23 كانون1 2018

ولادكن رح يلعبوا بأمان... حديقة خاصة»... «الأرصفة العريضة لتمشوا مرتاحين» «منزل يغير مشهد الغروب»... هي عبارات ترويجية يطلقها أصحاب الشركات الراعية لما بات يُعرف بـ «مدن الأحلام» التي تبدو بمثابة «الثمرة المحرّمة» بالنسبة للأغلبية الساحقة من السوريين الفقراء والمنكوبين.

 ولكن ماذا لو دفعك الفضول لمعرفة ما هو أكثر من هذا الإعلان الترويجي؟!

حينها سيصفعك الجواب بلا شك: سعر المتر الواحد بـ «1800 دولار»، ولتكتشف لاحقاً أن بعض الشقق يصل سعرها إلى أكثر من ضعف هذا الرقم!

فمن هم ذوو الدخل المحدود القادرون على شراء منزل يقارب سعر المتر المربع الواحد فيه المليون ليرة سورية تقريباً؟!

لا طبقة وسطى!

تتجاهل تلك المدن الموعودة الطبقة الوسطى، والشرائح العريضة من الفقراء، وبالتالي الفئات الأكثر تضررا من الحرب.

 وعلى الرغم من أن أحدث الإحصائيات الصادرة عن المنظمات العالمية تشير إلى أنه لم يعد يوجد طبقة وسطى في سورية بنسبة أكبر من 4%، خاصة وأن روادها السابقين انزلقوا إلى القاع ليضافوا إلى الشرائح المفقّرة والتي قاربت 89% من السوريين، بينما قفز جزء ضئيل منها إلى قائمة الأغنياء الذين يشكلون بحسب نفس الإحصائيات 11% من السكان، 1% منهم هم من كبار الأغنياء ومعظمهم من أثرياء الحرب.

وتظهر دراسة أخرى أعدها مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد» أن نسبة الطبقة الوسطى في سورية تضاءلت إلى 14%، وذلك في إحصائية تمت عام 2016، إلا أنه وعلى ما يبدو مع ارتفاع نسبة التضخم فإن تلك الطبقة بدأت بالتلاشي والذوبان أكثر فأكثر.

بيوت ليست للسوريين

على الرغم من الحاجة الملحّة إلى وجود مشاريع سكنية تستهدف الطبقة الوسطى في سورية، إلا أن الخبير العقاري عمار يوسف أكد في حديث لـ «الأيام» أن «كل المشاريع التي يتم طرحها تستهدف الطبقة الغنية، ولا يمكن للمواطنين متوسطي الدخل أو حتى جيدي الدخل أن يسكنوا في هذه المنازل».

وشكّك يوسف في أن «تكون هذه المشاريع للسوريين» متسائلا عن «وجود مواطن سوري سيتمكن من شراء المتر الواحد ب 4 مليون ليرة سورية، وهو ما يعني أن الشقة التي تبلغ مساحتها 100 متر مربع ستكلف المواطن السوري نصف مليار فمن أين له هذا»؟!

حكومة عاجزة...

يؤكد يوسف أن «الحكومة إذا استمرت بهذه العقلية فهي عاجزة عن حل أزمة السكن لـ 100عام القادمة، خاصة في ظل وجود 3 ملايين مسكن مدمر، والحاجة الفعلية اليوم في سورية هي مليون ونصف مسكن سنويا، وهذه الحاجة تزداد بين الـ 100 إلى 150 ألف مسكن كل عام، نتيجة لعدد من الأسباب منها التزايد السكاني، وانفصال العائلات عن بعضها، بالإضافة إلى أن وزارة الإسكان تضخ بين الـ 2000 إلى 3000 شقة سنويا، ولذلك كل ما يتم الحديث عنه حتى الآن كلام فارغ».

ما زلنا نسوّق!

يرى عدد من المتابعين لسوق العقارات، أن مشاريع إعادة الإعمار التي يتم الحديث عنها حتى اليوم، هي للتسويق الإعلامي فقط، وكل ما قامت به الحكومة منذ بداية الحرب وحتى اليوم، هو عبارة عن منتديات ومعارض ومذكرات تفاهم ومهرجانات.

مصادر خاصة أكدت لـ «الأيام» أن «كل ما يشاع عن وجود شركات روسية وصينية وإيرانية ترغب في المشاركة في إعادة الإعمار، إنما هو عبارة عن كلام فقط، فعلى الرغم من قدوم تلك الشركات وإبداء رغبتها في الاستثمار، إلا أنها كانت تكتفي بالسؤال فقط، نتيجة اصطدامها بعدد من العقبات منها عدم استقرار سعر الصرف، وأيضاً آلية إدخال وإخراج الأموال».

ويتساءل عدد من الخبراء العقاريين عن «سبب التأخر في إنجاز المخططات التنظيمية، خاصة وأن الحكومة هي المصدر الأساسي للأراضي من خلال المؤسسة العامة للإسكان، ومن خلال المخططات التنظيمية التي تصدرها الوحدات الإدارية».

ويرى الخبراء أن «الجهات الحكومية عاطلة عن العمل، ولو لم تكن عاطلة لما كانت انتشرت هذه المخالفات التي تريد الحكومة معالجتها اليوم».

كما تساءل عدد من الخبراء عن مصير المخطط التنظيمي الموعود لمدينة حلب والذي وعد به على مدار 40 عاماً، وكذلك المخطط التنظيمي لمدينة دوما، والذي وعد به أيضا على مدار 35 عاماً!

لازمة... غير لازمة!

على الرغم من أن «إزالة العشوائيات» لا تتجاوز بضع كلمات يكثر ترديدها في الأوساط الحكومية، إلا أن تلك المنازل تعني الكثير لساكنيها، وكان من الممكن أن تصبح تلك الشوارع مناطق منظمة، إلا أن الإهمال الحكومي جعل الناس على أرض الواقع تسبق الرسم على الورق، فتمّ بناء منازل من طين تفتقر إلى كل ما يجعل منها منازل قابلة للسكن الآدمي.

نسبة محددة

كعادة المؤسسة العامة للإسكان لا تزال متمسكة بنسبتها من تقديم السكن في سورية، متجاهلة الحاجة الماسة للعدد الكبير من المساكن، في الوقت الذي اتجه التفكير الحكومي نحو إشادة منازل الأحلام للأثرياء، وكأن تلك النسبة مقدسة ولا يمكن تجاوزها أو زيادتها.

مصادر في وزارة الأشغال العامة والإسكان أشارت لـ «الأيام» أن حصيلة المؤسسة العامة للإسكان من السكن لا تتجاوز 7%.

وأشارت إلى أن «المؤسسة لا تزال تنتظر دخول جهات أخرى كالمطورين العقاريين، وعلى الرغم من وجود 53 شركة للتطوير العقاري إلا أنه لم يتجرأ أحدا منهم حتى الآن على البدء بالإعمار».

ولفتت إلى «وجود مفاوضات مع الروس والإيرانيين، إلا أن الموضوع يتطلب استقرارا بالسوق والأيدي العاملة والمواد الأساسية والفيول».

لم تنته الحجج التي تذكرها وزارة الأشغال العامة والإسكان! فبينما رأى عدد من الخبراء أنه من حق المواطن على الحكومة اليوم تأمين مساكن بمساحات صغيرة لا تتجاوز 30 مترا مربعا، أكدت مصادر من داخل الوزارة أن «موضوع المساكن الصغيرة تحتاج إلى وجود ثقافة اجتماعية كي يتقبل الناس هذه الفكرة».

أولويات...

وحول الأولويات الحكومية الغائبة، يقول معاون وزير الأشغال العامة والإسكان مازن اللحام إن «معظم المناطق المدمرة هي مناطق عشوائية ولذلك سيتم العمل على إعادة بناء المناطق العشوائية والمدمرة معا».

كما أشار اللحام إلى أن «ملف السكن هو ملف حكومي ويتم العمل على المخططات التنظيمية، وإعطاء الأولوية للتوسع الشاقولي، بالإضافة إلى إعداد رؤية للمناطق المدمرة، والحكومة هي الأولى بتحديد الشركات المسؤولة عن إعادة إعمار كل منطقة».

ولفت اللحام إلى أنه «يتم العمل على تقديم أوراق الاستراتيجية الوطنية للسكن، وسيتم دراستها من قبل لجنة مختصة».

وحول مرور أعوام وأعوام على الحديث عن تلك الاستراتيجية، أشار اللحام إلى أنه «كان قد تم وضع استراتيجية عام 2008 إلا أنها لا تناسب الوقت الحالي، لأننا في ذلك الوقت كنا نحيا حالة من الرخاء وأما اليوم فيجب إعادة النظر».

وعن الهدف الرئيسي من هذه الاستراتيجية أجاب معاون الوزير أنها «تهدف إلى وضع رؤية لكيفية تأمين مسكن للمواطن بشكل لائق».

الراتب لا يكفي!

تتذرع وزارة الإسكان بالراتب كحجة جاهزة عند أي حديث عن ضرورة تأمين المساكن الشعبية، فكلما تم طرق باب أحد المسؤولين للحديث حول أهمية تأمين مسكن بسعر مناسب، يكون الراتب هو الحجة، فيقول أحد المسؤولين «إذا قمنا بتأمين مساكن بسعر 4 مليون ليرة، هل سيكون المواطن قادراً على دفع الأقساط في ظل الراتب المنخفض؟!»

وهو ما يطابق المثل الشعبي القائل «الجامع مسكّر ونحنا مرتاحين»، فطالما أن القدرة الشرائية للمواطن متدنية فلا داعي للعمل السريع ريثما يتم إيجاد حل مناسب للرواتب والأجور.

قصور...

على الرغم من أن فكرة التخطيط الإقليمي منتشرة في شتى أنحاء العالم ومنذ الخمسينيات، أي بعد الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تتواجد في سورية حتى عام 2010، وعلى الرغم من مضي 8 سنوات على إحداث قانون التخطيط الإقليمي رقم 26، إلا أن الوثيقة الأولى للتوجهات الأولية الناتجة عن التخطيط لم تتمكن من الصدور حتى اليوم.

وأما فيما إذا كانت هذه المدن المخصصة للأثرياء توافق التخطيط الإقليمي فقد قالت الأستاذة في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي ريدا ديب: إن الهدف الرئيسي لهذه المدن هو الاستثمار فقط، وعلى الرغم من القاعدة القائلة بضرورة خلق أسباب وجود الناس في تلك المناطق، حتى ولو كانت مناطق سكنية استثمارية مثل ضرورة تأمين مشاريع استثمارية ملائمة قبل تأسيس تلك المدن، إلا أنه لم يتم العمل بهذه القاعدة، فعلى سبيل المثال عندما قررت مصر بناء مدن جديدة للسكن أنشأت مشاريع اقتصادية قبل أن تدعو المواطنين إليها.

الأولوية للاستثمار

تشير العديد من المصادر إلى أنه بسبب تأخر التخطيط الإقليمي فقد سبقت بعض المشاريع مثل مشروع الـ 66 أو ما يسمى بماروتا سيتي الخارطة المتكاملة، خاصةً وأن هيئة الاستثمار ترغب في جذب المستثمرين بغض النظر عن النتائج الأخرى.. وعلى الرغم من ضرورة القيام بما يسمى بالتحليل المكاني قبل المباشرة بأي مشروع، إلا أنه ربما يوجد من ينتهز غياب السياسات الإقليمية المتكاملة لينفذ مشروعات غير ذات أولوية.

وهنا تشير ديب إلى أن «هذه المدن ليست منفذة على نهج التخطيط الإقليمي، لكن يجب دراسة مواقعها لنعرف فيما إذا كانت توافق التخطيط الإقليمي، خاصة في ظل وجود ما يسمى أولويات العمل، لذلك من الأجدر أن يتم العمل على ربط هذه المدن بعملية استثمارية لتحقق الغاية المرجوة، ولذلك لا بد من القول إن التخطيط الاقليمي هو الحل».

في غير وقتها...

يرى الخبير العقاري والمستثمر في العقارات، رياض كحالة أن فكرة «ماروتا سيتي» هي فكرة جيدة إلا أنها لم تأت في وقتها، خاصة وأن القدرة الشرائية للمواطن اليوم منخفضة وغير قادرة على تحمل كلفة هذه المباني العصرية، والسوق غير مناسب لتسويقها.

ويشير كحالة إلى أنه من الأفضل اليوم تأمين مساكن للمهجرين، الأمر الذي يحتاج عددا كبيرا من المنازل كي يلبي الحاجة، يأتي بعدها بالأولوية تأمين منازل لذوي الدخل المحدود مع تقديم تسهيلات من قبل الجهات المصرفية والإسكانية كقروض طويلة الأمد بفوائد منخفضة، وثالثاً تأمين مساكن للطبقة المتوسطة القادرة على إكساء منازلها بنفسها، وأخيرا يأتي دور تلك المنازل الفاخرة.

رغم كل ما سبق، يبدو أن ناطحات السحاب المشيدة على أنقاض منازل الفقراء لن تستطيع التحليق عاليا، لأنها بنيت على أساسات وقواعد هشة، قوامها الثراء المستفحل بعد حرب طويلة ظلمت البعض وأغنت البعض الآخر.

ابتداء من «ماروتا سيتي» التي أخلت سكان عشوائيات الرازي من بيوتهم وشقا عمرهم، إلى «غراند تاون» على طريق المطار، وانتهاء بـ «بارك ريزدينس» في يعفور، تلك المدن التي تتجه إليها الأنظار على أنها المدن الموعودة بعد الحرب، ما هي إلا خطيئة جديدة تضاف إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا التي تثبت القصور الحكومي في مقاربة الأولويات لما بعد الحرب.

واليوم، وفي ظل الاحتفاء بإعادة الإعمار، لا بد من التوجه إلى تلك الشرائح التي تطلب النجدة، وتستغيث، وتصرخ فقرا وبردا وألما، فإن كان دفء الأوطان هو حرارة الرفاهية الموجهة لأغنيائها، فمن الأفضل عندها أن ترحل الحكومات القائمة على جعل أولى أولوياتها تنفيذ رغبات أثرياء الحرب وناهبي المال العام، لأنها بذلك تضع نفسها في مواجهة (عاجلاً أم آجلاً) مع الأغلبية الساحقة والمسحوقة، من أبناء هذا الوطن الذين دفعوا ثمن الحرب وما زالوا.

لجين سليمان

16 كانون1 2018

لطالما عُرف عن السوريين في الخارج، أنهم شعب مرن ومتعلم وقادر على الاندماج في المجتمعاتالمضيفة، ومتفان ومتفوق في عمله.

ولعل الإحصائيات التي تضع سورية في قائمة أكثر الدول المصدرة للأطباء إلى ألمانيا بواقع 3600 طبيب، وبثلاثة أضعاف أقرب المنافسين لها (مصر 1200 طبيب)، وكذلك حلول الأطباء السوريين في المرتبة الثانية (بعد الباكستانيين) في الولايات المتحدة الأمريكية، يعطي صورة أولية عن تفوق السوريين في بلدان الاغتراب، وهذا فضلاً عن الاختصاصات الأخرى التي ينجح السوريون بها، فهم علماء ومهندسون ورجال أعمال ناجحون، ويتمتعون بسمعة ممتازة في الخارج.

إلا أن ثمة من يقول اليوم بأن هذه السمعة بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً بفعل الحرب التي تضرب سورية منذ أكثر من سبع سنوات، ذلك أن هذا البلد الذي لطالما صدّر أفضل الكفاءات، بات اليوم يصدر من دون انتقائية، بفعل موجات الهجرة الكبيرة التي شهدتها البلاد، حيث تفيد إحصائيات دولية بخروج ملايين السوريين إلى بلدان اللجوء، نسبة كبيرة منهم لا تحمل الحد الأدنى من التعليم والكفاءة.

 قبل وبعد...!

يقول معاون وزير الصناعة السابق بركات شاهين الذي يقيم في ألمانيا «في أحد لقاءاتي مع وزيرة العمل الألمانية السابقة أكدت لي أنه كان من المعروف عند الألمان بأن السوريين نخبويون فمنهم الأطباء ومهندسون وأساتذة، وأيضا رجال أعمال، ولكن مع الأسف، ما رأيناه بعد توافد السوريين لألمانيا في ظل الأزمة السورية فإن 30%، من المهجرين يحملون الشهادة الثانوية وما فوق، في حين أن 70% لا يحملونها.

ويضيف شاهين بأنه في عامي 2014/2015، وصل حوالي مليون سوري إلى ألمانيا وهذا العدد انعكس على الوضع الديموغرافي في ألمانيا، وعلى الوضع الاقتصادي لديهم من غلاء الأسعار وارتفاع الإيجارات.

  الحكومة الألمانية أنفقت - بحسب شاهين - أكثر من 14 مليار دولار عن المهجرين السوريين لتأهيلهم و تأمين معيشتهم، لأن سياستها كانت تعتمد على أن هؤلاء المهجرين سيصبحون رافدا جيدا في المستقبل للشعب الألماني بعد تأهيلهم، وسيشكلون رافعة للاقتصاد الألماني .

إذاً، يقول شاهين، من الناحية الاقتصادية لم تكن هذه مخاوف الشعب الألماني رغم تأثير الهجرة على الوضع الاقتصادي للألمان، لكن ما كان يقلقهم هي الناحية الأمنية، وخوفهم من نقل المهجرين السوريين لحربهم إلى ألمانيا، وخاصة بعد نقل التطرف من قبل بعض السوريين والعرب، و اشتداد حالات العنف لديهم.

النخب السوريةفي تركيا والخليج!

 استطاعت دول الخليج وتركيا سلب النخب السورية في بداية الأزمة، فتركيا مثلاً استثمرت الأزمة السورية في بدايتها ومنحت جنسيتها للنخب السورية كما يلفت الخبير شاهين، ومع اشتداد الأزمة حظيت ألمانيا بالنسبة الأكبر من المهاجرين، ولكن معظم هؤلاء قدموا من جهات نائية في سورية لم تستطع التكيف مع المجتمع الألماني، فأغلبهم لم يخرجوا من قراهم قط، قبل الأزمة، فكيف سيتكيفون مع مجتمع جديد كلياً، ومن هنا فقد عملت الحكومة الألمانية على فتح مدارس لمحو الأمية العربية ومن ثم تعليمهم اللغة الألمانية، وهذا استغرق الكثير من الوقت لأنها لن تستطيع دفعهم إلى سوق العمل بسبب عدم حملهم للكفاءات.

 ولأن ألمانيا لديها حريات الاعتقاد والرأي والتعبير، فقد استطاع المتطرفون السوريون بث وتوسيع نشاطاتهم، في المناخ الألماني، وهم من العناصر الأكثر تطرفا، ولهذا السبب نجح اليمين المتطرف في الانتخابات كنتيجة للتطرف السوري، وخاصة في القسم الشرقي من ألمانيا، وتراجع حزب ميركل وهو الحزب الاشتراكي، نتيجة تواجد متطرفين سوريين.

وفي محاولة لتصحيح الصورة عن السوري – يقول شاهين – قامت الطبقة الواعية في ألمانيا مع مجموعة من النخبويين السوريين بتأسيس جمعية سورية ألمانية، تُظهر الجانب الحضاري لسورية، وهي بعيدة كل البعد عن الطابع السياسي كون منطلقها أن الدولة السورية علمانية وليست دينية، فاليمين المتطرف الألماني استغل الألمان البسطاء لتعبئتهم شعوبياً ضد اللاجئين السوريين.

لا سمعة مسبقةللسوريين (سلباً أو إيجاباً)!

الصحفي سليم ريشة - مقيم في ألمانيا لديه وجهة نظر أخرى، فيقول: «عندما وصلت إلى أوروبا، واستقريت في ألمانيا، لم يكن لدى الألمان أي فكرة عن السوريين وطباعهم وسلوكياتهم، وكانوا لا يعرفون شيئاً عنهم سوى أنهم شعب مضطهد ومظلوم، ويحتاج إلى بلد آخر يأويه.

أما عن السوريين قبل موجة اللجوء لألمانيا، وعلى عكس ما يتم تسويقه عبر السوريين القدماء هنا، فلم يكن لهم أي سمعة، لا سلباً ولا إيجاباً، حيث لم يكن عددهم كبيراً، وليس لديهم نشاطات تعنى بتعريف الغرب على هويتهم. لم أجد بحسب ما شاهدت خلال 3 سنوات، ألمانيّاً كان يعرف سوريّاً قبل 2013، وكل ما يعرفونه عن الشرق الأوسط هو «إسرائيل» والعراق ولبنان.

ويضيف: لم أقابل شخصياً أي ألماني لديه ردة فعل مسبقة من السوريين على مدار الأشهر الأولى من وصولي في أواخر عام 2015، ولكن سرعان ما تغيّر الأمر، وبدأت أخبار ممارسات السوريين عامة تنتشر بين المواطنين الألمان، فتشكّلَ لديهم، صورة نمطية مسبقة، تصور مسبق عن شخصية السوري.

تطرف يقابله تطرف ...

اليوم - يقول ريشة - النخبة السورية في ألمانيا تعاني من نظرة الألماني للسوري بسبب المتطرفين السوريين فيها، لدرجة وجود عنف مضاد أو ما يسمى رد فعل استباقي من قبل الألمان تجاه السوريين نتيجة الخوف من السوري وتوقع العنف منه، واستاء النخبويون السوريون من هذه النظرة، فالأزمة السورية أثرت بالفعل على نظرة الغرب للسوريين وساعدت على نهوض أحزاب اليمين في إيطاليا والنمسا والسويد وألمانيا نتيجة التطرف السوري الذي نقله بعض السوريين».

مضيفاً: مع الأسف، فإن غالبية من وصل إلى ألمانيا لم يكن نموذجاً يفتخر به، حيث بدأت السلوكيات تظهر بالتحرش الجنسي بالمتطوعات الألمانيات، ومدرّسات اللغة، ولم تنتهِ بالالتفاف على القوانين، واختراع القصص وتلفيق مشكلات شخصية وعائلية، للاستفادة من النظام الاجتماعي المادي بشكل أكبر وغير مستحق.

وتفاقمت المشكلات أكثر، على اعتبار أن السوريين بدأوا ينكرون تلك الممارسات، وينسبونها لجنسيات أخرى، من دون الاعتراف ومواجهة المشكلات التي يسببونها، فصار هناك ردة فعل تجاههم، دفع ثمنها السوريون الجيدون قبل السيئين.

النساءالسوريات يثبّتن الصورة النمطية!

يعتقد ريشة بأن النساء السوريات مثلاً كان لهن دورٌ كبير في تثبيت الصورة النمطية عن الرجال السوريين، حيث تكاد الأخبار لا تنقطع حول نساء سوريات يهلعن إلى مركز الشرطة طالبات الحماية، والانفصال عن أزواجهن بسبب التعنيف.

أما العزباوات فلهن دور مختلف، فإن كانت إحداهن ملتزمة بعادات وتقاليد ودين أسرتها، تظهر بشكل مبالغ فيه بـ «الحشمة» واللباس الديني، الأمر الذي لا يعطي أجمل صورة عن المجتمع السوري. أما في حال كانت السيدة متحررة ومنسلخة عن التكتلات السورية هنا، تراها منخرطة بالمجتمع الألماني، الذي لا يزال متقبلا بنسبة كبيرة النساء السوريات المتحررات، وبالطبع تتجنب المرأة السورية المتحررة التعاطي مع السوريين الذكور بشكل علني، وتتحدث عن سوء التعاطي معهم أمام الألمان، ما يثبّت الصورة النمطية عن المجتمع السوري.

فرزللسوريين... وتجنّب اجتماعي!

يختصر الصحفي سليم ريشة ما أسماها الصورة العامة عن السوريين في ألمانيا بالتالي:

الصورة الأولى؛ إسلامي غير قابل للاندماج بالمجتمعات متعددة الجنسيات التي تعيش في البلاد، ولديه كره وحقد على كل شيء، مثير للقلق والريبة، ومن المستحيل التنبؤ بالتوقيت الذي سيتحول فيه إلى شخص عنيف.

الصورة الثانية؛ إسلامي متنكر بالتقدمية، يذهب إلى محلات السهر والكحول ويدخن الحشيش، ويدّعي أنه تقدمي، ولكنه يحبس أخواته وزوجته، أو زوجاته، في البيت.

السوري يستطيع أن يعيش حياة طبيعية، من دون أن يواجه التجنب من الألمان، في حال كان لديه زوجة أو أخوات لا يظهر عليهن القمع الديني، أي غير محجبات ومتحررات. وطبعاً تزيد فرصه بالتواصل مع الألمان، في حال كان لا يستغل النظام الاجتماعي، ولديه دراسة أو عمل، وليس لديه مشكلات مع عادات وتقاليد البلد.

لا يوجد عنصرية موجهة حتى ضد السيئين من السوريين، على عكس ما يروج السوريون. الرفض يكمن بالتجنب الاجتماعي فقط، ولا يتعرضون لأي تعنيف لفظي أو جسدي أو حتى وقاحة بالتعامل المباشر.

قبل 2014...وبعده

 سومر افرام سوري يقيم في السويد و يعمل في مجال الميديا، يقول لـ «الأيام» إن وصول المتطرفين السوريين إلى السويد أثّر كثيراً على السوريين المقيمين في السويد، وعلى من أسماهم «المهجرين النخبويين»، فبداية الأحداث السورية وصل إلى السويد وأوروبا عموماً، السوريون ميسورو الحال والمثقفون، وهؤلاء من طبعهم أن يكونوا ناجحين ومنسجمين في البيئة الموجودين فيها، فتركوا بصمة جميلة عن تصرفاتهم، كما شكلوا رافدا اقتصادياً في المجتمع السويدي، فالدفعات التي وصلت من سورية عام 2011-2012-2013، ولمنتصف ،2014 كانوا دفعات اهتموا بتطوير شهاداتهم وزيادة خبراتهم وانخراطهم بالمجتمع السويدي.

 لكن الأمر اختلف بحسب افرام عندما بدأت تركيا بفتح الحدود وإرسال المهجرين في المخيمات إلى أوروبا، عندها بدأت المشكلة، وكان معظم هؤلاء في المخيمات، حيث تمت تغذيتهم، خلال وجودهم ولمدة أربع سنوات في هذه المخيمات، بالتطرف الديني والأفكار الإرهابية وحمل السلاح، وعند وصولهم إلى أوروبا بدأت تجهز لهم مخيمات مخدّمة، ولكن بعد تدفق أعداد كبيرة أصبحت الدولة غير قادرة على تأمين نفس الخدمات لكل اللاجئين، فبدؤوا يستقبلوهم في البيوت الصيفية في القرى، إضافة إلى إنشاء (كامبات) لهم.

 ويقول الشاب السوري المقيم في استوكهولم إنه «بحكم عملي مع شركة سويدية لإطعام اللاجئين، تفاجأت بأنهم نقلوا معهم ثقافة التخريب والتكسير، والانقسام إلى جماعات ضمن الكامبات، فكانوا كثيراً ما يقومون بأعمال تخريب».

اهتزاز الصورة!

 وانقلب الحال بحسب افرام، فالسويد كانت سعيدة بالدفعات الأولى التي وصلت إليها، وبانخراطهم واجتهادهم العلمي، حتى أن محامياً بدائرة الهجرة صرح أكثر من مرة بأن أفضل من أتى كلاجئين إلى السويد هي الجالية السورية، لأن معظمهم متعلمون ومثقفون، واستطاعوا الاندماج مع الشعب السويدي، حتى أنه يوجد عدد كبير من المستشفيات السويدية يعمل فيها أطباء وممرضون سوريون، واستطاعوا أن يثبتوا جدارتهم لدرجة وجود مستوصف جميع كوادره من السوريين، لكن الدفعات الأخيرة هي من هزّت صورة السوري، فلقد وزعوهم على قرى في بيوت صيفية، ومن عادات أهالي القرى في السويد وضع دراجات الأطفال خارج المنزل، ومع الأسف، قام بعض السوريين بسرقتها، بل إنهم قاموا بالإعلان عن المسروقات على موقع إلكتروني خاص بالسويد للبيع والشراء، فأساؤوا للاجئين والمقيمين الذين اندمجوا بالمجتمع السويدي.

فرص كبيرة لمن يريد الاندماج

ريم فرج، صحفية سورية مقيمة في ألمانيا تتحدث عن تجربتها مع زوجها بعد انتقالهما إلى ألمانيا، فتقول  لجأنا إلى ألمانيا بحثا عن فرصة عمل جيدة، ولم يكن الأمر في البداية سهلاً كما كنت أتوقع، خاصةً أنني لم أحصل على اللجوء إلا لسنة واحدة، فقمت بطعن القرار إلى أن كسبت الدعوى وحصلت على ثلاث سنوات، أما الأمر الجيد كان هو أنني سكنت مع عائلة ألمانية، ولعب هذا الشيء دورا كبيرا في تحسين لغتي الألمانية التي من دونها لن أستطيع عمل أي شيء أو التواصل مع أحد، والتي حسنتها من خلال دورة الاندماج التي تتكفل الدولة الألمانية بتكاليفها، حيث تمنح السوريين حق تعلم اللغة، ومن بعدها الانتساب إلى الجامعات أو المعاهد لمن لديه الإمكانيات.

 لذلك، تقول فرج، هذه البلاد توفر الفرص لمن يريد التقدم والاندماج، صحيح أن ألمانيا بلد بيروقراطي يعتمد كثيرا على الورق والبريد الورقي في التواصل، إلا أنه بلد عادل وعملي لمن يعمل ويجتهد على نفسه.

سيدة ألمانيةتختصر وجهة نظر البلد المضيف:

عند الحديث عن نظرة الألمان للسوريين، تروي السيدة الألمانية سيلي كوندر تجربتها مع السوريين فتقول:

بداية وجود السوريين، كان مستحباً وغير مزعج، وقد حاولنا جاهدين الاهتمام بكثير من العائلات، خاصةً تلك التي لديها أطفال صغار، وفتحنا أبواب كثيرة أمامهم سواء لتعلم اللغة، أو حتى في مجال التسوق، واحتياجات المنزل، لكن في الآونة الأخيرة لاحظنا أن الأغلبية منهم لا يريدون العمل، وإنما تحصيل المال من المعونة، وخلق الحجج لعدم إتمام ما هو مطلوب منهم، وخاصة المتدينين الذين يبقون نسائهم في المنازل دون اختلاط، وفرض ما هو ليس من عادات الألمان علينا أيضا خاصة في السلام، حيث يمتنعون عن المصافحة باليد، وهذا شيء غير مقبول في مجتمعنا، ناهيك عمن قام بافتعال المشاكل، وخاصةً محاولات القتل الأخيرة التي بدرت من بعض الرجال انتقاماً من نسائهم بعد طلبهن الطلاق منهم، كل هذه الأمور جعلت المواطن الألماني في قلق من وجود الغرباء في بلده  بحسب كوندر.

عنصرية وتمييز

وتضيف: بالمقابل، يوجد حالات لسوريين تعرضوا للاضطهاد والمشكلات، نتيجة وجودهم في مقاطعات ألمانية «عنصرية»، ولا تقبل بوجود غير الألمان في مقاطعاتهم، وخرجوا بمظاهرات ضد جميع اللاجئين سواء كانوا سوريين أم غير سوريين، وتعرضوا لهم بالضرب ورمي كتل نارية على بيوتهم، وهم يتبعون لحزب معارض.

كما اصطدم السوريون الراغبون بالعمل أحياناً بوجود رؤساء أعمال وأصحاب مهن لا تستقبل السوريين وترفض عملهم، وخاصةً إذا كنّ نساء محجبات، فهؤلاء هن الأسوأ حظاً في الحصول على عمل، وهناك تحذيرات من توظيفهن في روضات الأطفال خوفاً من نقلهن لأفكار دينية لأطفالهم.

في المحصلة، لا بد من القول إن ثمة تغيّر طرأ على نظرة الألماني خاصةً، والأوروبي عموماً تجاه السوري في السنوات الأخيرة، لكن رغم ذلك وفي بلدان يحكمها القانون، يستطيع أياً كان الحصول على حقه، إلا أن رفض أعداد كبيرة من السوريين الاندماج في المجتمع المضيف ونقل «أمراضهم» إليه سينعكس بالتأكيد سلباً على نظرة هذا المجتمع وتقبله له.

 لكن كل التجارب تؤكد أن من يريد التعلم والعمل والاندماج واحترام قوانين البلاد وثقافتها، كل الفرص متاحة أمامه لتحقيق أقصى طموحاته.

جودي دوبا

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…