18 تشرين2 2018

في الوقت الذي أعلنت فيه ألمانيا أنها فارغة من القمامة، وفتحت الباب لاستيراد القمامة من الخارج، بعد أن وجدت الشركات الألمانية «كنوزاً فيها»!، ما زالت القمامة في سورية عبئاً متراكماً، حيث يتم التخلص منها بأبشع الطرق البيئية، من دون أن ننجح حتى في ذلك، فكم نحتاج حتى نفكر فعلياً في الاستفادة منها!

  14 مليار لترحيل القمامة

تفرز القمامة في العديد من البلدان المتقدمة وتحوّل إلى سماد وطاقة وورق وغير ذلك، ما يعد من أنجح الاستثمارات كون المواد الأولية موجودة ومجانية، وهذا يعود بمردود عال على تلك الدول، ما جعلها تفكر باستيراد كميات إضافية من القمامة...

أما في سورية، فنصرف المليارات سنويا للتخلص من القمامة بدلا من التفكير باستثمارها، فترحيل نحو مليون طن من النفايات سنوياً من مدينة دمشق التي زاد عدد سكانها عن 8 ملايين نسمة، حسب ما أفادت المحافظة في وقت سابق، يصل إلى نحو 5 مليارات ليرة سورية، أي بمعدل 625 ليرة للفرد سنوياً، و1.7 ليرة يوميا للفرد الواحد.

ما يعني أن كلفة ترحيل القمامة تصل إلى حوالي 14 مليار ليرة سورية سنوياً، بما أن عدد سكان سوريا 22 مليون نسمة (بافتراض الإنفاق على الفرد في دمشق هو ذاته في كل المحافظات)، هذا عدا عن نفقات أجور العمال، وصيانة الآليات التي تكلف الواحدة في السنة مليون ليرة.

وعلى الرغم من هذه التكاليف العالية نسبياً، ما زالت القمامة منتشرة في مناطق عديدة من دمشق، خاصة مناطق المخالفات، ومن ريف دمشق، مثل جرمانا وقدسيا، حيث تتكدس القمامة في الحاويات وحولها وعلى الأرصفة ما يعني انتشاراً للحشرات والروائح الكريهة والأمراض. وحجة المعنيين هي نقص العمالة، حيث انخفض عدد عمال النظافة خلال الحرب إلى أكثر من النصف في أغلب المناطق، إلا أن الوضع لم يكن أفضل بكثير قبل الحرب، فالمشكلة قائمة منذ زمن طويل، والمعنيون يفكرون بحلول مؤقتة وضيقة، بدلا من إيجاد حلول تحوّل صرف الأموال على التخلص من القمامة، إلى استثمار يجلب المال.

 حرق عشوائي

عجْز الجهات المعنية عن التخلص من القمامة المنتشرة في العديد من المناطق دفع السكان في تلك المناطق إلى حرق هذه القمامة بشكل تطوعي وعشوائي، فلابد من التخلص منها ولو بطرق خاطئة، وتنتشر ظواهر حرق القمامة،  في بعض بلدات ريف دمشق وحتى أحيانا في المناطق العشوائية من دمشق، وتعليقاً على ذلك يقول عبد الرزاق دويرية مدير التخطيط الإقليمي في محافظة ريف دمشق لـ «لأيام»: إن موضوع المحارق الخاصة، مرفوض تماما وهو ضار جدا على البيئة، لأن حرق مكب القمامة يؤدي إلى تلوث وضرر كبير وهذا ممنوع منعا باتاً، موضحاً أنه تم التعامل مع الحالات التي وردت إلى المحافظة بهذا الخصوص ومعالجتها، لمنع تكرارها، من دون أن يخوض دويرية في تفاصيل تلك الحالات.

 من جهته يرى الدكتور فاروق العادلي «وزير بيئة سابق» أن اللجوء إلى حرق النفايات للتخلص منها، حل سيء لكثير من الأسباب، منها خسارة الدخل الذي كان يمكن الحصول عليه في حال إعادة تدويرها، وتلويث الجو بالغازات الضارة والسامة، والإضرار بصحة المواطنين والكائنات الحية، إلى جانب تشويه المنظر العام وانتشار الروائح الكريهة، مع احتمال إشعال الحرائق في المناطق المجاورة.

مضيفاً: عملت بعض الدول على إصدار قوانين صارمة منها منع طمر النفايات في باطن الأرض، إضافة إلى تخصيص بعض الدول أكياسا خاصة بكل نوع من النفايات، فالأصفر للورق والكرتون، والأزرق للبلاستيك والمعادن، والأخضر لمخلفات الحدائق، والأبيض لبقية المخلفات.

وعن طمر النفايات يقول العادلي، ربما يكون أفضل حل سيء في الوقت الراهن إذا تم تنفيذها وفق الاشتراطات المعروفة وإذا اعتمد كحل مؤقت.

والحل المثالي لمشكلة النفايات حسب العادلي، هو فرزها من المصدر وإعادة تدويرها لتوليد الطاقة والحصول على مواد مفيدة.

 3000 طن يومياً

وعن آلية التخلص من القمامة في دمشق يقول عماد علي مدير النظافة في محافظة دمشق إن في المحافظة 27 مركزا لتجميع القمامة وتصل كمية القمامة يوميا من 2500 إلى 3000 طن يتم ترحيلها إلى مقلب «الأحدعشرية» في منطقة باب شرقي وهناك توجد آليات لنقلها لمعمل المعالجة قي «الجارونية» بريف دمشق، موضحاً أن المعمل يعالج القمامة بالطمر بالأتربة وبآلية المنافس؛ وهي عبارة عن أنابيب مغلقة لتجميع غاز الميتان، وهو غاز غالي الثمن من الممكن الاستفادة منه مستقبلا. والقسم الآخر يفرز داخل المعمل ليتم تحويله إلى سماد حسب قدرة المعمل الإنتاجية.

 أما في ريف دمشق فمن الصعب إحصاء كمية القمامة، حسب دويرية، والذي أوضح أنه لا يمكن تحديد كمية القمامة في ريف دمشق لأن المساحات واسعة وأحيانا تتحمل الوحدات الإدارية موضوع نقل القمامة وترحيلها.

 معامل منتهية الصلاحية

معامل تحويل القمامة في سورية قليلة جداً وإمكانياتها متواضعة حيث يوجد معمل في طرطوس أُحدث عام 2011، يحوّل القمامة إلى سماد وهو أفضل الموجود، أما المعمل الثاني فموجود في القنيطرة، إلا أنه توقف عن العمل لفترة طويلة نتيجة الحرب، والمعمل الثالث لمحافظتي دمشق وريفها، وهو معمل قديم غير قادر إلا على معالجة كمية قليلة من قمامة دمشق وريفها.

 ويوضح مدير هذا المعمل، موريس حداد، أن المعمل تأسس لمعالجة القمامة في دمشق عام 1990، وهو يحوّل القمامة إلى سماد لكنه لا يعالج إلا جزءا صغيرا من القمامة، ما يقارب 150 طن من القمامة بينما تبلغ كمية القمامة اليومية 3000 طن.

لافتاً إلى أن عمر المعمل الفني منتهٍ، فهو يعمل منذ 28 سنه بينما عمره الفني 15 سنه، مضيفاً: نحاول بالإمكانيات المتاحة أن نجعله يستمر في عمله، فحتى الشركة التي صنّعته لنا باتت تعمل في مجال آخر، ويشتري الفلاحون في المناطق القريبة للمعمل، السماد منه وهو يقدم كمية لا بأس بها إلا أنها ليست كافية.

 المواطن غير متعاون

تدعم الحكومة قطاع النظافة بنسبة 97.7 % في وقت يساهم المواطن بأقل من 2.3 % من تكاليف النظافة، والحقيقة أن أي مشروع للاستفادة من القمامة لا يمكن أن يتم إلا بتعاون المواطن الكامل، فالفرز يبدأ من المنزل وهذا ما تعتمد عليه الدول المتطورة في هذا المجال، أما في سورية فهناك تجربة خجولة قامت بها محافظة دمشق على منطقة شرق التجارة، وعلى الرغم من أن التجربة كررت عدة مرات خلال السنوات الماضية إلا أن نتائجها لا تذكر، ويوضّح ذلك، مدير النظافة: بالنسبة لفرز القمامة نعمل حاليا على منطقة شرق التجارة حيث وضعنا حاويات للفرز إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى وعي المواطن وتعاونه، ونتشارك في ذلك مع وزارة البيئة ومن المفترض أن يكون هناك حملات لنشر الوعي في المدارس ووسائل الإعلام، لأن الفرز إن لم يبدأ من المنزل لن يكون مجدياً.

مؤكداً أن النتائج حتى الآن بسيطة، ونحاول تعميق الفكرة عند المواطن فهو غير معتاد على ذلك وحتى الآن لا يشعر بأن الشارع والمنزل يجب المحافظة على نظافتهما بنفس الدرجة.

ويلفت علي، إلى أن إهمال القمامة والتخلص منها بطرق غير حضارية، موضوع خطير على البيئة ونحن سباقين في هذا الموضوع مقارنة بالدول المجاورة، أما بالنسبة للدول الأوروبية ففي منازل المواطنين هناك عدة حاويات للفرز ما يسهل العمل.

والحقيقة أن بعض الدول ألزمت المواطنين بقوانين صارمة أصبحت جزءاً من روتينهم المعتاد، حتى سادت ثقافة بينهم بضرورة فرز النفايات بدءاً من المنزل.

و يرى فاروق العادلي، أن على المواطن التقييد بالإجراءات البسيطة كخطوة أولى، منها عدم رمي النفايات إلا في الحاويات المخصصة لذلك وفي أكياس مغلقة وفي الأوقات المحددة، إضافة إلى عدم حرق النفايات للتخلص منها لما تسببه من أمراض، وتخصيص أماكن محددة لرمي البطاريات حصرا فيها، مؤكداً أن كل ما ذكر أعلاه يشترط لنجاحه أن يتم بالتنسيق ما بين الدولة والمواطنين.

 ويؤكد الوزير السابق إلى أن الكثير من الدول سبقتنا إلى تدوير القمامة، فمعظم دول العالم تمارس إعادة تدوير النفايات وتحصل بالنتيجة على طاقة وأسمدة ومواد بناء بأرخص الأسعار، وفي بعض دول العالم يتم فرز النفايات من المصدر مما يوفر جهودا كبيرة على عملية إعادة التدوير، لافتاً إلى أنه في اليابان مثلا يخصص كل يوم من أيام الأسبوع للتخلص من نوع معين من أنواع النفايات، وفي معظم دول العالم يمنح ترخيص البناء متضمنا إلزام صاحب العلاقة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع التلوث الناجم عن الغبار والنفايات والضجيج وتشويه المنظر العام، وفي بعض دول العالم لا يسمح بالتخلص من أثاث مهترئ أو أوان أو تجهيزات قديمة إلا بموجب ترخيص معين ولقاء رسوم معينة.

 تجارب متقدمة

ويؤكد العادلي أن التوعية أمر مهم جدا وفي معظم دول العالم تتم التوعية البيئية في المدارس ورياض الأطفال وفي داخل الأسرة، ومن الواضح أن ما وصلت إليه الكثير من الدول في سلامة البيئة ما كان ليتم لولا وعي المواطن ومشاركته وشعوره بالمسؤولية.

وتستفيد الحكومات في الدول المتقدمة من النفايات بتحويلها إلى طاقة، ويهدف الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تدوير 50% من النفايات بحلول عام 2020، بالمقارنة مع 35% عام 2010، و23% عام 2001.

ويرى العادلي أن أحسن طريقة للتعامل مع القمامة هو فرزها من المصدر وإلا فسيترتب جهد كبير في حال فرزها بعد جمعها... ففي اليابان على سبيل المثال (باعتبار أن المواطنين متعاونون في سبيل خدمة بلدهم) يتم فرز النفايات من قبل المواطنين مباشرة في بيوتهم ومكاتبهم ومؤسساتهم فلا تضطر البلديات إلى استخدام آليات فرز النفايات بل يقومون بمعالجتها وإعادة تدويرها مباشرة فيحصلون بالنتيجة من هذه النفايات على أسمدة طبيعية للمزروعات وعلى منتجات بلاستيكية ومواد بناء لرصف الطرق.

عروض تنتظر التطبيق

هناك العديد من المشاريع التي تتعلق بتكرير القمامة كان من المفترض أن تبدأ في سورية منذ سنوات إلا أنها توقفت، اليوم هناك توجه للاستثمار في القمامة مجدداً، إلا أن جميع المشاريع المطروحة ما زالت قيد الدراسة، حيث يقول مدير التخطيط في ريف دمشق: إن مسألة تدوير القمامة مسألة مهمة وهناك عدة شركات أجنبية تريد الاستثمار في هذا المجال من خلال تحويل القمامة إلى سماد أو غير ذلك.

مؤكداً أن عام 2019 سيشهد البدء بشكل فعلي للاستثمار في القمامة في سورية من قبل عدة شركات، ويلفت دويرية إلى أن العروض بدأت تصل إلى محافظة الريف بهذا الخصوص، «لدينا عرضان من شركتين لإقامة مراكز تدوير القمامة أحدهما في جرمانا والآخر في التل، بهدف تحويل القمامة إلى سماد أو غاز في مرحلة متقدمة، وهما الآن قيد الدراسة».

 ويؤكد موريس حداد من جهته أنه وضمن الخطة القادمة سيكون هناك مراكز معالجة لتوليد الطاقة من القمامة، وحالياً تتم تهيئة البنى التحتية لمكان إنشائها، حيث سيكون هناك مركز في نجها، وآخر في رخلة، وستطرح هذه المراكز قريبا جدا للاستثمار.

لافتاً إلى أنه تم ترك نوع الاستثمار في القمامة للمستثمر نفسه سواء تحويلها لسماد أو توليد الكهرباء بالحرق أو تحويلها إلى فيول وطاقة.

 تفعيل القانون... فقط

من وجهة نظره يرى فاروق العادلي أن ما يطمئن إلى حد كبير أنه يوجد في سورية قانون وأنظمة بيئية سيكون لها دور أساسي إذا تم تفعيلها من قبل وزارة الإدارة المحلية والبيئة، متمنياً لو تمت المحافظة على وزارة مستقلة للبيئة ذات صلاحيات واسعة، خاصة ونحن مقبلون على إعادة إعمار سورية.

لودي علي
 

11 تشرين2 2018

 «نأسف لإزعاجكم ولكننا نعمل لأجلكم» هي العبارة الأولى التي تصادف المسافر على الطريق الدولي «حمص-طرطوس».

ماهي إلا بضع كيلومترات وستقرأ عبارة أخرى «إلزم اليمين من فضلك» لتلمح لاحقاً رجلاً يرتدي اللون الأخضر البراق ويحمل رايتين لينذر السائقين بأن الطريق تم تحويله إلى جهة أخرى.

وهكذا، سترى بأن معظم الطرقات السريعة تخضع للصيانة والإصلاح الدائمين، وعلى الرغم من هذه الحركة المستمرة في صيانة الطرق والأوتسترادات فإن الواضح أننا أمام «حركة بلا بركة»، فنعوات الموت بحوادث السير تملأ الجدران، ولأننا ممن لا يرغبون في البحث عن الأسباب الحقيقية وراء هذا النوع من الموت المتنقل على طرقاتنا، فقد استعضنا عنها بسبب وحيد: «قضاء وقدر»!

إلا أن القائمين على تنفيذ طرقات السوريين وأوتستراداتهم لا ينفكّون يؤكدون على أن كل الطرقات والأوتسترادات «معدّيها العيب» وأنها تنفّذ بأفضل المواصفات والمعايير الدولية، حتى أن وزير النقل خرج علينا يوماً ليعلن للسوريين بأن «طرق بلادهم» أفضل من طرقات جنيف!

قضاء وقدر

 قبل عشرة أعوام، وخلال ندوة عُقدت في نقابة المهندسين باللاذقية، انبرى أحد المهندسين للحديث عن واقع الأوتسترادات الدولية، قائلاً «إننا نتألم كثيرا عندما نرى أن عدد الناس التي توفيت بسبب الحوادث المرورية أكبر بكثير من عدد المتوفين في الحروب».

وأضاف «بعضنا يعدّ طريق دمشق اللاذقية طريقا سريعا، وفي حقيقة الأمر هو ليس كذلك، لأنه غير معزول ولا يوجد أي تقاطع، ونقاط الوصل كافة يجب أن تكون عُقدا وعبر مسافات أمان، وهو ما يعني أن السرعة المحددة بـ 120 كيلومترا في الساعة على هذا الطريق هي سرعة خاطئة، والسرعة المناسبة لحالته هي بين 60 و80 كيلومترا في الساعة، خاصة وأنه في أي لحظة من الممكن أن تخرج إلى الطريق الرئيسي دراجة أو جرار»، ليأتيه الرد على لسان أحد المعنيين بالمرور: «هل تريد أن يستغرق الطريق 8 ساعات؟»

فأجاب المهندس «أرى أن تصل بـ 8 ساعات أفضل من ألّا تصل أبدا».

وعلى الرغم من خطورة الأمر إلا أن المعنيين حتى اليوم لم يتمكّنوا من ربط السلامة المرورية بالحالة الفنية للطرقات، فأصموا آذانهم واتجهوا إلى تدشين مزيد من الإخفاقات.

على الضفّة الأخرى

في الوقت الذي لم تتوان فيه الحكومة للحظة عن تدشين عدد من المشاريع الطرقية الجديدة، يقبعُ في الضفة الأخرى من الوطن عائلات مهجرة لم تجد مسكناً ولا مأوى، الأمر الذي جعل عددا من الخبراء الاقتصاديين يرون ضرورة إعادة ترتيب الحكومة لأولوياتها، خاصة وأن موضوع السكن اليوم من المفترض أن يكون على القائمة البيضاء السريعة التنفيذ.

وبنظرة سريعة على المشاريع التي تم تدشينها لهذا العام نرى أنه قد تم تأهيل طريق درعا بكلفة 500 مليون ليرة سورية، بالإضافة إلى متحلق حول مدينة جبلة بطول 4.2 كم وبقيمة 3 مليار ليرة سورية، وتحويلة الحفة التي تصل بين اللاذقية وصلنفة بكلفة مليار و200 مليون، مع عدد من المشاريع الطرقية في محافظة طرطوس بقيمة 15 مليار ليرة سورية.

لكن، وبالرغم من هذه الكلفة الكبيرة لتلك المشاريع الطرقية والتي يرى البعض أنها مبرّرة نتيجة التضخم الحاصل، إلا أن سوء التنفيذ والجودة المتدنية الناتجة، تجعل السؤال عن تلك الكلف العالية أمرا مبررا.

الجهل أسوأ من الفساد!

 الدكتور بسام سلطان الأستاذ في كلية الهندسة المدنية بجامعة تشرين (اختصاص هندسة مواد الطرق) يرى أنه غالبا ما يكون سبب التكاليف الكبيرة هو الابتعاد عن ضبط معايير الجودة، مؤكدا أن الغاية ليست نتيجة نقص أو تلاعب في الكميات، وإنما هي نتيجة لجهل العاملين غير المختصين في هذا المجال.

وقدم سلطان مثالا عن الجهل أنه مثلا «عندما يتم تنفيذ طبقة تغطية لطريق، على الرغم من أن هذه الطبقة تنفذ وتكون موجودة، إلا أن صناعتها تكون خاطئة، أي تركيب الخلطة غير سليم، وتبقى الكلفة ذاتها، وأما السبب في ذلك فهو عدم الشعور بالمسؤولية».

بينما رأى الدكتور في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق رامي الدالاتي (اختصاص تصميم خلطات إسفلتية) أنه غالبا ما يكون «سبب هذه التكاليف المرتفعة التي نشاهدها هو وجود مهندس غير خبير، خاصة وأن عمليات الصيانة هي عمليات دقيقة وتحتاج إلى معرفة وخبرة».

ويضيف الدالاتي بأن» مشكلة جودة الطرقات هي مشكلة قديمة في سورية، ومعظم الطرق حتى التي تم إنشاؤها حديثا تتدهور حالتها الفنية بسرعة، على الرغم من أن الدراسة في معظم الأحيان تكون صحيحة وسليمة، والمشكلة غالبا تكون في سوء الإحضارات أو في سوء التنفيذ، خاصة أن أغلب الطرق يتم تسليمها لمتعهدين يهدفون إلى الربح المادي بغض النظر عن الجودة المنفذة».

كما أشار إلى أنه «أحيانا يتم تجاهل أخذ عينات لإجراء تجارب عليها بعد الانتهاء من عملية التنفيذ، وذلك على الرغم من أهمية هذه المرحلة كي تتم معرفة المسؤول عن أي خلل يحدث لتتم محاسبته».

 تاريخ حافل

من جهته، إياد رمضان، أحد الخبراء المختصين في صيانة وسلامة الطرقات، لم يتوان بالتحدث عن العذاب النفسي للعاملين في مجال الطرقات، ويشير بشكلٍ خاص إلى أن «الطريق الواصل بين دمشق واللاذقية، وتحديدا في الجزء الذي يصل بين حمص واللاذقية والذي كانت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية تجري له صيانة دورية، لكنه رغم ذلك كان ينهار لتضطر المؤسسة إلى إعادة صيانته مجددا».

ويضيف «احتار العاملون في المؤسسة بسبب الانهيارات، وقرّروا إجراء سبر، فظهر لديهم أن طبقة الأساس عبارة عن تراب أحمر، على الرغم من أنّها يجب أن تكون حجارة دبش من مواصفات معينة أو من الإسفلت أو طبقة حجارة معالجة بالإسمنت».

«وبسبب الحيرة الشديدة تأخرت عملية التنفيذ وتجاوزت المدة المحددة، إلا أن موعد التدشين لم يرحم المنفذين، فقبل أيام من قدوم أحد المسؤولين اضطروا إلى القيام بتنفيذ سريع فتمت الاستعانة بتربة من المكان المحيط وتم فرشها ورصها بسرعة كبيرة ومد الإسفلت فوقها، ولذلك ما زالت هذه الطريق حتى اليوم تحتاج إعادة بناء من جديد».

 الألمان «مندهشون»!

ويتحدث رمضان ذاته قائلا «في عام 2010 تمت دعوة عدد من الطلبة السوريين الذين يختصون بالطرق، وبحضور وفد خبراء ألمان، حيث اندهش الضيوف يومها من سوء التنفيذ الحاصل وصدمتهم الجودة التي نُفذّت بها هذه الأعمال».

يتابع «عندها أخذني أحد مدراء المشروع وطلب مني أن أقنع الألمان بأن المشروع جيد، إلا أن الأمر كان صعبا للغاية لعدد من الأسباب كان منها «الردميات المنفذة بميول خاطئة، والصرف الصحي المغلق بسبب الأوساخ، والجسور منفذة من دون إجراءات عزل، والإسفلت كان يعاني من عدم الاستوائية الطولية والعرضية».

أمثلة فاضحة

ويوضح سلطان المختص في هندسة مواد الطرق بأن «الطرق تمر بمرحلتين: الأولى مرحلة دراسة والثانية مرحلة تنفيذ، وخلال مرحلة الدراسة يتم وضع الشروط اللازمة وبرامج الصيانة، إلا أن الدراسات التي نراها لم تلتزم بالمعايير الدقيقة».

وأعطى مثالا عن «إحدى الطرقات الزراعية التي تم توسيعها والتي تمّ تعميم فيها سماكة واحدة للطرقات الموجودة كافة، وعلى الرغم من أن سماكة طبقات الرصف ترتبط بنوعية المواد والحمولات المطبقة، إلا أنه تم تعميم سماكة بمقدار 50سم، وهو ما يعني وجود هدر كبير على الرغم من أن زيادة السماكة لن تؤدي إلى تحقيق ديمومة أطول أو عامل أمان أكبر».

كما قدم الدكتور سلطان مثالا آخر عن «المنطقة الصناعية في اللاذقية عندما تم شق الطرقات فيها كانت التربة سيئة جدا ومغمورة بالمياه، ولذلك كان من الطبيعي وجود نسبة من الهبوطات إلى أن تقرر البدء بعملية الصيانة، وعلى الرغم من أن للصيانة معاييرها، لأن العلاج من خلال مد طبقة جديدة سوف يؤدي إلى تكرار الأمر، إلا أن المعنيين في تلك المنطقة لم يجدوا خيرا من هذه الطريقة للعلاج».

هدر... وكلفة عالية

لكل طريق قصته ومعاناته في الإنشاء والتنفيذ والصيانة، فقد أشار سلطان إلى ظهور عيوب على أوتستراد اللاذقية-دمشق قائلا: «في منطقة طرطوس وعند ميعار شاكر، حصلت هبوطات في جسم الطريق، ولذلك تم تشكيل لجنة لدراسة الأسباب وطرق المعالجة، وتم إغلاق الطريق لفترة طويلة ما أدى إلى مرور السيارات على قارعة واحدة بالاتجاهين معا».

وتابع «اقترحت اللجنة بعد ذلك إزالة طبقات الرصف كافة بطول يصل إلى 2 كيلومترا، وهو الأمر الذي سبب هدرا كبيرا، وكلفة هائلة لأنه تم وضع طبقات جديدة بالإضافة إلى طبقة تغطية، وبعد الانتهاء من تلك الأعمال كانت النتيجة ظهور هبوطات جديدة، وهو ما يعني أننا أمام كلفة بالملايين ترافقها عيوب كبيرة».

ويضيف الدكتور سلطان أنه «تم سؤالنا بالصدفة عن سبب وجود مثل هكذا هبوطات على الرغم من الصيانة الدائمة، وبعد أن قمنا بجولة تبيّن لنا أن السبب ليس سوء تنفيذ وإنما إغلاق معابر صرف المياه المجمعة، ونتيجة للإغلاق أصبحت المياه تتغلغل في طبقات الرصف، وعندها تمت المعالجة بإعادة تصريف هذه المياه».

إنها الحرب!

الدكتور دالاتي يشير إلى أنه «وبسبب ظروف الحرب، ساءت حالة الطرقات بشكل كبير، وهو ما أدى إلى خسارة العمر التصميمي للطرق، خاصة بعد أن تم تحويل بعض الطرق بعد انقطاعها لأسباب أمنية، إلى طرق أخرى، الأمر الذي أدى إلى زيادة الكثافة المرورية على طريق كان يصنف كدرجة ثانية أو ثالثة مثل طريق حمص دمشق، عندما تم تحويله عن طريق التل، وكذلك طريق حمص السلمية تحول إلى طريق رئيسي باتجاه حلب».

وأشار إلى أنه «على الرغم من أنه قد جرت محاولات عديدة لتقوية الطريق عن طريق وضع طبقة إسفلت جديدة، إلا أن هذا الحل لن يبقى طويلا، لأنه تم حل المشكلة بشكل مؤقت».  وهنا يبرز تساؤل حول سبب عدم تحسين هكذا طريق بشكل صحيح، ودراسته مجددا كطريق درجة أولى كي لا تتم عملية إعادة التأهيل السطحية بشكل غير مجد، وحتى بالنسبة للطرق التي أغلقت بشكل كامل، وتراكمت عليها الأحمال فإنها تحتاج إلى صيانة دقيقة.

«ترقيعات»!

أشار الدكتور دالاتي إلى أن الرقع التي تتم بها عملية الصيانة تعد من العيوب، فمهما كانت الوصلات الموجودة جيدة إلا أن العملية ككل تعد قطع لجسم الطريق ولذلك من المفضل إذا كان الطريق يحتاج إلى صيانة بنسبة كبيرة أن تتم عملية الكشط بشكل كامل لأنها مع مرور الزمن تكون أكثر اقتصادية.

كما لفت دالاتي إلى أنه من الأفضل وجود تعاون بين مختلف الجهات للقيام بصيانة دائمة للطرق، خاصة عند ظهور أي عيب في بدايته، لأن المعالجة في البداية تكون سهلة والشقوق تكون صغيرة وعلاجها سهل لكنها عندما تتطور تصبح المعالجة أصعب وأكثر كلفة.

ويؤكد دالاتي أنه «وفي معظم الدول المتطورة يوجد شركات خبيرة بالتنفيذ لها مواقع على الإنترنت وتضع أعمالها وتكون مسؤولة عن أي خلل قد يحدث في هذه الأعمال».

لكن... على ما يبدو فإن طريقنا إلى الطرقات السهلة والآمنة ما زال غير معبد، خاصة وأن حفر الجهل ورقع الفشل تتمركز على امتداد الطرق كافة!

معايير عالمية.. ولكن!

مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية ياسر حيدر يقول إن المؤسسة تطبّق على أعمال تنفيذ الطرقات وصيانتها الشروط والمواصفات الفنية المعمول بها في أرقى دول العالم، موضحاً أنه ورغم ظروف الحرب حافظت شبكة الطرق المركزية على سويتها الفنية، ورغم تمركز الغزارات المرورية والحمولات الزائدة على طرق محددة، وهذا يعود إلى المواصفات الجيدة للأعمال المنفذة. كما أشار إلى أنه يتم حاليا تحميل كافة الصيانات التي تتم على الشبكة المركزية على الخارطة الرقمية الخاصة بالمؤسسة، والتي تسمح بمراقبة تكرار أعمال الصيانة في ذات الموقع. وأكد أن الارتقاء بالسوية الفنية لأعمال المجبول الإسفلتي يتطلب تحديث المعدات والتي أصبح معظمها قديما بسبب الحرب، بالإضافة إلى مراقبة مواد الخلطة، الأمر الذي يتطلب وضع خارطة مقلعية على مستوى المحافظات كافةً، وتحديد طبيعة استخدامها ومراقبة التنفيذ بالإضافة إلى إجراء الاختبارات اللازمة على مادة البيتومين والتأكد من مطابقتها للمواصفات العالمية

لجين سليمان
 
Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…