طباعة
التبرع بالأعضاء ثقافة "خير" تحتاج لدعم مجتمعي وقوانين حقيقية تبعدها عن الإتجار بالبشر
14 نيسان 2019

التبرع بالأعضاء ثقافة "خير" تحتاج لدعم مجتمعي وقوانين حقيقية تبعدها عن الإتجار بالبشر

تعدّ قضيّة التبرّع بالأعضاء من أكثر القضايا الشائكة، لعدد من الأسباب المجتمعية والدينية، وتحاول نسبة لا بأس بها من المجتمع عدم التعاطي مع القضية بسبب الخوف السائد من الناحية الدينية.

اختلف علماء الدين حول حكم التبرع بالأعضاء، ورغم بروز آراء فقهية قليلة تحرم هذا النوع من الخير، يوجد عدد من المجامع الفقهية أجازت هذا النوع من "السخاء الإنساني"، لكن ضمن أطر قانونية وضوابط شرعية.

 

قصي... المقاوِم

رغب الشاب العشريني "قصي" الذي لا يزال يعاني من مرض عضال، بوهب أعضائه، وكان له الأثر الأكبر في كتابة هذه المادة، فهو يجسد حالة نادرة تتحدى المرض والموت حتى بعد وفاة الجسد.

لكن قصي ليس الوحيد بالتأكيد الذي فكّر بمنح أعضائه لمحتاجيها من المرضى، ثمة العديد من الأشخاص الذين حذوا حذوه، وآخرين قد ينضمون لقائمة "المانحين" فيما تعززت هذه الثقافة، فهل ما يمنع انتشار وتعميم ثقافة التبرع بالأعضاء؟!

 

وصية...

عملية التبرع بالأعضاء وزراعتها تقوم على وهب عضو أو جزء منه من شخص بعد وفاته إلى شخص آخر أو من إنسان حي إلى شخص آخر، بالنسبة للشخص المتوفي تكون ضمن وصية قام بها قبل وفاته، أو عن طريق إبلاغ عائلته وسؤالهم عن إمكانية استئصال الأعضاء السليمة، والتي من الممكن أن تنقذ 8 مرضى، حيث يتم الاستفادة من الكليتين والقلب والقرنيتين والكبد والبنكرياس والرئة.

وفي حال كان المتبرع على قيد الحياة فإنه يستطيع التبرع بإحدى كليتيه أو بجزء من الكبد، فالإنسان يستطيع أن يعيش بكلية واحدة، والكبد يعاود النمو ويسترد حجمه الطبيعي خلال أشهر قليلة، وتتم عملية زراعة الأعضاء بعد فحوص طبية شاملة، للتأكد من تطابق فصيلة الدم ونوع الأنسجة بين المتبرع والمتلقي.

 

ثقافة غائبة...

إحدى أسباب عدم انتشار هذه الثقافة هو التخوف من استغلالها بشكل مادي، حيث يحولها البعض إلى تجارة تدر مبالغ ضخمة، وخاصةً عند حاجة الشخص لعضو تتوقف عليه حياته، لذلك يتم وضع قوانين صارمة لضبطها وعدم تحويلها واستغلالها.

في هذا السياق يوضح عضو إدارة قضاة التشريع نزار صدقني لـ "لأيام" أن ثمّة قانون ناظم لهذا النوع من "التبرع" وهو القانون رقم 30 لعام 2003 لنقل وغرس الأعضاء، وهو قانون وضع ليضبط الحالة، مضيفاً أنه قبل عام 2003 لم يكن هناك أي قانون، هذا القانون أتى لينظم حالة نقل الأعضاء من حي إلى حي ومن ميت  إلى حي، وهناك شروط محددة وهي أن يكون هناك وصية من الشخص للتبرع بأعضائه أو أقربائه من الدرجة الأولى مثل أبوه أو ابنه يتبرع عنه، أو من الدرجة الثانية، ويشترط وجود لجنة طبية ثلاثية تتأكد من وفاته قبل التبرع خلال ساعات بعد الوفاة، لكن ليس هناك منظمات تعمل بشكل كبير واقعياً، وعن الخروقات تحدّث "صدقني": إذا كان التبرع بمقابل مادي يعاقب عليها القانون على أنها جنحة، كذلك يعاقب تاجر الأعضاء بمدة ثلاث سنوات لأنه يستغل حاجة الناس من أجل مقابل مادي، وفي حال استغل التاجر فقر المتبرع فإن الأمر يصل إلى حالة الإتجار بالأشخاص بحسب المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010، ويصل الحد الأدنى للعقوبة إلى 7 سنوات، مشدداً على أن المسموح هو التبرع الخيري فقط.

 

إيثار...

من الجانب الديني، تؤكد معظم الديانات على أهمية مساعدة الآخرين وإنقاذهم، لذلك فإن موضوع الإيثار مهم جداً لدى الأشخاص الذين لديهم إيمان ديني من مختلف الديانات، وهذا ما أكده الشيخ مؤمن عدي لـ "الأيام"، مضيفاً: لكن هنالك اختلاف بين العلماء بنقل الأعضاء، حيث انقسموا إلى فريقين، الأول أباح ولكن بضوابط وشروط، والثاني حرّم بشكل مطلق، وسبب الاختلاف هو: هل الإنسان مالك لجسده أم أمين عليه، وهل يستطيع التصرف أو حق الانتفاع؟ ويأتي الخلاف بسبب عدم وجود نص صريح وقاطع في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية حول هذا الموضوع، فالفريق الذي حرّم اعتقد أن الإنسان لا يملك جسده انطلاقاً من قاعدة "لا يدفع الضرر بالضرر"، وبالتالي فالتبرع قد يسبب ضررا في الإنسان -بالنسبة للمتبرع الحي- والدين الإسلامي نهى عن رمي النفس إلى التهلكة بحيث يُعتبر بمرتبة إتلاف.

 

أما الفريق الثاني، فقد أجاز التبرع من مبدأ أن الإنسان ملك لله فيكون التبرع من ملك الله إلى ملك الله، لكن بضوابط، أن يكون برضى المتبرع وألا يترتب ضرر محقق أو غالب، كما يجب تحقيق مصلحة العافية ولا شك أن المتبرع أولى، وأن يكون القصد مصلحة علاجية من غير بيع أو متاجرة لأن الإنسان لا يُباع ولا يُشترى، ويكون التبرع بشروط وهي إذا كان الشخص مضطرا إلى زرع هذا العضو، وأن تكون حالته قد توصله إلى الموت أو العجز الكلي.

 

التبرع... رسالة محبة

 من جهته، يؤكد الأب شادي من كنيسة الساليزيان في دمشق، لـ "الأيام" أن الكنيسة الكاثوليكية لا يوجد فيها أي منع لوهب الأعضاء، وخاصةً أن إنقاذ الإنسان هو من أسمى الأعمال التي يجب علينا أن نفعلها، وهي رسالة الحب والحياة التي تتبناها جميع الأديان، متفقاً مع ما قاله الشيخ مؤمن عدي بأن جميع الأديان تتفق على إنقاذ الروح البشرية وعدم رميها بالهلاك.

مضيفاً أنه من هنا يجب العمل على نشر هذه الثقافة للوصول إلى تشريعات تسمح بتواجد منظمات تختص بالتبرع ضمن أنظمة وقوانين تمنع تحويلها لتجارة، فحتى الآن لا يوجد في سورية منظمات أو هيئات لتنظيم التبرع بالأعضاء كما بيّن القاضي نزار صدقني، لافتاً إلى أنه يجب أن يكون هناك بنك أعضاء لتسجيل الحالات ومن هم بحاجة إلى ذلك عن طريق جداول وبشكل غير تجاري، وهذا العمل من مسؤوليات الوزرات الأخرى وليس العدل. لكن يجب إعطاء ميزات تشجّع المتبرع، مثل إعطاءه أولويات في المستشفيات وتأمين صحي جيد.

خلاصة القول إن على المجتمع المدني العمل على نشر هذه الثقافة والتعاون مع الجهات الحكومية لإقصاء العوائق والعقبات التي تعرقل تشريع القوانين التي تقنن وتنظم عمليات التبرع بالأعضاء، ودعم اللوائح وسن قوانين خاصة بجريمة التجارة بالأعضاء البشرية لضبط المنتفعين منها والذين يتحايلون على القانون بسبب قصور هذه اللوائح، وعلينا كأفراد أن نرتقي لعلياء وسمو المتبرعين الذين اختاروا لأجزاء من أجسادهم أن تتأنق في أجساد آخرين بدل أن يبتلعها التراب.


Facebook Google Plus Twitter LinkedIn
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين موقعنا. بتصفحك هذا الموقع أنت توافق على ذلك. إذا لم توافق، فرجاء غادر هذا الموقع.. More details…