10 شباط 2019

صندوق من المعلومات يفتح اليوم في داخله الكثير من الأرقام المرتبطة بالحوادث في سنوات الحرب التي فرضت على سورية، روعت معها السوريين، منها ما أثار بركاناً من الحزن لم يهدأ حتى الآن، معلومات تحمل في طياتها آفات اجتماعية، بدايةً من التعداد السكاني والمؤشرات الديموغرافية، انتقالاً إلى حالات الزواج والطلاق وبعض الجرائم التي أصبحت بشعة، أو بات ما يطلق عليها بلا مواربة جرائم شنيعة، الموت كلمة واحدة لكن طرق تنفيذها باتت تحاك بأشكال مختلفة، فمن التجارة بالحالات الإنسانية إلى زواج القاصرات، مروراً بشبكات تمتهن تجارة الأعضاء داخل سورية وخارجها... كلها قضايا يعاقب عليها القانون السوري.

فظهرت جرائم غريبة عن مجتمعنا وطفت على الواجهة، منها جرائم ترتبط بالأزمة الاقتصادية كتزوير العملات، وأخرى ارتبطت بالأزمة الاجتماعية كجرائم الخطف وتزوير عقود الزواج.

أرقام موثقة

بحسب الإحصائيات الموجودة لدى المحكمة الشرعية، فإن عدد حالات الطلاق في سورية ازدادت مقارنةً بين سنوات الحرب وما قبلها، وتبين من خلالها أنه في عام ،2010 بلغ عدد عقود الزواج 21 ألف عقد، وشمل جميع أنواع عقود الزواج (إداري، تثبيت، دعاوى) قابلها في العام نفسه 5318 حالة طلاق.

كذلك فإن عقود الزواج المسجلة لدى المحكمة الشرعية لعام 2011 بلغت 18875 عقد زواج، قابلها 4980 حالة طلاق، أما في عام 2012 فوصلت عقود الزواج إلى 20270 عقداً، قابلها 4110 حالات طلاق، وفي عام 2013 وصلت عقود الزواج إلى 23110، قابلها 5210 حالة طلاق.

وفي عام 2014 سجلت المحكمة الشرعية 27355 عقد زواج، قابله 6514 حالة طلاق، لترتفع عام 2015 عقود الزواج إلى 33 ألف عقد، قابلها 7028 حالة طلاق، وفي عام 2016 سجلت المحكمة 27430 حالة زواج، ليقابلها 7423 حالة طلاق.

ارتفاع ملحوظ

وبمقارنة بين النسب المذكورة، تبين ارتفاع نسب الزواج وقابلها ارتفاع في نسب الطلاق الذي وصل إلى أوجه في عام 2016 بنسبة 27,6 % من حالات الزواج، إضافةً إلى أن 70% ممن يملكن العصمة من الزوجات في سورية طلقنّ أنفسهنّ من أزواجهن.

وبحسب إحصائيات القصر العدلي بدمشق حول معدلات الزواج والطلاق، فإن نسبة الطلاق ارتفعت عام 2017 إلى 31%، حيث بلغ عدد حالات الطلاق في دمشق 7703 حالة، فيما بلغت حالات الزواج نحو 24697 حالة، أي أن نسبة الطلاق ارتفعت بنسبة 6% مقارنة بما قبل عام 2011.

مجرمون نوعيون في مناطق آمنة

أغرب الجرائم كانت في ريف مصياف، إذ ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي مفادها انتشار عصابة في منطقة آمنة، ولكن الأغرب كان في التهم الخطيرة لأفراد العصابة، وهي وجود أكثر من 130 مذكرة إحضار وبحث بحقهم فيما يخص جرائم القتل والخطف والسلب، وتمكّنت عناصر شرطية تابعة لناحية جب رملة، وسلحب لنصب كمين محكم لعصابة خطف مكونة من مسلحين اثنين، ودارت اشتباكات مع المطلوبين وقيام أحد المطلوبين بإلقاء قنابل على دورية الشرطة حيث أصيب شرطيان على إثرها وتم نقلهم إلى مستشفى مصياف، ومصادرة سيارة مسروقة، بالإضافة إلى مصادرة كمية كبيرة من الحبوب المخدرة (الكيبتاغون) كانت بحوزة العصابة.

جرائم أكثر عنفاً

تقول المحامية ولاء الأيوبي في حديث خاص لـ «الأيام» إن الجريمة موجودة منذ الأزل، ولكنها تختلف في أشكالها وتتنوع درجات خطورتها تبعاً للمجتمع الذي يحتضنها، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يتأثر بها.

فالجرائم في زمن الحروب تختلف فيما لو كان الوضع آمناً وفي ظروفه الطبيعية، والجرائم المرتكبة في الأرياف تختلف عن شبيهتها في المدن، اليوم إذا ما أسقطنا ذلك على ظروف المجتمع السوري، فإننا نجد في أروقة المحاكم جرائم لم تكن موجودة ولم تعرفها سورية سابقاً، فظهرت وطفت على الواجهة جرائم ترتبط بالأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، فنجد مثلاً جريمة تزوير العملات والسرقة الموصوفة، وغالباً ما تصحبها جرائم بشعة يندى لها الجبين وبأساليب وحشية، وجرائم أخرى ارتبطت بالأزمة الاجتماعية كجرائم الخطف وتزوير عقود الزواج.

ظواهر غريبة

كذلك فإن جرائم أخرى لم تكن موجودة في المجتمع السوري قبل عام 2011 كجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية، وجرائم تهريب الأفراد، وشبكات تجارة المخدرات والسلاح، هذا عدا عن توافر السلاح بسهولة لدى كثير من الأفراد والتي أدت إلى انتشار جرائم السلب والنهب وقطع الطرق وانتحال الصفات الأمنية، هذا فضلاً عن استغلال المناصب والصفات الأمنية لغرض سلب المال بطرق غير شرعية.

وتضج أروقة المحاكم في الآونة الأخيرة بظاهرة طاغية وغريبة إلى حد ما عن بيئة مجتمعاتنا السورية، وهي تعدي الأخوة فيما بينهم على أموال بعضهم البعض وسرقتها وحرمان البعض مما يستحق من ميراث وحقوق إرثية، وتتحدث الأيوبي عن حادثة تكلفت بها «أن هناك شخصاً يدعى ن-خ  يعمل في مدرسة قيادة السيارات، كان قد تلقى اتصالا من شخص يدّعي فيه أنه صديق سابق ويريد منه المساعدة للحصول على شهادة إجازة سوق حديثة، فتواعدا في محلة الزاهرة بدمشق، ومن ثم تلقت زوجته م-خ اتصالاً هاتفياً بعد حوالي ساعتين ونصف الساعة، أخبروها بأن زوجها قد اختطف وبعد اتصالات عديدة بنفس الرقم أجاب على الهاتف المخطوف ن-خ وأخبر أهله بأنه بخير رغم أن صوته يوحي بأنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبعد يومين تلقوا خبر من مخفر شرطة باب مصلى بوجود جثة يشتبه بأنها تعود للمخطوف وبالاستدلال عليها تبين لأسرته بحقيقة الجثة وعليها آثار تعذيب وتنكيل بشع».

الفقر والحرب

الخبير في الشؤون الاجتماعية سمير شيحا يقول لـ «الأيام» إن الكثير من المجتمعات تعاني من الجرائم، لكن دول العالم الثالث أصبحت تقدّم الأغرب منها، مشيراً إلى ارتفاع الجرائم في زمن الفقر والحرب، ففي سورية أصبح المجتمع يستغرب من كيفية حدوث الجريمة، الأمر الذي ينذر بكوارث حقيقية في الأيام المقبلة، ورد أسباب حدوث الجرائم إلى ضعف العلاقات الاجتماعية في الأسرة الواحدة، الأمر الذي يشير إلى فقدان الروابط الأسرية، لذلك يجب الالتفات إلى التوعية الاجتماعية في الأسرة، وكذلك المقدمة في الإعلام أيضاً، موضحاً أن التغيير قد يحدث في نمط الجريمة نفسها نتيجة التغييرات الفكرية والنفسية التي تؤثر على تكوين الشخصية، إضافة إلى الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على ارتفاع نسب الجرائم في أي مجتمع.

أنطوان بصمه جي

03 شباط 2019

تعدد الزوجات قضية جدلية تطرح نفسها كل فترة في معظم الدول العربية، خلافاتٌ كثيرة في المنطقة العربية بسبب تعدد الثقافات رغم وحدة الدين، وبكل الأحوال فإن الشريعة الإسلامية تسمح بتعدد الزوجات. بعض الأشخاص من يرى الأمر سماحاً مشروطاً وليس مباحاً على الإطلاق، لكن القانون الأرضي يختلف من دولة إلى أخرى، ناهيك عن وضع بعض العائلات مهوراً قد تصل إلى ملايين الليرات السورية.

 ترى ما هو سر هذا الاختلاف بين الدول العربية؟ ولماذا يبقى الاختلاف قائماً بين أبناء المجتمع الواحد؟!

تنص المادة 17 في قانون الأحوال الشخصية الصادر في 31/12/1975 أنه «للقاضي أن لا يأذن للمتزوج بأن يتزوج على امرأته، إلا إذا كان لديه المسوغ الشرعي كأن يكون الزوج قادراً على نفقتهما»، ليبقى السؤال قائماً: هل يستطيع الشاب السوري التفكير في الزواج الأول قبل خوض الحديث عن الزواج الثاني والثالث بالتوازي مع ارتفاع التكاليف الاقتصادية للزواج الأول؟

حل لـ «العنوسة»

في بداية عام 2017 ضجت معظم وسائل التواصل الاجتماعي بخبر مفاده أن القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي وضع أحد الحلول المقترحة، للقضاء على ظاهرة العنوسة بين الفتيات، والتي برزت بشكل واضح خلال سنوات الحرب على سورية، الحل هو الزواج الثاني وهو الحل الذي قد لا يرضي معظم النساء السوريات أو ربما جميعهنّ في الوقت الذي عدّه المعراوي حلاً واقعياً ومنطقياً للتخلص من هذه الظاهرة، وتعدى ذلك بتثبيت عقود الزواج في حال كان أحد الزوجين أو كلاهما خارج سورية وذلك عن طريق وكالة مصدقة واصطحاب الشهود إلى المحكمة.

أرقام وحقائق

لطالما خلّفت الحروب والأزمات الاقتصادية مشاكل اجتماعية، منها زيادة في عدد النساء الأرامل والعوانس والمطلقات، حيث وصلت نسبة الرجال المتزوجين من امرأة ثانية في سورية إلى 40% بحسب إحصائيات غير رسمية، بالتوازي مع ارتفاع نسبة النساء العازبات إلى 65% في ظل الظروف الحرب خلال السنوات الماضية، تلك هي الآثار السلبية التي تخلفها الحروب، إضافة إلى سوء الأحوال الاقتصادية وارتفاع الأسعار لحوالي 12 ضعفاً، وتأمين المستلزمات اليومية الذي بات هاجساً يؤرق الكثير من الشباب، ناهيك عن نقص عدد الشبان لسبيين: الأول هو أن الشبان هاجروا إلى الدول الأجنبية بحثاً عن الأمان والهدوء، والأمر الثاني: الشبان يؤدون الخدمة الالزامية التي تصل لسنوات عديدة.

التعدد شرعٌ ورحمة

يؤكد مصدر في المديرية العامة للشؤون المدنية في دمشق لـ «الأيام» أنه بموجب المادة 17 من قانون الأحوال الشخصية التي تسمح للقاضي أن لا يأذن بالزواج الثاني، إلا في حالة وجود مسوغ شرعي أو إذا كان الزوج مقتدراً مادياً، نافياً الأحاديث عن عدم السماح للموظف العامل في القطاع الحكومي بالزواج بأكثر من امرأة واحدة فقط، وأن ذلك غير وارد إطلاقاً لا في قانون الأحوال الشخصية أو المدنية الصادر وفقاً للمرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2007 وتعديلاته، وما يتعلق بمنع الزواج من امرأة ثانية أو ثالثة والزواج مباح وفقاً للشريعة، وبالتالي ما ذكر في أغلب مواقع التواصل الاجتماعي ليس له أي مستند قانوني، ومن خلال العمل اليومي في الشؤون المدنية، أكد وجود حالات كثيرة من الموظفين في القطاع العام تزوجوا من امرأتين و أكثر ولديهم الإمكانيات الصحية والمادية.

حالات موثقة

تبدو ظاهرة تعدد الزوجات في بعض المحافظات السورية واضحة بكثرة، كأهالي المناطق الشرقية كدير الزور وريف حلب. وبالانتقال إلى ارتفاع نسبة العنوسة إلى أكثر من 65% فقد جاءت نتيجة الأزمة والضيق المادي والحرب الظالمة التي فتكت بالبلاد، وانتقال الشاب السوري إلى البحث عن الأولويات الأساسية مثل الطعام والدواء. غلاء المعيشة تفرض على المواطن ضغط الإنفاق بالشكل الذي يلبي احتياجاته اليومية الضرورية، إضافة إلى قلة فرص العمل في السوق السورية أثرت بشكل كبير على عزوف أغلب الشباب عن الزواج من امرأة أولى، هذا ما أدى لارتفاع نسبة العنوسة، لكن الوضع الراهن لا يمنع لوجود أشخاص يعملون في القطاع العام ويزاولون مهنة أخرى أي مقتدرين للزواج من امرأة أخرى، ففي عام 2018 وصلت بعض البيانات العائلية إلى 3 صفحات ومثبت فيها زواج أشخاص من ثلاث نساء إضافة لعدد كبير من الأولاد.

مسوغ شرعي

وبالانتقال إلى توضيح عبارة المسوغ الشرعي الذي يسمح بموجبه الزواج من امرأة ثانية، قال المحامي الدكتور محمد حلاق المختص في الشؤون الشرعية لـ «الأيام» أن المسوغ الشرعي يؤكد وجود سبب للزواج بأخرى، كأن تكون الزوجة مريضة أو عاقراً أو لا يستطيع الزوج أن يصل إلى كفايته في علاقته الزوجية، وذلك وجب الزواج من أجلها، أما في حال عدم وجود المسوغ الشرعي غالباً لا يأذن القاضي بالزواج الثاني، وفي وقتنا الراهن يفرض القاضي على الزوج شرطاً في حال الزواج الثاني بأن يدفع نفقة لامرأته الأولى تكون كافية لإعالتها.

وأكد حلاق أن قانون الأحوال الشخصية متعدد في أحكامه وذلك بحسب الأديان والطوائف المتواجدة في سورية، وتطبق الشريعة حسب كل دين على حدة، بما يتناسب مع المواد التي تنطبق وتتفق مع طائفتها، مثلا المسيحيون تطبق عليهم الأحكام الروحية.       

تونس ضد التعدد!

تعدّ تونس الدولة الوحيدة عربيا التي تم فيها تشريع عدم تعدد الزوجات نهائياً، إضافة لفرض عقوبات صارمة تصل إلى حد السجن للشخص الذي يتزوج على امرأته، أما في مصر فالأمر متباين، فهناك حملات مؤيدة لتعدد الزواجات منذ العام ،2015  تأخذ بمقولة «الشرع محلل أربعة» ومنهم من ينتقد ذلك بأن معظم المصريين لا يطبقون ما ورد في الشرع بخصوص التعدد، ويبقى الصراع قائماً في تفسير الآية المتعلقة بالتعدد.    

 عادات وأعراف بالية

من جانبه، يقول الدكتور جورج قسيس الباحث في الشأن الاجتماعي لـ «الأيام» إن ظاهرة تعدد الزوجات مرت عبر التاريخ بعدة مراحل بدايةً من مرحلة الفطرة، حيث لم تكن المجتمعات البشرية ابتكرت أية قوانين أو تشريعات تضبط مسألة الزواج وتنظيم الأسرة والمجتمع، فبحكم العشوائية التي كانت الصفة المميزة للحياة، كان الإنسان يتزوج أكثر من امرأة، وفي مرحلة لاحقة سيطر على البشر عقلية حب التملك منها تملك الأشياء والتفاخر بها من أموال وأراضي وعقارات، وبالنسبة للرجال كانت النساء نوعاً من هذه الممتلكات فأصبح تعدد الزوجات عنواناً للاقتدار والقوة وخاصة لدى أصحاب الجاه والنفوذ والمتمكنين مادياً، وفي المرحلة التالية دخل تعدد الزوجات في إطار الحاجة الاجتماعية كوسيلة لزيادة الولادات والنسل، وخصوصاً في المجتمعات التي تشكو من قلة السكان بسبب الحروب والكوارث.

ويعتقد قسيس أنه مع تطور البشرية والاحتياجات الإنسانية وتطور القوانين والدساتير الناظمة للحياة انتفت الحاجة إلى تعدد الزوجات، حتى أصبحت هذه الظاهرة غير مستحبة ثم مرفوضة ثم ممنوعة في الكثير من المجتمعات، لما لها من آثار سلبية ونفسية وتنظيمية على الفرد والأسرة والمجتمع. ويضيف: عمدت بعض الدول إلى سنّ القوانين التي تحظر تعدد الزوجات، لانتقاء الحاجة إليه وخاصة في المجتمعات المتطورة اجتماعياً وثقافياً، وفي بعض الدراسات هناك من ينفي ارتباط العنوسة بعدد الزوجات على أن هذا التعدد ليس الحل الأمثل للعنوسة، أما فيما يتعلق بالمجتمعات التي تعتبر تعدد الزوجات من التقاليد المتبعة فيها، فتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا لا يبرر المحافظة على هذا التقليد خاصة أنه في المجتمعات المتطورة تخلت عن الكثير من التقاليد والأعراف، التي تبين عدم فائدتها وانسجامها مع روح العصر، ليبقى الأهم هو صون المرأة وضمان حقوقها، أم أننا سنثبت للعالم بأننا حريصون على «الديمقراطية»، «ديمقراطية الرجال» على حساب النساء؟!

أنطوان بصمه جي

Top
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…