الهجرة والجوازات السورية قدوم أحد من عائلتها كي يعيدها مع أطفالها إلى دمشق، فهي لا تعرف طريق العودة.

يترك المهربون من سورية مواطنيهم السوريين الضعفاء خلفهم، فلا وقت لانتظار العجائز الراغبين في رؤية أبنائهم، أو النساء المحملات بالأبناء والهموم. كل ضعيف سيسقط، فإما أن يتلقّفهم الموت أو تكون درب العودة أقرب من حلم اللقاء.

التهريب أضمن

يعبر العشرات من السوريين أسبوعياً إلى الداخل اللبناني عن طريق المعابر غير الرسمية. يقول أبو أمجد سائق سيارة عمومية على خط دمشق بيروت: منذ شهر تراجع عدد الأشخاص الذين يريدون الدخول إلى لبنان، خاصة بعد فرض قوى الأمن العام شروطاً جديدة لدخول السوريين إلى أراضيها، وفي قائمة الشروط  وجود ألفي دولار أمريكي في حوزة المواطنين السوريين، ليجيب عن سؤاله "من منا يملك ألفي دولار يبقيها في جيبه!". متابعاً  "في معظم الأحيان يتم إعادة الأشخاص الذين يرغبون في الدخول إلى الأراضي اللبنانية حتى لو امتلكوا حجزاً فندقياً وألفي دولار وذلك لمزاجية بعض الضباط اللبنانيين وعنصرية البعض الآخر".

تجلس أم محمد في قاعة انتظار نقطة المصنع اللبنانية، وتنتظر أن تتغير الوردية الموجودة من ضباط وأفراد قوى الأمن اللبناني العام، فربما يحنّ قلب الضابط الجديد ويسمح لها بالدخول لرؤية أبنائها الموجودين في لبنان منذ العام 2015. تقول أم محمد لـ"الأيام": خرجت قبل ثلاثة أشهر من الرقة إلى حماة وأردت أن أزور أولادي في لبنان بعد أن جمعوا لي تكلفة الرحلة والألف دولار أمريكي، وحجزوا لي في أحد فنادق مدينة بعلبك لثلاثة ليال، لكن الضابط اللبناني قال لي يجب أن يكون بحوزتي ألفي دولار وحجز نظامي كي يسمح لي بدخول لبنان. يحاول أولادي جمع بقية المبلغ وإرساله مع سائق مضمون، وها أنا ذا سأعيد المحاولة مرة ثانية وإلا سيتوجب عليّ عبور الجبل كي أجتمع مع الأولاد.

معابر لا تسمح بالعبور!

ترتبط الحدود السورية بالدول المجاورة (لبنان – تركيا – الأردن - العراق) بحوالي عشرين معبراً حدودياً نظامياً، يقع بعضها تحت سيطرة الحكومة السورية، فيما تسيطر المجموعات المسلحة على البعض الآخر، إلى جانب وجود العشرات من طرق التهريب المعروفة، والتي استخدمها المهربون لتهريب البشر بعد أن كانت تستخدم لتهريب البضائع، ونشطت هذه المعابر بعد اندلاع الحرب في سورية لتصبح معابر تدر مئات الآلاف من الدولارات للمهربين على طرفي الحدود، وأبرز هذه المعابر مع لبنان هي أعالي بلدة الصويري البقاعية ومجدل عنجر والمصنع. أما شمالا، فكان معبر باب الهوى من أبرز المعابر إلى أن منعت السلطات التركية دخول الأفراد عبر المعابر النظامية وبقي عددٌ قليلٌ من المعابر غير النظامية تسمح للسوريين بالهروب عبرها. لكن معرفة المهرّبين لهذه الطرق لم يحمِ المهرَبين من انفجار لغم أرضي هنا أو هناك، أو الموت بسبب التجمد، وغالباً ما يمتنع الأشخاص عن الشكوى أو التبليغ في حال تعرضهم للاحتيال والسرقة أو حتى فقدان أثر عائلاتهم، كونهم دخلوا الى أراضي البلدان المجاورة  بشكل غير نظامي.

من 200 إلى 500 دولار "ع الراس"!

يبدأ الاتفاق على التهريب بين طرفي العملية ( المهرِب والمهرَب) على الأراضي السورية، فبينما كانت معدّة التحقيق تجلس في إحدى الاستراحات على الطريق الواصل بين دمشق وبيروت ضمن الأراضي السورية، اقترب منها أحد الشبان مستفسراً إذا ما كانت بحاجة لمساعدة من أجل الدخول إلى لبنان. يقول شادي (اسم مستعار): نحن نضمن لك ولأي شخص الوصول الآمن إلى داخل لبنان، حيث سينتظرك شخصٌ على جانب الطريق بعد أن تقطعي الحدود السورية بحوالي 400 متر، وهو من سيقودك إلى لبنان. وعن وسائل النقل المستخدمة يقول شادي:

لا توجد سيارات أو أية آلية لنقل الناس، هناك فقط حمار وهذا الحمار له سعره، يبدأ السعر بـ 150 دولار للشخص الواحد في حال أراد الدخول سيراً على الاقدام، ويزيد خمسين دولاراً إذا أراد الركوب على حمار. أما الركوب على البغل، فسيرفع السعر إلى 300 دولار. ويتابع شادي "عند الانتهاء من رحلة الجبل ستنتظرنا سيارة كي تنقل المسافرين الى أبعد نقطة ممكنة عن الأمن العام اللبناني، تمتد رحلة عبور الجبل عادةً ما بين أربع إلى ست ساعات، حسب الأحوال الجوية، وحسب المسافرين؛ فإذا كان المسافرون من الشباب فإن الرحلة لن تستغرق وقتاً طويلاً، لكن إذا كان هناك نساء مع أطفالهن أو كبار في السن، فإن الرحلة ستطول" ويتابع شادي مطمئِناً معدّة التحقيق "لا تهكلي هم أنتِ شابة ولن يكون الطريق صعباً، وأي مريض يمكن أن يتأخر عنا لن ننتظره وسنتابع طريقنا".

وللشرق سوقه ...

تعتبر المنطقة الشرقية سوقاً واسعاً ومتعدد الأشكال لتهريب البشر، ففي حين أن عمليات التهريب من مناطق سيطرة "داعش" باتت معدومة بعد أن كانت تكلف ما يقارب 100 دولار أمريكي للمواطن الواحد أياً كان عمره، فقد نشطت خلايا تهريب البشر على هوامش المخيمات الخاضعة لسيطرة تحالف ميليشيات "قوات سورية الديمقراطية"، حيث تمنع الأخيرة حركة القاطنين في هذه المخيمات دون الحصول على إذن سفر، كما تمنع دخولهم إلى المدن التي تسيطر عليها دون وجود "كفيل" يجب أن يكون من "المكوّن الكردي" حصراً.

يتحصل المهرّبون على إذن سفر للعائلة الراغبة في الخروج من أي مخيم مقابل مبالغ مالية تصل إلى 400 ألف ليرة سورية في بعض الأحيان، وهذه الأذونات تصدر عن قيادة ميليشيا "الأسايش" التي تعد بمثابة الأمن العام، ومن يرغب بالخروج بدون إذن رسمي من هذه الميليشيا، فسيكون قد قبل لأسرته المغامرة بحياتها، لكن تكلفة التهريب في هذه الحالة تقل بنسبة النصف تقريباً.

يقول "أبو محمد" الذي اجتاز عتبة الـ 60 من عمره، إنه خرج وعائلته عبر أحد "السماسرة" من مخيم السد بريف الحسكة الجنوبي، ودفع له مقابل الحصول على إذن السفر نحو منبج 375 ألف ليرة سورية، بعد ذلك تم نقلهم بواسطة حافلة مزدحمة بالركاب، وتكلفة نقل الشخص الواحد كانت 25 ألف ليرة سورية، واستهلكت الرحلة أكثر من 15 ساعة، كان الركاب مجبرين فيها على دفع "إتاوات" لكل حاجز تابع لـ "قسد" يمرون به، إلا أن "أبو محمد" يروي قصة أخيه الذي فضّل التوجه إلى الأراضي التركية، عبر "مهرّب" ضمن له الوصول إلى ما بعد الحدود مقابل 150 ألف ليرة للشخص الواحد، أي ما يعادل 300 دولار أمريكي، وبالتالي وصلت تكلفة سفر العائلة المكونة من 6 أشخاص إلى نحو 900 ألف ليرة سورية بشرط أن تتكفل الأسرة بدفع ما تطلبه الحواجز.

اختلاف الجهة المسيطرة على الأرض يفرض المزيد من الرسوم على الرحلة، ففي الطريق من مدينة "منبج" بريف حلب الشرقي إلى مدينة "جرابلس" بريفها الشمالي، تمر قوافل تهريب البشر بحواجز تتبع لـ "قسد" وأخرى تتبع لميليشيا "درع الفرات" الموالية للنظام التركي، ويجبر الانتقال من جهة إلى أخرى المدنيين على دفع المزيد من "الإتاوات" والتي تصل إلى نحو 100 دولار أمريكي للشخص الواحد.

يختفي المهرّب.. وتظهر "الجندرما"

بالوصول إلى "جرابلس"، غالبا ما يختفي المهرب دون أن يبقى له أثر، وفي هذه الحالة على رب الأسرة أن يختار بين أمرين، البقاء في هذه المدينة التي تحتلها قوات النظام التركي وميليشياته، أو الخروج إلى الأراضي التركية بدفع تكاليف إضافية لعملية التهريب التي لن تكون مضمونة  النتائج بسبب رد الفعل العنيف من قبل حرس الحدود التركي تجاه أي محاولة اجتياز للحدود بطريقة غير شرعية وفقا للقوانين التركية، وغالباً ما يتم إطلاق النار بشكل مباشر على المدنيين، وبحسب الإحصاءات الأولية، فقد توفي أكثر من 25 سورياً في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي خلال محاولات الهروب.

مصادر محلية خاصة قالت لـ "الأيام" إن النظام التركي يحذر المدنيين من اجتياز الحدود بطريقة غير شرعية من خلال استخدامه خدمة الرسائل النصية عبر شبكات الهواتف المحمولة التابعة له والمستخدمة في بعض المناطق من الشمال السوري، وبينما يطالب المدنيين عبر مختلف الوسائل المتاحة باستخدام المعابر التي يتقاسم السيطرة عليها مع ميليشياته، ويسميها بـ "البوابات الحدودية"، فإن هذه البوابات تبقى طيلة العام مغلقة أمام حركة المدنيين إلا في عيدي الفطر والأضحى، في حين أن القوافل التجارية والعسكرية التابعة له أو للميليشيات التابعة والممولة منه، تمر دون أي عوائق تذكر، ودون عمليات تفتيش جاد.

التهريب إلى دمشق أرخص

كانت هذه الطريق مزدهرة أيام وجود تنظيم "داعش" في المناطق الشرقية من سورية، ولعل المعوقات التي فرضتها الميليشيات التي كانت تنتشر في البادية أمام وصول المدنيين إلى مناطق الدولة السورية كانت سبباً في تشكّل مخيمات مثل (الركبان – الحندلات – الرويشد)، إلا أن هذه التجارة عادت للازدهار مجدداً مع تدهور الأحوال المعيشية في المخيمات الخاضعة لسيطرة "قسد" كـ (الهول – عين عيسى – المبروكة – السد – أم مدفع)، وبات المدنيون يفكرون بالتوجه إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة الدولة السورية لكونها أكثر الطرق أمنا، وأقلها تكلفة.

وبحسب معلومات حصلت عليها "الأيام" من مصادر محلية متعددة، فإن تكلفة هذه الرحلة تبدأ بتأمين عملية الهرب من المخيم، وتكلف هذه العملية ما بين 50  إلى100 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، ومن ثم تأتي عملية النقل إلى أقرب نقطة مناسبة للتهريب على ضفة نهر الفرات، فالجسور تنقسم ما بين مدمّر وخاضع لسيطرة "قسد"، وتكلفة عبور النهر بالزوارق الصغيرة التي قد تتعرض لإطلاق النار من قبل عناصر "قسد"، ما بين 10 إلى 15 ألف ليرة سورية للراكب الواحد، وباجتياز النهر تكون الأسرة قد وصلت إلى مناطق سيطرة الجيش، وبالتالي هي أمام مرحلة دفع تكاليف إقامة أو رحلة نحو دمشق أو حمص، وهذه التكاليف هي الأقل من حيث الأرقام، إذ إنها تقتصر على أجرة ركوب الحافلة التي تختلف من شركة إلى أخرى، إلا أن حدّها الأعظمي هو 7 آلاف ليرة سورية، وبالتالي فإن تكلفة سفر أسرة مؤلفة من 5 أشخاص فقط من مخيم عين عيسى إلى دمشق، قد تصل إلى ما يزيد على 600 ألف ليرة سورية.

إجراءات "تشديدية"

فرضت السلطات اللبنانية في العام 2015 سمة دخول على السوريين الراغبين في الدخول الى الأراضي اللبنانية، وكان الاجراء من طرف واحد، وبررته السلطات اللبنانية حينها بأنه حاجة لضبط تدفق اللاجئين السوريين. واليوم تشدد السلطات اللبنانية في شروط الداخلين إلى أراضيها، رغم أن البيانات الصادرة عن المفوضية العليا تؤكد تراجع أعداد اللاجئين السوريين في لبنان، فيما أقامت السلطات التركية جداراً عازلاً يمنع السوريين من الدخول الى أراضيها.

ووفقاً لإحصاءات المفوضية العليا للاجئين مكتب دمشق،  فإن 66600 لاجئ سوري قد عادوا إلى سورية بشكل طوعي ما بين شهري كانون الثاني وتشرين الأول من العام 2017، من بينهم لاجئون من لبنان.

نسرين علاء الدين - محمود عبد اللطيف

19 شباط 2017

يندر ألا يتكرر اسمه بين شركاء الداء، فالرجل صار ماركة مسجلة في عالم السمسرة الطبية، ولا يعني ذلك بالضرورة تميزا أو فرادة ما تجعله أفضل من غيره، ربما كان الأكثر شهرة في موسم يتكئ فيه السوريون على تجارب بعضهم، أملاً بشفاء سريع وألم أقل.

في عيادته الشبيهة بمشفى مصغر، استقلالية من نوع مختلف، تبدأ مع حجز المواعيد، فعلى المريض أن ينتظر حوالي ثلاثة أشهر حتى يُتاح له مقابلة الطبيب، بعد ذلك، يبدأ جزء جديد من مسلسل العلاج، مع معاينة تكلفتها 8000 ليرة، تليها متطلبات مختلفة كالتحاليل والصور الشعاعية، ولا حاجة لإجرائها في أي مكان آخر، فكل ما يلزم موجود سلفا بأسعار لن يملك المريض التفكير بها كثيرا ، فأوجاعه أشد إلحاحاً، لتتراوح كلفة العلاج ما بين 40 ألفا إلى 60 ألف ليرة، من دون ثمن الدواء المتوافر حصراً في صيدلية محددة، لا ينسى الطبيب مفاجأة مرضاه بذلك!. حالة الاستقواء العلنية هذه، صارت معروفة بين أبناء الحرب، حتى إن سيدة مهجرة من حلب، اضطرت للجوء إلى أحد فاعلي الخير، لإجراء عملية جراحية لاستئصال بقايا شظية من رئة ابنتها، من دون أن تتمكن من إقناع الأطباء الذين زارتهم بأن وضعها المادي مزرٍ جدا ، في حين تلجأ أسرة فقيرة قادمة من الرقة إلى إبراز أوراقها الرسمية كلما دعتها الحاجة لعلاج ابنها المصاب بمرض في الدم، أملاً بتعاطف الطبيب، وفي عيادة الرجل المشهور، هناك من جاءت للمعاينة بعد "لمة" من الجيران والأصدقاء!.

الحديث عما يتقاضاه الأطباء من أجور، مؤلم بقدر المرض نفسه، ولا سيما أن آلام الحرب اليومية ضاعفت وهن الأجساد والنفوس، إلى أن ارتبطت سمعة الطبيب وخبرته بأجرةٍ مرتفع ة، ويصح القول أيضا إن ما يبلغه أحدهم من مستوى علمي ومهارة لا يعني دائماً أخلاقيات جيدة، كما يفترض "قسم أبقراط الطبي"، بأن هناك خصالاً معينة يتصف بها الطبيب منها "أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته فيما يلتمسه من أجر، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء"، لكن الطب في نظر البعض وظيفة يأتي رزقها من عدد المرضى وشدة مرضهم، وعليه هم ليسوا جمعيات خيرية تتبرع بالجهد والوقت. تتسع صلاحيات الطبيب أحيانا لتشمل التعاقد مع "صيدليات، شركات أدوي ة، مستش فيات"، ولا يتردد آخرون بطلب فحوصات وتحاليل وعمليات غير ضرورية، ناهيك عمن تضطرهم حالتهم الصحية لاستشارة أكثر من طبيب، والمشكلة أن ما يعتقده بعض الأطباء مبلغا عاديا ، لا يعتبر كذلك لعدد كبير من المرضى. استعراض أجور الأطباء، يصل إلى مبالغ غير مفهومة، لكنها سلطة يمتلكها الطبيب وحده، وبموازاة شهرة طبيب الأعصاب في بداية هذه المادة، هناك شهرة مختلفة للطبيب إحسان عز الدين، لا نذكرها من باب الدعاية، فهو يتقاضى 50 ليرة من المريض، أيا كانت حالته المادية، حتى لا يشعر الفقير بالحرج أو التمييز. وفي عيادته يقول لنا أحد النازحين من الغوطة: السعر الرمزي والسمعة الطيبة دفعاني لزيارة الطبيب "أبو الفقراء"، النية الطيبة تجاه فقراء البلد لم نعد نلمسها عند أطباء هذا الزمن. يقول عز الدين ل"الأيام": العلاقة بين الطبيب والمريض ليست مادية أبدا بل علاقة ثقة روحية، أتلقى مساعدة من شركات الأدوية , لكن كما يقال "وزع البحر بيت وزع"، غايتي ليست المضاربة والمزاحمة، فالأطباء يعرفون أسلوبي وهدفي، والمريض يأتي للعلاج وليس لاستغلالي أو الاستفادة من الأجرة المنخفضة، لا يوجد طبيب "عملة نادرة"، ولا أعتبر أنني أفضل من غيري لكنني لست أقل أبدا ، فرضت على نفسي متابعة آخر المستجدات الطبية، حتى إن كثرة التماس مع المرضى تولد الثقة عند الطبيب فيكون أداؤه بعيدا عن التردد، لدي خبرة جيدة الحمد لله، والزملاء جميعهم فيهم الخير والبركة.

حتى اليوم لا تزال أجور الأطباء في سورية خاضعة للقرار 79 الصادر عن وزارة الصحة عام 2004 ، والمفترض تعديله كل 3 سنوات وكلما دعت الحاجة حسب ما جاء فيه، لكنه لا زال على حاله، رغم كل التغيرات التي طرأت على المجتمع السوري اجتماعيا واقتصاديا ، بالطبع لا أحد يلتزم به، لكنه مبرر لدى البعض لفرض المبالغ التي يرتؤونها.

يشرح نقيب أطباء سورية الدكتور عبد القادر حسن ل"الأيام": السبب يكمن في وزارة الصحة فهي لا تسعى إلى تعديل هذا القرار، رغم إدراكها ضرورة ذلك فالأجور الطبية تبعاً له، لا تتناسب مطلقاً مع الواقع المعيشي لجميع الناس، طالبنا بذلك خلال المؤتمر ال 33 للنقابة، وكانت المقررات بأن تكون الأجور الطبية: للطبيب الاختصاصي 1500 ليرة، للطبيب العام 1000 ليرة، دراسة الملف 2500 ليرة، لكن ذلك لم ينل موافقة الوزارة، بالتأكيد كل الأطباء حالياً يتقاضون أكثر مما هو مقرر، والرقم يرتفع في دمشق تحديداً يؤكد نقيب الأطباء عدم إمكانية محاسبة الأطباء المخالفين، لعدم وجود قرار ينصفهم، بحيث تتم المحاسبة على أساسه بطبيعة الحال، مشيرا إن كان ذلك لا يعتبر مبررا إلى ما يدفعونه من ضرائب، منها ضريبة الدخل التي ارتفعت عشرة أضعاف لتصل إلى 400 ألف، أيضا ارتفعت أجور التمريض وضريبة الدخل عليها، مع "الكهرباء، الهاتف، المياه"، ومن لا يملك عيادته الخاصة يضطر للاستئجار، إضافة إلى ما يتعلق بالتأمين الصحي، فالأجر فيه حتى اليوم 700 ليرة للطبيب الأخصائي، 500 ليرة للطبيب العام، يذهب منها 15 % للنقابة والشركات، إذا ماذا يتبقى للطبيب؟، لذا نرى عددا كبيراً منهم يرفض الاشتراك في التأمين. ارتفاع الأجور لا ينفصل عن سعر المواد المستهلكة، وهذا ما لا يعرفه المواطن كما يرى حسن، فهو كطبيب داخلية، قد تضطره حالة المريض لإجراء تخطيط أو إيكو للقلب، ولا علاقة له بالكشفية، علما أن الوزارة لم تقم أيضا بتعديل ثمن المواد المستهلكة، فسعر بكرة تخطيط القلب كان 4 ليرات، وصل اليوم إلى 600 ليرة، أما سعر جهاز إيكو القلب سابقا كان مليونا ونصف، وصل اليوم إلى 15 مليونا، فكيف يمكن إجراء إيكو قلب ب 1500 ليرة؟

يتابع نقيب الأطباء: في قرار وزارة الصحة، تبلغ كلفة القثطرة القلبية مع المواد المستهلكة 28 ألف ليرة، لكن كلفة المواد المستهلكة تبلغ حاليا 48 ألف ليرة، من دون أجرة المشفى والطبيب، تتقاضى المشافي حاليا 80 ألف ليرة، أيضاً العملية القيصرية مسعرة ب 30 ألف ليرة، كلفتها في المشفى 90 ألف ليرة، بالمحصلة هناك تناقض كبير بين المفترض والواقع، إذا لم تقم وزارة الصحة بتعديل الأجور فالأمور سيئة جدا ، يجب ضمان حق الطبيب والمواطن، وهذا يتعلق بخبرة كل طبيب ومهارته، فالوزارة ذاتها لم تصدر حتى اليوم تسلسل الرتب، لدينا فقط من لديه خدمة أكثر أو أقل من عشر سنوات، يجب أن يكون هناك تسلسل علمي حسب الشهادات التي يملكها الطبيب "اختصاصي أول، استشاري". يشير حسن إلى دور الأطباء العاملين في الجمعيات الخيرية ومراكز الإيواء والمشافي العامة بأجور مخفضة، ومن يقدمون خدمات مجانية في عياداتهم، لتصل الخدمة الطبية إلى المواطن أيا كان ظرفه المادي، لكنه حين يختار العلاج من خلال عيادة طبيب ما رفضه فكرة فهذا قراره، مؤكدا أن عددا من الأطباء لا يقدرون ظروف المرضى. لكن لماذا لم يتم تعديل القرار الصادر عام 2004 لتحديد أجور الأطباء وما يتعلق بها، هل يمكن لوزارة الصحة ضمان حق الطبيب والمريض بما يتعلق بالأجور والكشوف الطبية، وغير ذلك من الإجراءات غير المسعرة؟. توجهنا بهذه التساؤلات إلى وزارة الصحة، وكانت الإجابة إن "الموضوع مؤجل حاليا"، ولا زيادة على ذلك أو توضيح له، يبدو أن المعنيين لديهم مبررات خاصة تتجاهل ظروف الحرب التي يعيشها السوريون، وما حملته من أمراض وإصابات وأوبئة، حتى صارت أعداد المرضى في مختلف العيادات والمستشفيات لافتة، وتحولوا إلى "زبائن" بنظر كبار أطباء أمراض القلب والأعصاب وغيرهم، كأن ضمير هؤلاء يتبدل بمجرد دخولهم العيادة، مفترضين أن القادمين إليهم قادرون دوما على الدفع مقابل العلاج، في حين يتغاضى أطباء حديثو العهد في المهنة، وآخرون فقدوا عياداتهم في الحرب عن الكشفية، ليقدموا العلاج مجاناً. تبعا لنقابة أطباء سورية: عدد الأطباء 35 ألف طبيب، من سددوا رسومهم في النقابة عن عام 2016 ، هم 22 ألف طبيب، ولا ننسى من يقيمون في المناطق الساخنة ولم يستطيعوا التسديد، غادر البلاد حوالي 10 أو 12 ألف طبيب، ومن حصلوا على وثائق للعمل خارج القطر 5 آلاف طبيب خلال مجمل سنوات الأزمة.

لبنى شاكر

مقالة ذات صلة:

70 % من الأطباء الشرعيين غادروا سورية  والباقون 56 فقط! .. الطب الشرعي في سوريا… اختصاص على وشك الانقراض !

الصفحة 24 من 24
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…