21 تشرين1 2018

إنه يوم الاثنين، الخامس عشر من تشرين الأول 2018، يومٌ سيذكره السوريون على جانبي الحدود مع الأراضي المحتلة في الجولان. فبعد أربعة سنوات من المنع القسري لحركة التنقلات بين الجانبين، تنفس الأهالي الصعداء عقب الاتفاق على فتح معبر القنيطرة.

 عادت القوات التابعة للأمم المتحدة (الإندوف) لتستلم إدارة المعبر، وليكون هذا المعبر مفتوحا أمام حركة قوة الإندوف ولجنة الصليب الأحمر فقط، بانتظار فتحه أمام حركة الأشخاص والطلاب قريباً، وأيضاً لاستقبال التفاح الجولاني الشهير في أسواق الوطن الأم، كما جرت العادة منذ سنوات، قبل أن توقف الحرب كل أنواع التواصل بين الأهل على جانبي الأسلاك الشائكة.

 العروس ربيعة... أيقونة السوريين

عروس بثوب زفافها تتقدم وحيدة نحو الضفة المقابلة من الشريط الشائك، لا تقوى على أن تدير بظهرها لأهلها المودعين على الطرف السوري، بينما ينتظرها أهل زوجها المستقبلي على الضفة الثانية من الأراضي السورية المحتلة، فيما ترافق العروس الأغاني الوطنية بدلاً من أغاني الأفراح.

 كانت ربيعة منذر أول عروس تعبر في ثمانينات القرن الماضي من أرض سورية الأم إلى الأراضي السورية المحتلة وتحديدا إلى قرية عين قنية المحتلة. وبقيت ربيعة محرومة قرابة ثلاثين سنة من زيارة أهلها في الأراضي السورية، لتتحول إلى أيقونة في ذاكرة السوريين الذين كانوا يكررون عرض شريط زفافها في كل مناسباتهم الوطنية.

عودة الأمل

نسيبة رضا (أم أيهم) هي أيضا عروس جولانية عبرت من قرية مجدل شمس قبل ثلاثين سنة إلى أرض (سورية الأم) كما يسميها معظم الجولانيين. تقول نسيبة لـ «الأيام»: أعادت أخبار فتح معبر القنيطرة الأمل في نفسي بلقاء أهلي، حيث توقفت الزيارات السنوية التي كانت تحدث منذ العام 2014، كما أنني لم أزر قريتي منذ أكثر من ثلاثين سنة، تتابع نسيبة «أتواصل مع أهلي عن طريق الإنترنت، لكن هذا التواصل غير كافٍ. وتضيف: «توفيت والدتي ولم أكن بقربها، ولم أتمكن من وداعها، كنت أتابع مراسم الدفن عن بعد». وعن الزيارات للأهل تقول نسيبة: في السابق كانت العائلات تذهب إلى الأردن ونلتقي هناك لكن حتى هذا الأمر لم يعد ممكناً، حيث لم يكن بمقدور العائلة بأكملها السفر ولقائنا في الأردن.

وتضيف نسيبة «نأمل في عودة افتتاح المعبر خيرا، كي نلتقي أهلنا من جديد، فنحن نعاني من ضغط كبير، لأننا لم نتمكن من زيارة بيوتنا وأراضينا مرة ثانية بعد أن تزوجنا، فالعرائس يقدمن تضحية كبيرة كي تبقى صلة الوصل بين العائلات موجودة رغم ألم الفراق والبعد. وتتابع: زرت أخي الموجود في الولايات المتحدة وهو الذي تفصلنا عنه بلاد وبحار وسفر أيام، ولم أتمكن من لقاء أخوتي الذين يفصل بيني وبينهم أمتار قليلة، فأين العدل في ذلك؟!

أيهم أكبر أبناء نسيبة، يقول هو الآخر: ولدت وكبرت على أمل أن ألتقي بجدي وجدتي وأخوالي، وها أنا ذا كبرت وتزوجت ورزقت بطفلة وأنا بعيد عن أهلي، مضيفاً: نريد أن نلتقيهم بشكل حقيقي، هذا حقنا.

قوات الاحتلال الإسرائيلية منعت حركة تنقّل العرائس من وإلى سورية الأم منذ عام 2008. لكن في العام 2011 عبرت عروس وحيدة هي (سمر سلمان) من قرية حضر إلى قرية مجدل شمس المحتلة وذلك بعد انتظار دام أربع سنوات، وبالتنسيق بين قوات الصليب الأحمر الدولي وقوات الفصل العاملة في الجولان السوري المحتل «الإندوف».

 يقول أبو هيثم سليمان من أبناء القنيطرة: هناك العشرات من العرائس ينتظرن على طرفي الشريط الحدودي فتح المعبر أمام الراغبين بالدخول، ويضيف «مع الأسف فإن الحركة هي باتجاه واحد تقريبا، فالعرائس اللواتي عبرن من الأراضي المحتلة إلى الداخل السوري غير مسموح لهن بزيارة ذويهن في الجانب الآخر».

«بشارة خير»

يعبّر مختار قرى الجولان عتاب شعلان عن فرحته بأخبار فتح معبر القنيطرة، ويقول لـ «الأيام»: نحن ننتظر بفارغ الصبر الإعلان عن فتح المعبر أمام حركة الأهالي، مضيفا: «نحن نعمل كصلة وصل بين أهلنا في الأراضي المحتلة والوطن الأم، من أجل تسهيل طلباتهم من موافقات عن طريق الوفد العربي السوري تحت مظلة الصليب الأحمر».

ويوضح شعلان بأنه في السنوات السابقة كان العدو الإسرائيلي يسمح للمشايخ وعدد قليل من الأهالي بالدخول إلى الأراضي السورية، معتبراً أن أكثر الفئات تضررا هنّ العرائس اللواتي مضى على زواج بعضهن قرابة ثلاثين سنة دون أن يعدن لزيارة ذويهن في الأراضي المحتلة أو في سورية الأم.

ويضيف: هناك عدد كبير من الطلاب حرموا من الدراسة الجامعية في سورية خلال السنوات الماضية، مشيراً بالمقابل إلى أن أكثر من 1500 طالب، تعلموا في الجامعات السورية وقرابة 200 عروس عبرن من وإلى سورية الأم، وفق اتفاق دولي وتحت مظلة لجنة الصليب الأحمر.

ويقول شعلان بأن العدو الإسرائيلي حاول ومازال يحاول تضيق الخناق على أهالينا في القرى المحتلة، لقطع صلتهم بوطنهم الأم من خلال منع الأهالي بالتنسيق من وإلى سورية، إلا ضمن شروط صعبة. كان أبرزها محاولة فرض الهوية الإسرائيلية إلا أن أهالينا رفضوا هذا الأمر.

ويقيم داخل الأراضي المحتلة أكثر من 25 ألف نسمة من السوريين الذين صمدوا في وجه الاحتلال، ويتوزعون ضمن عدد من القرى هي مجدل شمس- بقعاثا- عين قنية-مسعدة، إضافة سكان قرية الغجر. ورفض جميع سكان هذه القرى الهوية الإسرائيلية.

لا لقرار الضم

 رفض أبناء الجولان المحتل قرار الكنيست الإسرائيلي الصادر في 14كانون الأول 1981 فيما يسمى بـ «قانون الجولان» الذي فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان، وهي تضم المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية من 1923 وخط الهدنة من 197.

لم يعترف المجتمع الدولي بالقرار ورفضه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قرار برقم 497 في 17 كانون الأول 1981. وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى منطقة الجولان باسم «الجولان السوري المحتل».

مؤخرا حاولت سلطات العدو الإسرائيلي فرض انتخابات مجالس الإدارة المحلية على القرى الواقعة تحت سيطرتها، وجاء ذلك في رسالة بعث بها رئيس حزب «شاس» ما يسمى بوزير الداخلية في حكومة العدو الإسرائيلي «أرييه درعي»، إلى رؤساء المجالس المحلية المعينة في القرى الأربع، مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، وعين قنية، أبلغهم فيها أن وزارة الداخلية تقوم حاليا ببحث الخطوات اللازمة لإدارة المجالس المحلية في المرحلة الانتقالية، حتى موعد الانتخابات القادمة نهاية شهر تشرين الأول.

لكن الأهالي الذين تواصلت معهم «الأيام» أكدوا رفضهم المشاركة في هذه الانتخابات لأنها انتخابات غير شرعية لحكومة محتلة، مؤكدين أن أي محاولة من قبل العدو الإسرائيلي لتسويق صورته على أنه مرغوب به في الجولان المحتل لن تمر. مضيفين «كما حرّمنا حمل الهوية الإسرائيلية في ثمانينات القرن الماضي، ودعونا إلى مقاطعة من يحملها من أبنائنا، سنقوم بهذا الأمر في الانتخابات القادمة ولن تمر».

محاولات لطمس الهوية

ست حصص للغة العربية وكذلك للغة الإنكليزية وخمس حصص للغة العبرية خلال الأسبوع. ويقول أحد المدرسين من أبناء الجولان المحتل وهو من المقيمين داخل القرى المحتلة (فضل عدم ذكر اسمه خشية من انتقام قوى الاحتلال)، لـ «الأيام»: نحن نحاول أن نبقي أبناءنا على صلة مع لغتهم وتاريخهم العربي، وسط التشويه الذي يحاول أن يفرضه المنهاج الإسرائيلي المفروض على مدارس الجولان المحتل.

ويتابع: كانت فرحتنا كبيرة جدا يوم تقرر فتح المعبر، حيث لم يهدأ الأهالي من فرحتهم.

 ويضيف أنا من الطلاب الذين أكملوا دراستهم الجامعية في دمشق إلى جانب عدد من أبناء الجولان المحتل، وأتمنى أن يتمكن بقية أبنائنا من الدراسة في سورية الأم، كي يبقوا على تواصل مع أبناء باقي المحافظات السورية. ويتكون لديهم ذاكرة حسية عن بلدهم الأم يحملونها معهم وينقلونها إلى أبنائهم.

محاولات خنق

لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بمنع عبور السوريين بين جانبي الوطن، حيث منع أيضا مرور تفاح الجولان إلى أرض سورية الأم، كما قام بحسب ما يذكر فلاحون من أبناء القرى المحتلة لـ «الأيام» بكسر سعر التفاح الجولاني كي يتسبب بأكبر خسارة ممكنة للفلاحين.

ويقول أحد الفلاحين من أبناء الأراضي السورية المحتلة، إن العدو الإسرائيلي يدّعي بأنه يقوم بمساعدة الفلاحين في تحسين إنتاجهم من التفاح من خلال رش أشجار التفاح بمبيدات حشرية تكافح الأمراض، ليتضح لنا فيما بعد أن العدو يقوم برش أنواع معينة من المبيدات تحافظ على الشكل الخارجي السليم للتفاح لكن في الوقت ذاته يؤدي إلى تشكل دود صغير جدا يؤدي إلى تلف التفاح من الداخل مع بقاء شكله الخارجي بحالة جيدة.

ويضيف أحد أبناء مجدل شمس بأن العدو الإسرائيلي يفرض ضرائب مرتفعة جداً على أبناء القرى المحتلة من فواتير مياه وكهرباء، إضافة إلى فرض ضريبة سكن تسمى «ضريبة أرنونا» وتفرض على القاطنين في هذه القرى وتتم معاملتنا وكأننا مستأجرون ولسنا أصحاب أرض وحق، إلى جانب حرماننا من رخص البناء.

عين على الجولان:

عقود وسنوات مرت على السوريين عامةً، وعلى أهل الجولان بشكلٍ خاص، ينتظرون انجلاء ليل الاحتلال.

هنا في الوطن الأم يحلمون بضم هذا الجزء الغالي والعزيز من سورية، في يوم يرونه قريباً، وهناك في جولان القلب تهفو نفوس الجولانيين للمّ الشمل مع وطنٍ يعدون الأيام والليالي للعودة إلى حضنه الدافئ...

السوريون جميعاً... وأهل الجولان ضمناً يؤمنون، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بأن هذا اليوم بات قريباً... أقرب من صدى صرخة مشتاق في «وادي الصراخ».

نسرين علاء الدين
 
21 تشرين1 2018

في دمشق وريفها42 منطقة مخالفات على الأقل، موزعة على مساحة تزيد عن 15 ألف هكتار، ومنذ عام 2007  قدر المكتب المركزي للإحصاء أن ما يقارب 45% من سكان دمشق يسكنون في منازل عشوائية ومناطق مخالفات، أطفال هذه المناطق يشكلون نصف أطفال دمشق تقريباً، يدفعون ضريبة ذنب لم يرتكبوه، فسكنهم في أماكن عشوائية جعلهم ضحية روضات عشوائية، لا تحقق الشروط الصحية والتربوية في كثير من الأحيان، فهي أقل من أن تحصل على ترخيص أو رقابة، ليمضي فيها أولئك الأطفال سني حياتهم الأولى دون أن يجدوا من يحمي طفولتهم...

 الأمر الواقع

عشرات الروضات في تلك المناطق تزاول عملها بشكل طبيعي منذ سنوات، وهي غير مرخصة، وبالتالي فهي غير مراقبة، ولم تجد تلك الروضات من يغلقها أو يرخص لها.

ونظرا للحاجة الماسة إلى روضات في تلك المناطق يسلّم الأهل بالواقع المرير ويوكلون أمرهم لله، ولذمة إدارة الروضة، فالروضات الأخرى في المدينة بعيدة عن سكنهم أولاً، وعن قدرتهم المادية ثانياً، وأقساط الروضات في تلك المناطق أقل من غيرها، وتتناسب مع الوضع الاقتصادي للعائلات التي تسكن بجوارها.

وزارة التربية أكدت أنه لا مانع من إعطاء تلك الروضات الترخيص إلا أن الواقع جاء مغايراً تماماً، فمنطقة المزة 86 على سبيل المثال والتي يسكنها أكثر من مليون ونصف شخص حسب إحصاءات غير رسمية، ليس فيها إلا روضة واحدة مرخصة، أما باقي الروضات فمنها من أعجبه أن يكون بعيد عن أعين الوزارة، ومنها من لم يستطع الحصول على الترخيص، حيث توقفت المحافظة عن منح التراخيص بعد عام 2004.

مدير التعليم الخاص في وزارة التربية محمد غيث شيكاغي أكد لـ «الأيام» أنه يتم منح التراخيص بموجب موافقة الوحدة الإدارية وأحكام المرسوم التشريعي رقم /55/ وتعليماته التنفيذية (للرياض والمخابر)، شريطة تقديم تعهد من طالب الترخيص مصدق أصولاً وموثق لدى الكاتب بالعدل بعدم مطالبة وزارة التربية بأي عطل أو ضرر في حال تم تنظيم المنطقة وألغي ترخيصه بسبب فقدان المقر، أما بالنسبة لترخيص المدارس الخاصة فقد حددت بقرار الإدارة المحلية داخل المخططات بمساحة عقار لا يقل عن /1000/م2، داخل المخططات و/4000/ م2 خارج المخططات.

ونظم المرسوم /55/ لعام 2004 عمل المؤسسات التعليمية الخاصة للتعليم ما قبل الجامعي، واضعاً العديد من الشروط والمعايير الضرورية لأبنية رياض الأطفال، تتعلق بالمساحة والبناء والتناسب مع عمر الطفل والتهوية والمرافق ودرجة الأمان وغيرها.

 «مقسوم لا تاكل... وصحيح لا تقسم»

الترخيص لإحداث مؤسسة تعليمية يحتاج موافقة المحافظة، والتي حددت الأوراق المطلوبة للمتقدم بالترخيص في مناطق المخالفات الجماعية، وأول تلك الأوراق في تعميها الذي اطلعت عليه «الأيام» سند الملكية «طابو» حصراً، وهو ما لا يمكن أن يحصل عليه أحد في منطقة العشوائيات، فليس لدى مالك أي عقار هناك «سند ملكية» حقيقي، إضافة إلى عدة طلبات أخرى «تعجيزية» في تلك المناطق مثل، ربط تعهد كاتب بالعدل، علما أنه لا يمكن الحصول عليه أيضاً في مناطق العشوائيات. وفي النهاية لن تستطيع أي روضة في تلك المناطق الحصول على الترخيص من مبدأ «مقسوم لا تاكل... وصحيح لا تقسم».

 بيئة غير مناسبة

الاختصاصية التربوية تهاني القصاص أكدت لـ «الأيام»، أن عدم حصول الروضات على التراخيص خطر جداً، فالشروط الصارمة التي وضعتها وزارة التربية في هذه الحالة ستكون مستباحة، خاصة فيما يتعلق بدرجة الأمان التي يجب أن تتوفر في رياض الأطفال نظرا لصغر سن الطلاب. وهناك الكثير من الروضات التي تعمل حاليا، وفيها المئات من الأطفال وهي غير مستوفيه لتلك الشروط، ما يعرّض حياة الطفل للخطر، إضافة إلى عدم توفر الشروط الصحية كأن تكون الروضة غير مشمسة وتهويتها غير مناسبة أو أسقفها منخفضة، ما يعرّض صحة الأطفال للخطر أيضاً.

وتؤكد القصاص أنه من الضروري أن يكون هناك حل جذري لهذه المشكلة إما بالنظر في شروط ترخيص تلك الروضات، أو في إغلاقها إن لم تستطع الحصول على التراخيص لأن الموضوع يتعلق بحياة الأطفال وسلامتهم، إضافة إلى أن سنوات الطفل في الروضة هي من أهم سني حياته، ولابد من وجود رقابة صارمة عليها خاصة ما يتعلق بتوفير الأجواء المناسبة للعب والعلم والترفيه، لأن أي تقصير في الروضة من الممكن أن يؤثر في تكوين شخصيته، إن لم تتعرض صحته للخطر، وهناك حوادث كثيرة حصلت في روضات كان سببها الأول إهمال شروط السلامة.

وتشير قصاص إلى أن هذا الموضوع يشمل شريحة واسعة من الأطفال خاصة مع انتشار العشوائيات، وازدياد أعداد السكان فيها نتيجة نزوح أهالي الأرياف والمحافظات الأخرى إليها، ما يستدعي الإسراع في الحل وعدم ترك الأطفال في عشوائية الروضات عرضة للأذى. فهذا الجيل، الذي تعرض للضغط النفسي الكبير بسبب الحرب التي تعيشها البلاد، من حقه علينا على الأقل أن نوفر له بيئة مناسبة للعب والعلم؟

وفي جولة لـ «الأيام» على عدد من تلك الروضات يظهر جليا المخالفات الكبيرة التي تعيشها، سواء من حيث الفسح الخارجية أو الداخلية وحتى تجهيز البناء واكتظاظ الطلاب، هذا إلى جانب الأساليب غير التربوية التي تلجأ لها بعض تلك الروضات دون رقيب أو حسيب، غير مكترثة إن كان لديها ترخيص أو لا، بالمقابل قلة منها تستوفي الشروط رغم أنها بلا ترخيص.

بادرة متأخرة

وكبادرة جيدة لكنها متأخرة، رفعت مديرية التعليم الخاص في وزارة التربية للوزير حسب ما أشار شيكاغي، طلباً لإرسال الضابطة العدلية في مديرية تربية دمشق إلى منطقة المزة 86، لإغلاق 20 روضة مخالفة، بعد أن وصل للوزارة شكوى بهذا الخصوص، مؤكداً أن كل روضة لم تحصل على الترخيص سيتم إغلاقها ويدفع مالكها غرامة 500 ألف ليرة سورية حسب المرسوم رقم 7 لعام 2017، إضافة إلى متابعة المخالفات الأخرى واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقها.

 ترخيص للإيجار

بعض أصحاب الروضات وبعد أن فقدوا الأمل في الحصول على ترخيص لروضاتهم وجدوا ما يسمح لهم ضمن القانون بإنشاء تلك الروضات في مناطق المخالفات، حيث ينص المرسوم التشريعي رقم /55/ في المادة 14 منه أنه يجوز نقل مقر المؤسسة التعليمية الخاصة من مكان إلى آخر، بعد الحصول على موافقة الوزارة. وعلى من يرغب في نقل مؤسسته، أن يقدم طلباً للمديرية، مبيناً أسباب النقل، وتقوم لجنة البناء المدرسي بمعاينة المقر الجديد للتأكد من مطابقته المواصفات المطلوبة في هذه التعليمات.، ويجوز نقل مقر المؤسسة التعليمية الخاصة من محافظة إلى أخرى، وعلى من يرغب في نقل مؤسسته، أن يقدم طلباً للمديرية التي يوجد فيها الأصل مع وثيقة من مديرية العمل تثبت عدم وجود مطالب، أو حقوق عمالية تحيلها المديرية، مشفوعة برأي اللجنة الفرعية إلى مديرية التربية في المحافظة المراد النقل إليها، لاتخاذ كافة الإجراءات المتعلقة بترخيص المقر الجديد أصولاً.

وبناء على هذا المرسوم يؤكد مدير أحد الروضات في مناطق المخالفات أنه لجأ إلى «استئجار» ترخيص لتكون روضته مرخصة، حيث استأجر مرة ترخيص لروضة في منطقة عربين، ومرة أخرى لروضة في حمص، ويدفع سنويا لصاحب الروضة مليون و250 ألف، مقابل إعطائه الترخيص، وذلك يتركه تحت رحمة صاحب الترخيص الأساسي، والذي يرفع له الأجرة بشكل سنوي حيث بدأت ب 500 ألف ليرة، ثم ازدادت كل عام، مضيفاً أن نقل الترخيص ليس ممكنٌ دائما، فمن الممكن ألا يسمح به بعد أن تعود الخدمات في المناطق المهدمة، حيث يستند النقل حاليا على أساس عدم قدرة الروضة على العمل في منطقة مهدمة لذا تم نقلها.

ويلفت المدير إلى أن روضته مطابقة للشروط والمواصفات وحصلت على موافقة اللجنة لقبول طلب نقل الترخيص، متمنياً لو أنه يستطيع ترخيصها بشكل رسمي بدلا من هذا الالتفاف، ويشير المدير إلى أنه من غير المنطقي الامتناع عن إعطاء التراخيص للروضات، من قبل المحافظة فيما يتم إعطاء تراخيص مشابهة للصيدليات والأطباء والمراكز الصحية في المناطق نفسها.

 روضة واحدة برخصة

قبل عام 2004 كانت الشروط تسمح بإعطاء التراخيص للروضات والمؤسسات التعليمية في مناطق المخالفات، إلا أن ذلك توقف بعدها، وفي منطقة المزة 86 وهي النموذج الذي تناولته «الأيام» في تحقيقها وحالها كحال باقي العشوائيات، لا يوجد إلا روضة واحدة حصلت على ترخيص قبل عام 2004 وهي تعمل حتى الآن، واللافت أن هذه الروضة لا تستوفي جميع الشروط التي حددتها الوزارة فسقفها على سبيل المثال 2.5 بينما المطلوب فوق 3 أمتار، إضافة إلى أن درجة الأمان فيها غير كافية، في المقابل روضات في المنطقة نفسها تستوفي الشروط ولا تستطيع الحصول على ترخيص.

ويؤكد مطلعون على واقع الروضات في المنطقة أن السبب في عدم منح التراخيص يعود إلى مصالح شخصية، حيث يملك بعض المتنفذين في الوزارة روضات في مناطق نظامية قريبة من العشوائيات وليس من مصلحتهم فتح تلك الروضات ذات الأجور المنخفضة بالقرب من روضاتهم.

ويشير هؤلاء إلى أنه كان هناك قرار تتم دراسته لتسهيل منح التراخيص في مناطق السكن الجماعي عام 2010 إلا أنه توقف لأسباب مجهولة.

 مناطق غير شرعية

تحتل مناطق المخالفات الجماعية، مساحة واسعة من سورية يسكنها ملايين السوريين، إلا أنها خارجة عن الخدمة في أحيان كثيرة بتهمة أنها «غير شرعية»... حيث يتجاهل المعنيون ضرورة الحفاظ على أرواح هؤلاء الملايين من السوريين الذين يقطنوها خاصة الأطفال منهم.

وعلى الرغم من أن مصلحة وزارة التربية يكمن في ترخيص الروضات في مناطق العشوائيات، لتسهيل مراقبة عملها إلا أنها حتى الآن لم تحرك ساكناً، تاركة حياة أطفال العشوائيات وصحتهم بيد روضات غير مسجلة في سجلاتها، وخارج نطاق رقابتها، خاصة مع انتشار تلك المناطق وارتفاع عدد السكان فيها، حيث تشير إحصائيات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية إلى توسع تلك المناطق بنسبة 220% بين العامين 1994 و2010، فكيف هو حالها بعد الحرب...؟!

ولا ننتظر اليوم أن تترجم وعود الوزارة بإغلاق تلك الروضات فقط، نظراً للحاجة الماسة لها، بل للعمل على تسهيل منح التراخيص التي استوفت شروط ذلك الترخيص الفنية، بعيدا عن بيروقراطية الأوراق الرسمية الغائبة فعلياً في تلك المناطق، وذلك بالتعاون مع الجهات المعنية الأخرى، على أمل أن يمضي أطفال سورية في رياض الأطفال الخاصة بهم، طفولتهم بسلام

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…